french

English

 

دليل المواقع

برامج وأنشطة

أخبار

الأرشيف

طلب مساعدة

عن اللجنة

الصفحة الرئيسية

Arab Commission for Human Rights
5, rue Gambetta
92240-Malakoff- France
Tel 0033140921588 Fax 0033146541913

e. mail achr@noos.fr
 

سياسة نفطية تخدم الدولة أم الجهات الأخرى؟ - نقولا سركيس

 

2017-10-21

اللجنة العربية لحقوق الإنسان

  

بعد إقرار قانون الأحكام الضريبية المتعلقة بالأنشطة البترولية في 19 أيلول الماضي، والذي يشكل آخر مرحلة مما يسمى «المنظومة التشريعية» لاستثمار الثروة النفطية الموعودة مقابل الشواطئ اللبنانية، أصبح مبدئياً من الممكن التفاوض مع شركات بترولية لإبرام اتفاقيات استكشاف وإنتاج تلزم لبنان لمدة تقارب الأربعين عاماً.

هذا كلّه على الرغم من كل الهواجس المثارة، والعديد من التساؤلات التي طرحت في الندوات ووسائل الإعلام وغيرها، والتي لم تتم الإجابة عليها بعد، حول الثغرات والانحرافات في مسيرة البترول والغاز في لبنان. هذه الثغرات والانحرافات، وما تنطوي عليه من مخاطر، يمكن إيجازها في النقاط التالية:

أولاً- التشويه الصارخ لنص وروح بعض الأحكام الأساسية من القانون البترولي 132/2010، عن طريق المرسوم التطبيقي 43/2017 الخاص بنموذج «اتفاقيات الاستكشاف والإنتاج» (Exploration and Production Agreement - OPA) المقترح عقدها مع الشركات العاملة، وقد حصل التشويه عندما تجاهل المسؤولون عن صياغة هذا المرسوم نظام «تقاسم الإنتاج» المعروف في كل أنحاء العالم والذي نص عليه القانون في المادة 44 وغيرها، ليستعيضوا عنه بما يسميه بعضهم «تقاسم الأرباح» والذي يشكل عملياً عودة مقنعة لما هو أسوأ مالياً واقتصادياً وسيادياً من نظام الامتيازات القديمة التي قضت عليها كلياً آخر موجة من التأميمات في الدول العربية وغيرها في مطلع السبعينيات من القرن الماضي.
ثانياً- النتيجة المباشرة لتشويه القانون البترولي ولتجاهل ما نصّ عليه حول نظام «تقاسم الإنتاج»، كان إقصاء الدولة كليّاً عن المشاركة المباشرة وصنع القرار في الأنشطة البترولية، كما تنصّ على ذلك المادة 5 من المرسوم المذكور عبر التّأكيد على أنه «ليس للدولة مشاركة في دورة التراخيص الأولى»!...

هكذا، وفي ثماني كلمات لا غير، قرّر بعض موظفي وزارة الطاقة ومن وراءهم، وبكلّ بساطة، طرد الدولة وكلّ من تمثله، من مراكز المسؤولية في استثمار الثروة الموعودة. ولم يتركوا لها سوى الدور المتمثّل في «حقّ طلب تعيين ممثلين للحضور كمراقبين» في بعض اجتماعات لجان إدارة الشركات العاملة»، حسب المادة 16 من المرسوم 43.
وليس مستغرباً أن يؤدّي هذا التناقض حول نظام الاستثمار المزمع تطبيقه، بين القانون 132/2010 من جهة والمرسوم 43/2017 من جهة ثانية، إلى التناقض بين التصريحات العلنية التي يطلقها عدد من المسؤولين، وحسب الظروف، عن هذا القطاع. ففي حين يعلن وزير الطاقة الحالي أن النظام المعتمد هو نظام تقاسم الإنتاج، كان قد سبق لبعض أعضاء هيئة البترول أن أعلنوا أن المرسوم قد تبنّى نظام «تقاسم الأرباح». أما الرئيس السابق للهيئة نفسها، فقد فسّر مطولاً في لقاء صحافي نُشِر في 17 نيسان 2015 أنّ النظام المعتمد هو نظام «وسطي» يقع بين نظام الامتيازات ونظام تقاسم الإنتاج و»يجمع محاسن النظامين»!
نتيجة لذلك يواجه لبنان اليوم وضعاً سريالياً غير مسبوق جرّاء عزم المسؤولين على إبرام اتفاقيات ملزمة لأربعة عقود، وذلك دون أن يتمّ التفاهم بينهم حول طبيعة وحول مضاعفات وحول ما يعنيه نظام الاستثمار الذي ستقوم عليه هذه الاتفاقيات!

