french

English

 

دليل المواقع

برامج وأنشطة

أخبار

الأرشيف

طلب مساعدة

عن اللجنة

الصفحة الرئيسية

Arab Commission for Human Rights
5, rue Gambetta
92240-Malakoff- France
Tel 0033140921588 Fax 0033146541913

e. mail achr@noos.fr
 

من خلاصات مراقب عربي لتطور الوضع في سورية (محافظة حمص نموذجا) - المصطفى صوليح

 

2012-06-12

اللجنة العربية لحقوق الإنسان

 

*المصطفى صوليح El Mostafa Soulaih

عموما إن عبارة "محلك سر"، هي أقرب إلى تصوير الوضع في سورية بعد أسبوع من  دخولي إليها ضمن بعثة جامعة الدول العربية لتتبع تطورات الوضع في هذا البلد، و ذلك مع ميل نحو المزيد من التدهور، بمعنى أن النظام القائم  و هو يعلن، من جهة، بالتقطير و دون إشراك للمعارضة عن الشروع في وضع مشاريع مجموعة من القوانين، بدءا بقانون الأحزاب، قانون الانتخابات، قانون الإعلام، الدستور،،، دون أن يربط بين نواياه هذه و بين تعهداته الموقع عليها بشأن إعمال و تفعيل بنود البروتوكول الخاص بتتبع تطورات الوضع إياه، و كذا دون أن يبدو من ذلك أي أثر على الميدان،،     و يعلن، من جهة ثانية، عن إطلاق سراح و على التوالي: 2000، 755 ، 525، موقوف(ة) من بين عشرات الآلاف من الموقوفين، وصولا إلى "العفو العام" الذي لم يستفد منه عمليا، في حمص، سوى 14 في المائة من هؤلاء الذين يصعب ضبط عددهم و أماكن احتجازهم،،، لم يكف عن التشبث بنظام الحكم السائد، و ذلك في مقابل معارضة داخلية بجناحيها السلمي و المسلح، مشارا إلى عناصرها من قبل الإعلام السوري الرسمي الذي يحتكر وحده الفضاء السمعي البصري في سورية، بالعصابات المسلحة، الإرهابيين، المسلحين الملثمين، الثوار ضد الوطن و الشعب السوري، الشباب المغرر بهم،،، لا تكف هي الأخرى عن المطالبة بإسقاط النظام. لكن العنف كان و ما يزال هو السائد، لكن محافظة حمص كانت الأكثر تعرض لهذا العنف، و هذه بعض خلاصاتي حول ذلك:

الخلاصة الأولى: إن من يسيطر على حمص يتحكم في سورية بأكملها، و ذلك لسببين رئيسيين هما كالتالي:

1.1ـ تقع محافظة حمص وسط التراب الوطني للبلاد على ضفتي نهر العاصي الذي يقسمها إلى قسمين. مساحتها البالغة  42.223 كلم مربع (16.302,4 ميل مربع) تجعلها أكبر المحافظات السورية اتساعا، تبعد جنوبا عن دمشق بـ 162 كلم، و شمالا عن حلب بـ 193 كلم، و تبعد من الجنوب الشرقي عن تدمر بـ 155 كلم، كما تطل على محافظات حماة و الرقة  و دير الزور شمالا، و على محافظة طرطوس غربا. و على محافظة ريف دمشق جنوبا. و تشترك الحدود مع كل من دولة لبنان و دولة العراق. و هي تعتبر البوابة الطبيعية الوحيدة من ساحل البحر الأبيض المتوسط إلى داخل البلاد. و بالإضافة إلى موقها الاستراتيجي هذا فإنها من الناحية الاقتصادية تحتل الرتبة الثالثة، بين غيرها من المحافظات، وذلك من حيث الزراعة (القمح، الذرة، الدخن، القطن، الفواكه و الخضروات) و الصناعة (الحرف اليدوية المتنوعة، مصفاة تكرير النفط، محطة البحوث الزراعية و الأسمدة، مصانع الزيوت النباتية،،،) و التجارة (مركز للأسواق الزراعية، مركز لشبكة الطرق و السكك الحديدية الرابطة بين المدن الداخلية و ساحل البحر الأبيض المتوسط،،،). و لا تقل محافظة حمص أهمية من الناحية السياحية عن باقي المحافظات السورية، إذ تتوفر على عدد كبير من المعالم السياحية و المباني التاريخية التي يعود بعضها إلى ما قبل الميلاد؛

