french

English

 

دليل المواقع

برامج وأنشطة

أخبار

الأرشيف

طلب مساعدة

عن اللجنة

الصفحة الرئيسية

Arab Commission for Human Rights
5, rue Gambetta
92240-Malakoff- France
Tel 0033140921588 Fax 0033146541913

e. mail achr@noos.fr
 

حالة حقوق الإنسان في البحرين وتعاطي المنظمات الحقوقية الدولية   فيوليت داغر

 

2017-03-08

اللجنة العربية لحقوق الإنسان

  

لمحة عامة :

عكست التحركات المطلبية في البحرين منذ أحداث 2011 اهتماماً متفاوتاً، قد يراه البعض خافتاً لحد ما على الصعيد الدولي. ذلك بالنظر لتصعيد وتيرة الانتهاكات بمواجهة احتجاجات اشتدت بعد هذا التاريخ وبقيت طيلة السنوات المتعاقبة سلمية رغم ضراوة القمع. طالت تلك الانتهاكات جميع شرائح المجتمع التي احتجت على القهر أو عبرت عن رأي مغاير للسلطات، بدءا من الصحفيين والكتاب وأصحاب الرأي على اختلافهم، إلى الأطباء والعاملين في الحقل الصحي، إلى الرياضيين والمعلمين والطلبة والعمال الخ.

لذا، كان من المتوقع أن تولي بعض المؤسسات الحقوقية الدولية، التي تعالج عموم الحقوق أو المتخصصة ببعضها، اهتماماً بما يجري في هذا البلد. مرآة البحرين، التي تخصص مساحة على موقعها لمتابعة اهتمام المنظمات الدولية بقضايا حقوق الإنسان في البحرين (والتي نستند في مداخلتنا هذه لما رصدته)، وصفت حضور هذه المنظمات بالكبير، مقارنة بغياب الدعم الرسمي الدولي للحراك الجاري في البحرين.

هذه المنظمات الحقوقية الدولية، التي تابعت القضية البحرينية منذ بداياتها، أرسلت ممثلين لها إلى عين المكان وعقدت لقاءات مع النشطاء البحرينيين وضحايا الانتهاكات واطلعت على الأوضاع وجمعت معلومات، نتج عنها بيانات وتقارير وثقت للأحداث الجارية منذ 2011. من هذه المنظمات:"هيومن رايتس ووتش" وهيومن رايتس فيرست ومنظمة العفو الدولية، وغيرها آخرون من منظمات الصحافة وحرية التعبير حول العالم من مثل منظمة حماية الصحافيين أو مراسلون بلا حدود أو الشبكة الدولية لتبادل المعلومات حول حرية التعبير IFEXأو منظمة قلم PEN  التي أصدرت جميعها بيانات أو تقارير في الشأن.

كذلك، عديد المنظمات الطبية والصحية ومنظمات العاملين في الحقل الصحي، على رأسها منظمة  أطباء من أجل حقوق الإنسان، التي أصدرت بيانات وتقارير متعددة تدعم قضية الأطباء في البحرين الذين تعرضوا لانتهاك حقوقهم. ومثلها فعلت المنظمات الدولية التي تهتم بحقوق المعلمين والطلبة، منها منظمة التعليم الدولية التي تابعت المدرسين المحتجزين أو المفصولين عن العمل وتضامنت مع الطلبة الذين فصلوا أو سحبت منحهم الدراسية جراء مشاركتهم في الاحتجاجات المطالبة بالديمقراطية.

منظمات العمل وحماية العمال واتحادات ونقابات العمل حول العالم وجدت أيضاً في الحالة البحرينية قضية تستحق الدعم، حينما جرى تسريح أكثر من 3 آلاف شخص من أعمالهم بناء على مشاركتهم في الاحتجاجات الداعمة للديمقراطية. فقد رفع 12 اتحاداً عماليّاً دوليّاً لمنظمة العمل الدولية شكوى على حكومة البحرين لانتهاكها معايير العمل والاتفاقية (111) المتعلقة بالتمييز في الاستخدام والمهنة ولتسريح المئات من الموظفين في القطاعين العام والخاص.