ثالثاً- هذا الفراغ الذي أحدثه تعطيل دور الدولة المحوريّ والامتناع عن إنشاء شركة نفط وطنية، فتح الباب على مصراعيه لإدخال شركات وهمية لا وجود لها إلّا على الورق، تمّ تسجيلها على جناح السرعة برساميل رمزية، من نوع Petroleb التي سُجّلت في بيروت، أو ApexGas التي تمّ تسجيلها في هونغ كونغ برأسمال عشرة آلاف دولار هونكونغي، أي 1.290 دولاراً أميركياً، ولم تجد وزارة الطاقة وهيئة البترول أيّ مانع للموافقة على «تأهيلها مسبقاً» للحصول على حقوق استكشاف وإنتاج البترول والغاز في المناطق البحرية! كما أنّها لم تجد مانعاً من تأهيل شركات صغيرة أخرى ملاحَقة قضائياً في بعض الدول العربية، يُعرف عنها بالإنكليزية بـ»الهوليكان»، أي الشركات المارقة المتّهمة بالرشى والفساد، إضافة إلى بعض الشركات المشبوهة التي تتداخل رساميلها بعضها مع بعض، ما يتعارض مع الحاجة الماسة لشفافية العروض والاتفاقيات المزمع عقدها.

أما الهدف، فهو فرض هذه الشركات الوهمية أو المارقة ومن تمثّله كشركات «غير مشغلة»
(
Non-operators) ترتبط مع الشركات الكبرى التي تقوم بدور المشغّل (Operator)، وذلك في إطار «شراكة تجارية غير مندمجة». وحسب دفتر الشروط والمرسوم 43. فإنّ هذه الشراكة غير المندمجة يجب أن تضمّ شركة مشغلة تملك 35% على الأقل من الرأسمال، وشركتين غير مشغلتين على الأقل، تملك كل واحدة منها 10٪ من الرأسمال كحدّ أدنى. وهكذا تكتمل الحلقة ويتم نقل ملكية البترول والغاز المُكتشَف، قد تبلغ قيمته مليارات أو عشرات مليارات الدولارات، من الدولة (أيّ كل مواطن لبناني) إلى وسطاء وأفراد يتستّرون وراء شركات صورية أو مارقة. عملية اللفّ والدوران هذه تشكّل بكلّ المعايير قفزة نوعية على سلم النهب والفساد لم يسبقنا إليها أيّ بلد من أكثر بلدان العالم فساداً!

رابعاً- انعدام الشفافية: بغية تحقيق الغاية المنشودة بعيداً عن نظر وسمع اللبنانيين، كان لا بدّ من التعتيم الكامل على التدابير المتخذة، وهذا ما حصل عبر التجاهل التام لصلاحيات المجلس النيابي والهيئات الرقابية المختصة، والحؤول دون قيام وسائل الإعلام بدورها الحيوي في هذا المجال، وتجنّب أي حوار وطني حول قضية بهذا الحجم. وهكذا فُرضَت السرية التّامة، طوال ما يقارب الأربع سنوات، على نصوص دفتر الشروط ومشروع المرسوم 43، اللذين يتضمنان معظم تفاصيل التشريع البترولي، إلى أن تم إقرارهما على عجل خلال أول جلسة عقدتها الوزارة الجديدة في 4 كانون الثاني 2017. ولم يترك للوزراء الجدد أكثر من 48 ساعة لقراءة وتمحيص وإبداء الرأي في نصوص تمتدّ على 374 صفحة، فيها ما فيها من أحكام تغطّي الأوجه القانونية والإدارية والفنية والمالية والاقتصادية والبيئية وغيرها، لصناعة البترول والغاز! ولم يكن أعضاء المجلس النيابي أوفر حظّاً من الوزراء الجدد، إذ أن هذا القسم الأساسي من التشريع البترولي لم يتم عرضه عليهم، ولم يطلب منهم أحد رأيهم حول موضوع من صُلب صلاحياتهم.