1.2ـ يبلغ عدد سكان حمص 2,087,000 نسمة، أي ما يمثل 22 في المائة من مجموع سكان سورية محتلة بذلك الرتبة الثالثة بعد محافظتي دمشق و حلب. يتوزع هؤلاء السكان إلى 40 في المائة حضريون و 60 في المائة ريفيون. و تتكون حمص المدينة (عاصمة المحافظة) من حوالي 60 حي(تجمع سكاني حضري)، و رغم أن البنية المجتمعية لسكان هذه الأحياء هي، منظور إليها من أعلى، عبارة عن فسيفساء من مسيحيين، سنة، بدو، جعفرية علوية، شيعة، مراشدة، فلسطينيين، و منظور إليها من الداخل، عبارة عن غيتوات حيث هناك أحياء مسيحية خالصة و أخرى سنية بالمطلق و غيرها بدوية بالكامل و غيرها الآخر متنوعة المشارب الطائفية، علما بأن الأحياء الأكثر معارضة للنظام السياسي السائد هي، كما هو الحال في دير بعلبة، خليط من ثلاث إلى أربعة طوائف، أو هي، كما هو الحال في باب السبع متكونة من أغلبية 90 في المائة سنيين و أقلية 10 في المائة مسيحيين، أو هي، كما هو الحال في حي بابا عمرو، في مجموعها من البدو،،، رغم كل ذلك لم أعاين أي مظهر من مظاهر التعصب الطائفي، بل لم يسبق لأي واحد(ة) ممن استمعت إليهم أو اتصلت بهم أو جالستهم أن أعلن عن ديانته أو مذهبه الديني أو طائفته، وحين زرت رفقة زملائي من المراقبين فرع السجن المركزي لحمص من أجل تفقد أعداد و حالة المعتقلين بسبب رأيهم أو موقفهم السياسي أو بسبب مشاركتهم في مظاهرات احتجاجية سلمية أو بدون سبب، انتزهت الفرصة للتأكد من مدى توفر العنصر الطائفي في الصراع الداخلي السوري، فطرحت على أكثر من 100 مودع في المهجع(العنبر، الزنزانة) الخامس مبتسما و بصوت عال سؤالا مفاده إنه يبدو أن المسلمين هم مجرمون إلى أن يثبتوا براءتهم، فأدهشني انبراء أفراد من هنا و هناك يرفعون أصابعهم عاليا و يردون علي: و لكن أنا مسيحي،،،، و لكن أنا ملحد،،، إيه، إني سني و هذا ابن خالتي علوي،،، إننا جميعا موقوفون هنا في هكذا أسوأ حالة منذ أكثر من أربعة أشهر، بغض النظر عن دياناتنا أو مذاهبنا، بسبب اتهامنا بإحداث الشغب و المشاركة في أحداث الشغب      و إهانة الحزب الحاكم و إهانة السيد الرئيس و التآمر على وحدة الوطن و حمل السلاح،،، و ذلك رغم أننا إنما كنا نخرج إلى الشارع العام، كما هو حال الشباب في مختلف أقطار شمال إفريقيا و الشرق الأوسط و نرد على عنف الأجهزة القمعية و في مقدمتها الجيش الوطني و حرفييه في اقتناص البشر و قد تخلى عن الجولان لتلقى مصيرها: سلمية، سلمية، سلمية،،،