أما المنظمات العربية، التي يفترض أن تكون عموماً معنية بالشأن البحريني، فهي ليست كثيرة. إلى جانب أن حضورها ليس على الإطلاق بحجم تلك التي أشرنا لها أعلاه للإطلال على هذه الانتهاكات. السبب الأساسي يكمن في عدم حيازتها على إمكانيات تلك الدولية لتسيير المهام والرصد على عين المكان. لذا، اقتصر نشاط الكثير منها حول البحرين على بيانات التنديد التي غالباً ما تكون جماعية، وردات الفعل على استفزازات بعينها أكثر منه تقديم معطيات فيها ما يضيف على التقارير والبحوث التي سبق ذكرها. وللمصداقية، علينا أن لا نغفل أيضاً أن من أسباب غياب صوت العديد من المنظمات العربية هي العمل لأجندات وبتمويلات ترهن قرارها وتحد من هامش حرية حركتها، خاصة عندما يتعلق الأمر بالدول الخليجية.

 

معطيات المنظمات:

في تصنيفها العالمي السنوي للصحافة في 2014، وصفت مراسلون بلا حدود البحرين بـ"مملكة التضليل" ووضعتها في مصاف الدول ذات «الوضع الخطير جداً»، وفي المرتبة 163 عالمياً في حرية الرأي والتعبير من بين 180 دولة شملها التصنيف. وحيث أن 90%  من السكّان يستعملون الإنترنت، فالبحرين ثامن أسوأ دولة على مؤشّر حرية الإنترنت. فالبنية التحتية لشبكة الإنترنت تخضع لسيطرة السلطات بشكل مطلق، مما يسهل عملية مراقبة المعلومات. من ناحيتها، لجنة حماية الصحافيين (CPJ) صنفت البحرين في المرتبة الثانية عالميا من حيث ترتيب الصحفيين المسجونين بحساب عدد السكان. وأضافت أنه "على الرغم من المديح الذي أسبغه الملك حمد على الصحافة، فقد شدّدت الحكومة البحرينية قمعها ضد كل شخص يتحدى روايتها الرسمية.. فالسلطات تحتجز الصحافيين بصفة وقائية لمنع تغطية الاحتجاجات".

منظمة العفو الدولية، وبمناسبة اليوم العالمي للطفولة، اشتركت مع 8 منظمات آخريات بإصدار بيان في 20 نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، تطرق إلى استمرار سلطات البحرين في انتهاك حقوق مئات الأطفال، حيث قتلت 10 أطفال منذ 2011 واعتقلت 1500 آخرين. ورداً على مزاعم السلطات بأنها تمضي قدماً في عملية الإصلاح، أكدت المنظمة أن البحرين "فشلت في تحقيق إصلاحات أساسية". أما التقرير السنوي للخارجية الأمريكية عن حالة حقوق الإنسان في دول العالم لسنة 2016، فقد تكلم عن وجود حوالي 2337 نزيلا في سجن «جو» البحريني، وعن 200 طفل معتقل، كما عن مئات الشكاوى بسوء المعاملة والتعذيب من طرف سلطات السجن وإدارة التحقيقات الجنائية. وحول نفس الموضوع، سبق وأشار المركز الدّولي لدراسات السّجون التابع لمعهد أبحاث السّياسات الجنائية في لندن، إلى أن البحرين حلت  في المرتبة الأولى في الشّرق الأوسط من حيث معدل السّجناء بالنسبة للسكان، متفوقة بذلك حتى على إسرائيل أو السعودية. 

وفي تقريرها لسنة 2015، أكدت "هيومن رايتس ووتش"  أن "محاكم البحرين  تقوم بدور محوري في الحفاظ على النظام القمعي"، وأنها تحكم بشكل روتيني على المتظاهرين السلميين بالسجن لفترات طويلة، في حين من النادر ما تتم محاكمة أفراد قوات الأمن لعمليات القتل غير القانونية، بما فيها المرتكبة أثناء الاحتجاز.. وقد احتفظت البحرين بمعدّلها الاستثنائي من حيث هي الأعلى في العالم في نسبة أعداد الشرطة إلى عدد السكّان، أي ما يعادل 6 أضعاف المتوسّط العالمي.