وطالما أن أهل مكة أدرى بشعابها، فلا شك أن أفضل تعبير عن هذا الوضع الفريد من نوعه هو ما جاء على لسان النائب محمد القباني، رئيس لجنة الأشغال العامة والنقل والطاقة والمياه النيابية، عندما قال في آب 2016: «إن أسوأ ما في مسيرة النفط والغاز عندنا هو الغموض الذي يحيط بالمعلومات ومحاولة إحاطتها بالسرية، وذلك حتى على المجلس النيابي. وهذا أمر معيب يجب أن نخجل منه وننقلب عليه، كما أنه يلقي ظلالاً من الشك على هذا الملف... سنقوم بكل ما علينا لضمان حق الوصول إلى المعلومات، أي إلى الشفافية في قطاع الموارد البترولية»، قبل أن يضيف: «إننا وحتى الآن لم نحصل على معلومات حول المرسومين الموجودين لدى مجلس الوزراء. وهذا أمر مستغرَب ومرفوض من مجلس النواب، وهو سلطة الرقابة العليا في البلاد». فكيف يا ترى يمكن التوفيق بين ما قاله رئيس لجنة الطاقة في المجلس النيابي، وما يؤكده دون أي تردد وزير الطاقة حول كون السياسة النفطية في لبنان تتمتع بـ «أعلى درجات الشفافية في العالم» (كذا بالحرف الواحد)...

خامساً- بوادر الهدر والفساد بدأت قبل اكتشاف البترول والغاز: أخيراً لا آخراً أدى انعدام الشفافية والمحاسبة إلى ظهور أول بوادر الهدر والسمسرات حتى قبل التأكد من وجود الثروة الموعودة. ومن الامثلة العديدة على ذلك عقود الاستشارات التي كلفت الخزينة عشرات الملايين من الدولارات، والتي تمت كلها تحت غطاء السرية ودون استدراج عروض. شأنها في ذلك شأن كل عقود المسح البحري والبري التي شارك فيها بعض السماسرة ممن ليس لهم أي خبرة في الموضوع. ومن المعروف أن حصة الدولة من بيع معطيات المسح البحري بلغت حوالى 35 مليون دولار، أي ثلث أرباح الشركات التي قامت بها، لم يعلن حتى الآن كيف تم التصرف بها.

في الدول المنتجة للبترول والغاز، تشكل الضرائب والرسوم على الشركات العاملة مصدراً مهماً للدخل يمتاز عادة بالشفافية وبسهولة تقييمه مسبقاً لفترة طويلة من الزمن، في ضوء القوانين المرعية والاتفاقيات المبرمة مع الشركات المعنية، ويمتاز أيضاً بسرعة حصول الدولة عليه تدريجاً، نظراً إلى أن بعض عناصر هذا الدخل تدفعها الشركات فور توقيع الاتفاقيات، كما هي الحال بالنسبة إلى الرسوم على مساحات الرقع المخصصة لها، أو العلاوات (Bonus) على أنواعها، أو الإتاوات (Royalties) المتفق عليها والتي تحتسب شهرياً على أساس قيمة الكمية المنتجة، بغضّ النظر عن وجود أو عدم وجود أرباح، وذلك انطلاقاً من أول شهر إنتاج، إذ إن الإتاوة ليست ضريبة بحد ذاتها، بل إنها رسم تسدده الشركة المنتجة بمثابة تعويض عن تناقص مخزون مادة أولية ناضبة.