الخلاصة الثانية: بغض النظر عن التداعيات الخارجية، علما بأنها تداعيات تهم طرفي الصراع معا، إن الأمر يتعلق بصراع داخلي، و هو ما تأكد لدي بناء على ما يلي حيث بغض النظر عن التداعيات الخارجية، علما بأنها تداعيات تهم طرفي الصراع معا، إن الصراع السوري في أصله و من خلال تمظهراته هو صراع داخلي، بحيث في إطار إنجاز مهمتي كمراقب ضمن بعثة جامعة الدول العربية، كل من تمكنت من الاستماع إلى شكاويهم من بين المواطنين السوريين الموالين للنظام (أفراد عاديون، شيوخ ذوو حظوة في ريف حمص، أمنيون، مدراء مؤسسات،،،) يؤكدون بأن المعتدين عليهم هم سوريون، لا يوجد بينهم أجانب، بعضهم معروف لديهم لأنهم من أبناء نفس حي المشتكي و بعضهم غير معروف، مسلحون، ملثمون، تتراوح أعمارهم بين 15 و 35 سنة. و في المقابل، كل من أمكنني الاستماع إليهم من سكان الأحياء الموصوفة بكونها غير آمنة أو غير مؤمنة أو ساخنة، أو مشتعلة، أي معارضة (مثل أحياء محافظة حمص التالية: بابا عمرو، باب السبع، دير بعلبة، حي الرستن، حي الزهراء،،،) كانوا في مجموعهم، بناء على بطائق تعريفهم الرسمية، سوريين،، تتراوح أعمارهم بين 28  و 65 سنة؛

الخلاصة الثالثة و مفادها أن التربص و استعمال السلاح هو سيد الموقف في حمص، حيث:

1.3ـ على عكس مدينة دمشق التي كانت تبدو قبل يوم الجمعة 06 يناير 2012 المأساوي آمنة، أسواقها عامرة، شوارعها مزدحمة بالسيارات و محلاتها التجارية و مقاهيها مكتظة، و فسحاتها و أزقاتها مليئة بالراجلين، و مآثرها و غيرها من الشواهد التاريخية آهلة بالزائرين،،، إن مدينة حمص حين دخلناها مساء يوم الأربعاء 29 دجنبر 2011 كانت بالإضافة إلى برودة طقسها و الضباب الكثيف الذي يضفي عليها سمة الكآبة، تبدو منذ الوهلة الأولى مدينة غير آمنة، أغلب مؤسساتها التعليمية ومتاجرها و مقاهيها و أسواقها مغلقة، و شوارعها و أزقة أحيائها مقفرة من الراجلين. و إن ما كان باديا للعيان بوضوح كامل على فضاء هذه المحافظة هو وجود بين كل حاجز أمني حاجز أمني آخر متمترس خلف أكياس من الرمل و رجال أمن بزي مرقط مدججين بـ "الروسية" و علامات تعب شديد تغمر ملامح وجوههم. بل حتى البيوت المتوسطة الحال القائمة قرب فندق سفير حيث كانت إقامتنا فلم أر أبدا طيلة مدة هذه الإقامة بابا أو نافذة يفتحان من إحداها أو أحدا يدخلها أو يخرج منها، كما لم أر أبدا ضوءا يشتعل لينير ظلام ليلها، و قد عرفت في ما بعد أن سكانها غادروها إما إلى خارج البلد أو إلى مدن أخرى. و إن ما كان واضحا أيضا هو أصوات طلقات الرصاص المباغتة و أصوات الآذان لأداء كل من الصلوات الخمس، لكن يوم السبت 07 يناير و ليلته كانا استثنائيين، أ هي مرحلة جديدة؟ على كل حال إن أصوات التراشق بالرصاص و استعمال الأسلحة الثقيلة لم يتوقفا، بل إن إطلاق الرصاص و القصف بقذائف الهاون و الإربي جي، أصبحا، ابتداء من 21 يناير2012، مسترسلين و يسمع هديرهما المتنوع كأنه على بعد عشرات فقط من المترات من الفندق؛

2.3ـ إلى غاية السبت 28 يناير 2012، تاريخ إعلان السيد الأمين العام لجامعة الدول العربية توقيف عمل المراقبين في سورية بسبب "تزايد العنف و القصف المتبادل"، باستثناء دبابتين كانتا تعبران من ثكنة المخابرات العسكرية في اتجاه ثكنة أخرى مقابلة لها، و هو خرق فادح لخطة العمل التي تعهدت الحكومة السورية بالوفاء بها، لم أعاين خلال مسارات إنجاز عمليات التفقد و الزيارات اليومية أي تواجد لآليات عسكرية ثقيلة أخرى، لكن إطلاق النار لم يتوقف أبدا؛