مؤسسة جينز البريطانية للمعلومات كشفت في تقرير لها أن البحرين زادت إنفاقها على معدّات التسلّح لأكثر من الضعف خلال العام 2016. وكان معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام SIPRI قد رأى أنه خلال الـ 4 سنوات التي تلت ثورة 14 فبراير/شباط 2011، بلغ الإنفاق العسكري للبحرين نحو 5 مليارات دولار، بعدما كان قد سجل في تقرير سابق له صدر في أبريل/نيسان 2014 أن البحرين حلّت سنة 2013 في المرتبة الثانية بعد العراق من حيث نسبة الزيادة في الإنفاق العسكري. ورجح المعهد أن الزيادة هذه مرتبطة بالمشتريات الأخيرة من الأسلحة المستخدمة في قمع الاضطرابات الداخلية، لاسيما وأن جيش البحرين مصنف في المرتبة الأخيرة خليجيا، بحسب مؤسسة «HIS» الأمريكية. واعتبرت الدراسة أن "الإنفاق العسكري في دول مجلس التّعاون الخليجي يشكل نسبة عالية من النّاتج الإجمالي المحلي، وبما يفوق المعدل العالمي. كما أن حكومات هذه الدول قد خفضت ميزانية نفقاتها الأخرى للمحافظة على مستوى الميزانية العسكرية.

مركز "Pew" الأمريكي للأبحاث، لفت من ناحيته إلى أن البحرين من أعلى الدول التي تشهد تنامي الكراهية الدينية. وأشار إلى مستوى الاضطهاد الديني الذي تتعرّض له الطائفة الشيعية. ذلك من خلال المقاييس المتعلقة بالازدراء والتحقير والإهانات الممنهجة واستخدام القوة ضد فئة دينية. بما يؤدّي للقتل والاعتداء الجسدي والسجن والتعذيب على مستوى واسع النطاق.

هذا الموضوع كان مثار بحث في تقرير للخارجية الأمريكية حول الحريات الدينية لسنة -2015- حيث أكد، إثر تصاعد موجات التجنيس، أن الطائفة الشيعة ما زالت أغلبية في البحرين. لكن على الرغم من ذلك فإن السّنة يهيمنون على الحياة السّياسية فيها. ولاحظ التقرير أن معدل البطالة أعلى لدى الشّيعة، وأن موقعهم الاجتماعي والاقتصادي أدنى من ذاك الذي يحظى به السّنة. أفاد أيضاً عن كون "المواطنين السّنة يحظون بالأفضلية في المناصب المدنية والعسكرية الرفيعة في الدّولة، وكذلك في المنح الدراسية"، فضلا عن عدم توظيفهم في قطاعات الأمن، وذلك كلّه بسبب "الانتماء الدّيني". دوّن التّقرير أن "مستوى الخدمات التّربوية والاجتماعية والبلدية في أغلب الأحياء الشّيعية أدنى من ذاك الذي تحظى به المجتمعات السّنية". وقال إن "قانون التجنيس لا يُطبق بالطّريقة ذاتها مع الجميع". وخلص للقول أن اضطّهاد الحكومة للشيعة، والتضييق على ممارساتهم الدينية، وانتهاك شعائرهم، وهدم مساجدهم ومآتمهم، والتعرّض لرجال دينهم بطرق مختلفة، يبعث برسالة عكسية تماماً لما يروّج له بأنّ البحرين بلد التعايش الديني.

في الموضوع نفسه، كان فريق الإجراءات الخاصة بمجلس حقوق الإنسان قد أشار، في تقرير "الاتصالات المشتركة"، في مايو/ أيار 2016، إلى "اتهامات باستمرار أنماط التمييز ضد المواطنين الشيعة من خلال السياسات الحكومية والثقافية والاقتصادية والتعليمية والاجتماعية في البحرين منذ عام 2011".