أما في لبنان، وبعد إقرار مشروع قانون الأحكام الضريبية المتعلقة بالأنشطة البترولية في 19 أيلول الماضي، فلا بد من التساؤل: إلى أين نحن سائرون؟ وما يمكن لبنانَ أن يتأمله من دخل مالي وفوائد اقتصادية أخرى مباشرة وغير مباشرة جراء استثمار هذه الثروة الموعودة؟ وهل هذا الدخل وتلك الفوائد الاقتصادية على أنواعها ستكون على مستوى ما يحق للبنان، وضمن شروط تحقق له توازن مصالح معقولاً ومقبولاً مع الشركات العاملة؟
الإجابة عن هذه التساؤلات تستلزم، كي تكون شاملة وموضوعية، المقارنة المدعومة بالأمثلة والأرقام مع ما يجري في سائر بلدان العالم ذات الأوضاع الأقرب لأوضاعنا، خاصة أننا لسنا البلد الوحيد في العالم الذي يود ويحتاج التعاون مع شركات عالمية تملك التجربة والتكنولوجيا والرساميل اللازمة، للمساهمة في استثمار ثروة محتملة.

الشركات تتحكم بكل معطيات الواردات والنفقات والأرباح

من حيث الدخل المالي خاصةً، تقتضي المقارنة بين لبنان وغيره من الدول الأخذ بالاعتبار ليس فقط ضريبة الدخل على الشركات البترولية التي نص عليها قانون الأحكام الضريبية الجديد، بل مجمل مكونات «حصة الدولة» (Government Take) من أرباح صناعة البترول والغاز، والتي يتناولها جزئياً القانون المذكور، في حين أن القسم الأكبر والأهم منها تنص عليه أحكام دفتر الشروط ونموذج اتفاقيات الاستكشاف والإنتاج (EPA)، التي تضمنها المرسوم 43/2017 الذي أقره مجلس الوزراء على عجل في 4 كانون الثاني 2017، بعد أن بقي سرياً وجمدته «التجاذبات السياسية» خلال ما يقارب أربع سنوات. ذلك كله دون الإعلان وتبليغ اللبنانيين عن أسباب هذه السرية وهذا التجميد، فضلاً عن أسباب أو طبيعة الخلافات ثم «التفاهمات» السياسية التي أدت بين ليلة وضحاها إلى إقراره.

هذه الظروف الفريدة من نوعها، التي رافقت مخاض ولادة التشريع البترولي في لبنان، ليست المفاجأة الوحيدة التي تبرز من تحليل أحكام هذا التشريع ومقاربتها مع ما يماثلها في سائر الدول المنتجة للبترول والغاز. المفاجآت الأخرى، الصغيرة منها والكبيرة، تكمن عملياً في معظم هذه الأحكام، التي تمتاز ببعدها عما هو متعارف عليه في العالم وبكونها دون المستوى الممكن والمعقول لتأمين مصالح الدولة، ودون المعايير المألوفة في صناعة البترول والغاز. هذا ما يستدل من استعراض مكونات حصة الدولة، الواحدة بعد الأخرى، وفق تتابعها الزمني: 

(1) العلاوات ورسوم المساحة: من اللافت في التشريع البترولي اللبناني الغياب أو التناسي التام لكل أنواع ما يسمى العلاوات، أي المبالغ التي يترتب على الشركات العاملة تسديدها عند توقيع العقد، أو عند حصول أي اكتشاف تجاري، ثم بدء الإنتاج، ثم بلوغه مستويات معينة يُتَّفَق عليها مسبقاً. كذلك فإنه من اللافت المستوى الرمزي للرسوم الخاصة بمساحة رقع الاستكشاف والإنتاج المطبقة في مختلف البلدان.

(2) الإتاوات: الأهم من ذلك بكثير هو ضآلة الإتاوات التي تشكل عنصراً أساسياً وثابتاً لدخل الدولة. فالإتاوة على البترول في لبنان تراوح بين 5 و12٪ حسب مستوى الإنتاج، والإتاوة على الغاز تبقى ثابتة على مستوى هزيل لا يتجاوز 4%، في حين أن المعيار العام المعروف في العالم منذ فجر صناعة البترول في الولايات المتحدة الأميركية في مطلع القرن الماضي، وفي كل أنظمة الاستثمار، هو 12.5٪ من قيمة الإنتاج، تقل أو تزيد قليلاً عن هذا المعيار في بعض العقود، وتبلغ 18.75٪ في جزء من خليج المكسيك.