من ناحيتها، مراكز إحصاء وتصنيف دولية من أمثال منظمة "الشفافية الدولية" أو وكالة التصنيف المعروفة ب"ستاندرد آند بوور" أبدت الاهتمام بمؤشرات  الديمقراطية والحقوق السياسية والاقتصادية في البحرين، حينما أشارت لتراجع البحرين لأدنى المستويات مقابل ارتفاع المخاطر السياسية وازدياد الفساد. وقد طالبت بجملة إصلاحات سياسية لحل الأزمة، منها فتح الطريق أمام شراكة حقيقية في اتخاذ القرار، ومراجعة الإطار الانتخابي لتسهيل انتخاب مجلس أكثر تمثيلاً من خلال اعتماد نظام التمثيل النسبي للدوائر الانتخابية، كما أوصت بإنهاء احتجاز المعتقلين السياسيين، ومحاسبة المسئولين عن التجاوزات التي حدثت خلال الحملات الأمنية المتكررة، والتي يعود جزء منها لما قبل 2011.

منظمة "Social Watch" الأمريكية، اعتبرت من ناحيتها أن استخدام القوة ضد الجماعات السياسية والمطالبين بالتحوّل الديمقراطي في البحرين، أدى إلى "تقويض صورة البلاد وأضر بترتيبها في التقارير والدراسات والمؤشرات الاستقصائية الدولية التي تصدر بصفة دورية".  Democracy Ranking Association رأت أن البحرين من بين أسوأ عشر دول في العالم من حيث الترتيب الديمقراطي العالمي. الأمر الذي أكد عليه تقرير للبنك الدولي عبر تعداد العديد من المؤشرات حول استمرار تراجع الحكم الصالح في البحرين، وخصوصاً بما يخص الاستقرار السياسي والأمني. أما الاتحاد الدولي للبرلمانيين، فكان قد صنف في 2014 البحرين  ضمن أخطر 7 دول في الشرق الأوسط على البرلمانيين، حيث يدفعون ثمناً باهظاً لممارستهم حقهم في حرية  التعبير.

معهد الاقتصاد والسلام (IEP)أشار إلى أنه في العام الماضي -2016- تدهور مركز البحرين بشكل حاد على مؤشر السلم العالمي، متراجعاً 23 مرتبة ومحتلاً المركز 132 على 162، ليكون من بين أعلى 5 دول، ليس من بينها دول خليجية. أرجع المعهد ذلك لتدهور الأوضاع المحلية بسبب: استمرار الصراع السياسي، وحملة القمع الحكومية ضد المعارضة، وارتفاع معدل السجن، وسهولة الحصول على الأسلحة الخفيفة فيها، بما يمكن أن يكون مقدمة لاضطرابات داخلية أكبر. كما أضاف في تقرير لاحق أسباباً تعود للسياسة الخارجية ومنها: انخراط البحرين في الصراعات الإقليمية وإنفاقها العسكري المتزايد، حيث رغم حجمها، شاركت البحرين بشكل كامل في كل من حملات اليمن وسوريا.

 

رؤى وتوقعات:

اعتبر الباحثون البحرين مدخلاً لفهم السياسة في الخليج، والتطرّف السنّي، والغضب الشيعي، والاتّساع المستمر للشرخ الطائفي. كما لفتت مراكز بحثية إلى أن هذا البلد الذي يعيش تدهوراً أمنياً خطيراً قد يشهد تقلّبات عنيفة، وتصعيداً مفاجئاً وسط الأرقام المخيفة التي أُعلن عنها على الصعد السياسية والأمنية والاقتصادية.

في توقعاتها للخمس سنوات المقبلة (ما بين العام 2017 و2021)، رأت «الإيكونومست» أن المشهد السياسي في البلاد سيظل غير مستقر، مع استمرار الاحتجاجات ضد أسرة آل خليفة الحاكمة. والحكومة ستعتمد منهجاً متشدداً بشكل متزايد في التعامل مع الاضطرابات، محاولة القضاء على تيار المعارضة الرئيسي. إضافة للمزيد من التباطؤ في النمو الاقتصادي.

إليوت أبرامز، كبير الباحثين بـ«مجلس العلاقات الخارجية» (مؤسسّة بحث وتفكير أمريكية)، يرى أن الصمت هو ما يطرق مسامعنا من ناحية البيت الأبيض حين يأتي الحديث عن انتهاكات حقوق الإنسان والحكومة الاستبدادية الوحشية في المنامة، في ظل تفاقم الوضع، ويقول أنه "لا ينبغي لأحد الاطمئنان بخصوص البحرين. فهي في طريقها نحو المزيد من الاضطراب، وتفاقم التطرّف السنّي، واشتداد الغضب الشيعي، والاتّساع المستمر للشرخ الطائفي".

مركز ستراتفور للدّراسات الإستراتيجية تحدّث عن أهمية البحرين بالنّسبة للولايات المتحدة كحليف إقليمي في الشّرق الأوسط، وهي أهمية متوافقة عكسيًا مع حجم البلاد. وأشار لحيازة الولايات المتحدة على قاعدة بحرية في البحرين منذ العام 1947، حيث يتمركز الأسطول الأمريكي الخامس فيها. وذكر المركز أن علاقة البلدين في بعض الجوانب وثيقة كعلاقاتها مع حلفائها في حلف شمال الأطلسي. فالرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش منح البحرين أحقّية شراء المعدات العسكرية، تمامًا كأعضاء حلف شمال الأطلسي.  

المعهد الملكي البريطاني "تشاتام هاوس"، توقع في دراسة له حصول تغييرات سياسية في دول الخليج، مشيراً إلى أن الهياكل الاقتصادية والاجتماعية في هذه الدول تمر بتحولات جذرية، من شأنها أن تفرض تغييرات سياسية على التركيبة الحاكمة. وهذه الدراسة لا تنظر إلى الاحتجاجات في البحرين على أنها عابرة، بل هي ستفرض مع الوقت تحديات جدية على المستوى السياسي في الممالك الخليجية.

 

صناعة الصورة وهجوم مضاد:

رغم هذه المواقف الدولية، لا ترى المعارضة البحرينية فيها ما يمنع نظام المنامة من ارتكاب جرائم بحق البحرينيين، وخاصة نشطاء الحراك المعارض. لذا، لا تعوَل على اتخاذ المجتمع الدولي خطوات كفيلة بردعه عن ارتكاب المزيد من جرائمه بحق الشعب البحريني.  

يُستدل على ذلك من الرد العنيف على المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، زيد بن رعد الحسين، عندما أعلن في (10 مارس/ آذار 2016)، أن البحرين بحاجة إلى "إصلاحات عميقة"، ووصف إسقاط حكومة البحرين لجنسية معارضين بـ "الممارسة المثيرة للقلق" وبأن "القليل فقط أنجزته البحرين على مستوى محاسبة المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان". هذا الكلام من مسؤول أممي بهذا الموقع قوبل بالرفض العنيف من طرف السلطات البحرينية التي وصفت تصريحاته هذه بأنها "تدخّل غير مقبول في الشؤون الداخلية" وبأن مطلقها "لا حول له ولا قوة".

وكون الهجوم أفضل وسائل الدفاع، تمادت من جديد سلطات البحرين في اعتماد هذه الإستراتيجية بوقاحة وضيق أفق في الرؤيا، عندما أضافت إلى مآثرها تصديها مؤخراً لعمل بحثي أعده خبراء لمنظمة "الاسكوا" التابعة للأمم المتحدة، موضوعه "الظلم في العالم العربي والطريق الى العدل..". مضمون التقرير ليس سوى مادة علمية وتحليلية للأوضاع في العالم العربي، مع التركيز على الاستبداد في دول مجلس التعاون الخليجي، وعلى التطهير العرقي والفصل العنصري والجرائم ضد الإنسانية في كيان الاحتلال الغاصب. عمل تطرق أيضاً لواقع العدل في البلدان العربية والاستبداد الذي أدى في بعض منها لانتفاضات انتهت بحروب دموية، كما حذّر من موجة جديدة من الثورات قد يتم اللجوء فيها للسلاح لتحقيق المطالب. لم يكن أمام الأمم المتحدة حينها سوى الرضوخ للضغوط وإعلان عدم تبنيها للتقرير والامتناع عن نشره باسمها. في حين أن كل عاقل يوافق خبراء التقرير في ما ذهبوا إليه من تحليلات واستنتاجات وإعزاء قلق النخب الحاكمة لغياب شرعيتها، بما يدفعها للمبالغة في القمع. كما ويوافقهم على التشديد على ضرورة وأد الفتنة الطائفية من حيث أنها تهديد وجودي للعالم العربي.