(3) استرداد النفقات: إن تحديد جدول زمني وحد أقصى سنوي لاسترداد النفقات الرأسمالية والتشغيلية يشكل عنصراً مهماً في احتساب الأرباح الخاضعة لضريبة الدخل وغيرها. فتسارع هذا الاسترداد يؤدي إلى تضاؤل واردات الدولة، وربما هبوطها إلى الصفر خلال سنوات الإنتاج الأولى. لهذا السبب تُعاد جدولة هذا الاسترداد على 4-6 أعوام، وبحد أقصى لا يتجاوز 50% سنوياً من الواردات. هذا ما يعرف في الاتفاقيات البترولية ببند «Cost stop». أما في لبنان، فقد رُفع هذا السقف، دون أي مبرر، إلى 65٪ كذلك أُخضع، هو وشروط أخرى، للمزايدة مع كل شركة على حدة!

هذا الوضع يذكر بالنزاع الشهير الذي نشب بين روسيا وشركة «شل» حول عقد استثمار واحد من أكبر حقول الغاز في سيبيريا، في جزيرة سكالين. وذلك عندما اكتشف فلاديمير بوتين أن دخل روسيا من هذا الاستثمار كان شبه معدوم نتيجة لاسترداد النفقات بوتيرة مخالفة للمعايير الدولية المتعارف عليها. وانتهى النزاع عندما اعترفت الشركة بهذه المخالفة وقبلت بالتخلي عن هذا العقد الضخم. وكانت هذه الحالة الوحيدة، أو شبه الوحيدة، التي ترضخ فيها شركة بترول عالمية لطلب دولة مضيفة أصرت على رفع الغبن عنها. فهل يا ترى سيكون بوسع لبنان أن يفعل ما فعلته روسيا عندما يدرك اللبنانيون، عاجلاً أو آجلاً، مدى الغبن الذي تلحقه بهم شروط أهم بأضعاف من موضوع شروط استرداد النفقات، وفي اتفاقيات دولية أُبرمّت مع شركات عملاقة لفترة تناهز أربعين عاماً؟

(4) ضريبة الدخل العادية على أرباح الشركات البترولية: بعد أخذ ورد استمر أكثر من أربعة أعوام، جاء أخيراً قانون الأحكام الضريبية الجديد ليحدد هذه الضريبة بـ20%، مقابل متوسط عالمي لا يقل عن 26٪ في الاتفاقيات المشابهة.

(5) تقاسم الأرباح: من أخطر الانحرافات في التشريع البترولي اللبناني أنّ المرسوم 43/2017 قد تجاهل أحكاماً جوهرية من القانون البترولي 132/2010 عندما نص في المادة 5 على أن الدولة لن تشارك في الأنشطة البترولية في دورة التراخيص الأولى، ما يعني تلقائياً رفض نظام تقاسم الإنتاج الذي يقوم عليه القانون، والاستعاضة عنه بما سماه بعض المسؤولين «تقاسم الأرباح». انطلاقاً من هذا النظام، يحدد المرسوم حصة الدولة من الأرباح بـ 30% على الأقل، قابلة للزيادة وفق آلية مزايدة ترك أمر تحديد ضوابطها وعناصرها للتفاوض مع الشركات المعنية، كل على حدة. هذا مع العلم أن مبدأ المزايدة حول موضوع بأهمية دور الدولة وحصتها من الإنتاج والأرباح مرفوض بشكل عام في سائر بلدان العالم، لأنه يتناقض والحاجة للشفافية الضرورية لكل الأطراف المعنية، كذلك فإنه يشكل محطة رئيسية للرشى والفساد خلال تفاهمات وراء الباب بين الشركات المعنية وبعض موظفي الدولة.