لتفسير واقع الإنزياح الغربي باتجاه النظام البحريني – مثله مثل باقي الأنظمة الخليجية- هل يكفي القول أن الأمر يفسر بالمصالح المتبادلة مع بلدان لديها كمّ من مخزون نفطي، وعائلاتها الحاكمة مستعدة للمساومات والتنازلات، كما للضغط والابتزاز بالقدر الذي يضمن لها استمرارها في الحكم؟  وهل تتحمل هذه الحكومات الغربية مسؤوليتها بمواصلة تقديم الدعم لهذه الأنظمة بأشكال عدة وتتحمل نتائج ما ترتكبه من جرائم بحق شعوبها وكأن الإفلات من العقاب سيبقى القاعدة المتبعة على الدوام؟

رغم صوت بعض المنظمات الحقوقية العالي والذي يفضح التواطؤ الغربي مع السلطات البحرينية، يبدو أن لا شيء يوقف هذه الحكومات عن المضي في نهجها. فواحدة من الفضائح الجديدة التي كشفت عنها مؤخراً منظمة ريبريف البريطانية كانت حول تمويل الحكومة البريطانية لتدريبات على كيفية التعاطي مع الاحتجاجات الشعبية في البحرين والقتل بوسائل متطورة، جرت في إيرلندا الشمالية وقدمت لضباط من الشرطة البحرينية، كان من نتائجها قتل العشرات من المحتجين السلميين رغم نفي السلطات البريطانية تقديم هذا الدعم ومحاولة إخفاء الأدلة عليه.

أما في التقرير ( نشرته الأخبار اللبنانية في ٢٧ كانون الثاني ٢٠١٧) الذي أصدره "مرصد الشركات في أوروبا ــCorporate Europe Observatory" بداية 2015، فنقع على بحث مفصل يبرز عمل شركات العلاقات العامة الأوروبية لمصلحة الأنظمة القمعية في مختلف دول العالم. كما نطلع على كيفية ترويج النظام البحريني لروايته لما يحصل في البلاد في كل من أوروبا والولايات المتحدة منذ ما قبل أحداث شباط 2011. يذكر التقرير أن النظام البحريني تعاقد مع سبع شركات على الأقل(Bell Pottinger, Protection Group International, Meade Hall Associates, G3, Big Tent, Dragon Associates, M&C Saatchi &) لتحسين صورته وبثّ دعاية عبر وسائل إعلام أوروبية وعالمية هدفها تشويه الحراك السلمي إعلامياً واتهامه بالارتهان للخارج وممارسة العنف. 

يكشف البحث على سبيل المثال بأن شركة "بيل بوتينغر"، التي تنفذ لوسائل إعلام بريطانية كبيرة ولسياسيين من حزب المحافظين خاصة، يؤمن مؤسسها اللورد تيم بيل: " بأن عدداً قليلاً من الكلمات، وصورة بصرية قوية، بإمكانها تغيير طريقة تفكير الناس". هذه الشركة قدمت خدمات جلى للنظام البحريني، بدءا من تأسيس مركز إعلامي في المنامة للاتصال بالصحافيين الأجانب وإرسال تقارير عن "التعامل الإنساني" للنظام مع المتظاهرين، إلى كشف وتعقب الناشطين المعارضين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلى دسّ معلومات ترويجية كاذبة ومغلوطة عن النظام في موقع "ويكيبيديا". (مثال على ذلك، توزيعها في 5 أيلول 2010 لمعظم وسائل الإعلام الأميركية الكبيرة خطاباً للملك وصياغة تقرير عن "خلية الـ 23" التي ادّعى النظام تفكيكها، تضمّن أسماء رموز من المعارضة البحرينية، منهم حسن مشيمع وسعيد الشهابي).

أما شركة "كورفيس" الأمريكية، التي تم التعاقد معها منذ بداية نيسان 2011، وقدمت صورة وردية عن الوضع في البلد بمقتضى الرواية الرسمية للنظام البحريني، كون الأمور على ما يرام بعكس ما تشيعه المعارضة، بدأت بالحديث عن "الخلايا التآمرية" لتتحول لاحقاً لاستعمال مصطلح "الإرهاب" عند ذكر المعارضة. من بين أعمال كثيرة قامت بها، وزعت بين نيسان وأيلول 2015 تقريراً إعلامياً بعنوان «اعتقال المشتبه بهم بالتفجير الإرهابي الذي قتل شرطيين في البحرين، واعتقال آخرين لصلتهم بحزب الله والحرس الثوري الإيراني». معزوفة إيران وحزب الله هذه كان لي أن أسمعها أيضاً حين تابعت محاكمة متهمين في الكويت (كانوا للمصادفة كذلك من الطائفة الشيعية)، ووجدنا من بين التهم التي وجهت لهم: التخابر مع إيران والتدرب عند حزب الله. لكن هذا التدريب حصل في منطقة كانت يومها واقعة تحت الإحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان. وفي غياب التدقيق في المعطيات حين اختلاق التهم والملفات في محاكمات صورية كهذه، ما يثير الاستفزاز والسخرية والأسى لما وصل له حال الأمة.

 

أكلاف العنف:

رغم مساعي نظام المنامة بإغداق الأموال لتلميع صورته في الغرب، ووصم التحركات المطلبية بالعنف ومن ثم بالإرهاب، ها هو هذا الشعب ما زال مصرّاً على التمسك بالنضال السلمي كخيار وحيد. وذلك على الرغم من الاستفزاز المتواصل له والذي وصل حداً لا يحتمل، بما فيه إصدار أحكام بالإعدام بحق ناشطين سلميين مع التنفيذ الفوري. وهنا نتساءل إن كانت الآليات المتبعة قد أوصلت لاستنتاج عدم جدواها ولكلفتها العالية، خاصة في ظل مشهد التحولات المتسارعة والمنعطفات التي فرضها واقع إقليمي ودولي قاهر ومتغير ؟

العقل يفترض وقف العنف الذي بات ضرورة وجودية في هذه المنطقة من العالم. هذا العنف، الذي يُعمل معاول الهدم في البنية التحتية وفي الاستثمار والاستقرار، يكبد الاقتصاد العالمي- بحسب تقرير لمعهد الاقتصاد والسلام صدر في 2016- ما لا يقل عن 13.6 تريليون دولار، أي ما يعادل 13.3% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي (احتلت سوريا المرتبة الأولى عالميا في الخسائر من حيث الإنفاق على العنف، أي بنسبة 54.1% من حجم الناتج المحلي الإجمالي، يليها العراق: 53.5%، وأفغانستان: 45.3%، وفنزويلا: 42.8%، وجنوب السودان: 35.2%). في سنة 2015 وحدها بلغت الخسائر الاقتصادية الناتجة عن الصراعات المسلحة 742 مليار دولار. فهل تعني هذه الأرقام شيئاً للمتحكمين بالسياسات المحلية والكونية؟ أما وأنه بالموت يتساوى الظالم والمظلوم، الفقير والمقتدر، هل من يفكر ويعتبر ؟

مداخلة لمنتدى البحرين السادس/ بيروت 22 فبراير-شباط 2017

 

 

C.A. DROITS HUMAINS

5 Rue Gambetta - 92240 Malakoff – France

Phone: (33-1) 40921588  * Fax: (33-1) 46541913

E. mail achr@noos.fr   www.achr.nu www.achr.eu

 

 

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي اللجنة العربية لحقوق الإنسان , إنما تعبر عن رأي أصحابها

الصفحة الرئيسة