يبقى، هنا أيضاً، أن حصة 30% كحد أدنى للدولة من الأرباح تقع إلى حد بعيد دون ما هو مطبق ومتعارف عليه في العالم. ففي أنغولا، على سبيل المثال، ترتفع حصة الدولة تدريجاً من 50 إلى 70% عندما يرتفع الإنتاج من أقل من 40,000 برميل يومياً إلى أكثر من 80,000 ب/ي. وفي قطر ترتفع حصة الدولة من 55 إلى 75% . أما إسرائيل، فتطبق نظاماً ضريبياً يشمل إتاوة 12.50% من قيمة الإنتاج وضريبة «عادية» تبلغ 25% من أرباح الشركات العاملة. تضاف إلى ذلك ضريبة خاصة تصاعدية على الأرباح الاستثنائية « Windfall profits». والمقصود بالأرباح الاستثنائية القسم الإضافي من الأرباح الذي تحققه الشركة العاملة عندما يبلغ عامل الدخل (R Factor)، أي عندما تتجاوز نسبة دخل الشركة المعنية إلى نفقاتها 1.5. وقد حدد القانون البترولي الإسرائيلي عام 2011 هذه الضريبة على الأرباح الاستثنائية انطلاقاً من 20% عندما يبلغ عامل الربح 1.5، ترتفع إلى 35% عندما يبلغ نفس العامل 2، ثم ترتفع إلى 45.52% عندما يبلغ العامل 2.3. استناداً إلى هذا النظام الضريبي، تشير تقديرات البنك المركزي الإسرائيلي إلى أن حصة الدولة المرتقبة من إنتاج الغاز من حقول تامار وليفياتان وكاريش وتانين ستناهز 130-140 مليار دولار خلال الفترة 2014-2040، من أصلها نحو 60 مليار دولار تشكل مجموع الإتاوة والضريبة العادية على الأرباح المرتقبة. أما القسم الباقي والأكبر، أي 70-80 مليار دولار (55.5٪ من مجموع الدخل المرتقب)، فمصدره الضريبة التصاعدية على الأرباح الاستثنائية، ما يدل على الأهمية الخاصة لهذه الضريبة بين مصادر الدخل، وذلك على عكس ما ينطوي عليه التشريع اللبناني بسب «فخ المزايدة».

(6) فخ «المزايدة» في لبنان: في ضوء ما سبق تتضح خطورة آلية المزايدة التي نص عليها المرسوم 43/2017 لتحديد المعطيات التي تُتَّخَذ منطلقاً لارتفاع حصة الدولة من الأرباح. فبدلاً من توضيح هذه المعطيات مسبقاً وبالأرقام، أي بنحو موضوعي وشفاف في صلب القانون، كما هي الحال في إسرائيل وسائر بلدان العالم، ترك هذا الموضوع برمته للأخذ والرد، تحت غطاء السرية التامة، بين بعض موظفي وزارة الطاقة وممثلي الشركات العاملة التي أصبحت تتحكم بكل معطيات الواردات والنفقات، ومن ثم الأرباح، منذ طرد الدولة من الأنشطة البترولية وتجريدها من كل إمكانية ممارسة فعلية لحسابات الشركات المعنية. وهذا يعني بتعبير آخر أنه أصبح من المستحيل عملياً التنبؤ بتاريخ ونمط التطور الزمني لزيادة حصة الدولة من الأرباح، خاصة أن المادة 35 من المرسوم 43/2017 تنص تحت عنوان «التزام بالسرية» على أنه لا يحق لأي طرف كان البوح بتفاصيلها لأحد. لهذه الأسباب، لا يستطيع أي مسؤول عن قطاع البترول والغاز في لبنان إعطاء أي رقم أو أي تقدير للتطور المنتظر لنصيب الدولة من الأرباح، ولا طبعاً عن تاريخ زيادة هذا الحد الأدنى إلى ما فوق الـ30٪ التي نص عليها المرسوم. 

* موجز محاضرة ألقيت في 12 تشرين الأول 2017 في نقابة المهندسين، بيروت


 

 

C.A. DROITS HUMAINS

5 Rue Gambetta - 92240 Malakoff – France

Phone: (33-1) 40921588  * Fax: (33-1) 46541913

E. mail achr@noos.fr   www.achr.nu www.achr.eu

 

 

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي اللجنة العربية لحقوق الإنسان , إنما تعبر عن رأي أصحابها

الصفحة الرئيسة