3.3ـ معظم الأهداف المصابة من قبل المعارضة المسلحة هي في أغلبها، كما لوحظت في حمص و يمكن تعميم وصفها على مجموع البلاد، غير مدنية، تتركز حول رموز الدولة، العسكرية، الأمنية، الاقتصادية و البشرية، مثل: جسور، مستودعات و خطوط نقل النفط و الغاز و المازوط ، آليات عسكرية، مراكز أمن و مخابرات، حواجز أمن، منشآت اقتصادية ، حافلات ناقلة لقوات حفظ الأمن، ضباط و جنود عسكريين، ضباط و أفراد شرطة، مخبرون، و من أمثلتها التفجير الانتحاري الذي استهدف يوم الجمعة 06 يناير 2012، ثلاثة (03) حافلات تقل قوات متخصصة في قمع الشغب كانت مركونة قرب قسم مخفر الشرطة بحي الميدان في مدينة دمشق،،، و على العكس من ذلك كانت الأهداف المصابة من قبل القوات النظامية و الشبيحة، غير منتقاة، عمياء، تضرب كيفما اتفق فتشمل الأطفال، الشباب، النساء، العجزة و الحوامل،،، و تدمر المباني و المنشآت فوق رؤوس المتواجدين داخلها؛

3.4 ـ المسلحون في حمص، هم بالإضافة إلى قوات الجيش و الأمن السورية و الشبيحة، من جهة، و المعارضة المسلحة ممثلة في الجيش الحر، من جهة ثانية، ثلة من أفراد استفادوا طيلة العقود السابقة من الفساد العام و من الحصانة التي كان المحافظون السابقون (ممثلو السلطة المركزية الذين تعاقبوا على محافظة حمص) يوفرونها لهم مقابل حيازة السلاح و حماية ممتلكات هؤلاء المحافظين و استثماراتهم التي لم تخل من شراكات خليجية،،، فتحولوا بعد انطلاق الثورة إلى متاجرين في السلاح الأمر الذي مكن أفرادا آخرين من استغلال الفرصة في اقتناء الأسلحة و تكوين عصابات بغرض استحصال فديات مالية عن طريق القيام بعمليات جبر مواطنين على إخلاء بيوتهم (التهجير) واختطاف آخرين و تهديد غيرهم بالقتل؛

الخلاصة الرابعة و تتمثل في أنه رغم الإعلان الرسمي عن إلغاء قانون الطوارئ لم أعاين حدوث أي شكل من أشكال التظاهر السلمي ضد النظام في حمص و بالتالي يكون من غير الموضوعي ادعاء أن نظام الحكم السوري قد احترم أو لم يف بتعهده بعدم التعرض للمظاهرات. و بحسب معلومات استقيناها من شبكة من الأفراد المحليين الذين وطد معهم كل واحد من مجموعتنا علاقات تواصل شخصية، كلما أمكن ذلك، و عبر الهاتف إن من الأخطاء الفادحة التي ارتكبها النظام السياسي السائد هو استماتته في القضاء التام على هذا الأسلوب من الاحتجاج و ذلك خاصة خلال الفترة السابقة لوصول بعثة المراقبين العرب إلى سورية،،، و هكذا، إن ما كان يحدث بالفعل هو أنه كلما توقفت، لسبب من الأسباب، سيارة المراقبين العرب، و هي مرفقة بسيارة الحماية الأمنية، في مكان من الأماكن المأمونة، أي الموالية للنظام، و الآهلة بالسكان كلما بدأ مواطنون يتجوقون حول السيارة و بعد ذلك حول أعضاء المراقبة بدعوى إسماع تظلماتهم من الأذى الذي تصيبهم به يوميا "عصابات من المسلحين". أما الشعارات التي يرفعونها فيكفي ذكر التالي: "شبيحة إلى الأبد لأجل جمال عيونك يا أسد" و ذلك للتدليل على أن مثل هذه "الوقفة الاحتجاجية" المؤيدة للنظام هي وحدها المسموح بها في حمص. و على نفس الغرار، كلما دخل المراقبون حيا من الأحياء "غير الآمنة" أي المعارضة، و هم هنا يكونون غير مصحوبين برجال الأمن، إلا و خرج معظم السكان و قاموا بتطويق السيارة و من فيها و كان شعارهم الأساسي هو "الشعب يريد إسقاط النظام". من أمثلة ذلك: ـ في تجربة، هي في الواقع خارج ولاية بعثة جامعة الدول العربية إلى سورية، اهتمت فيها كل من مجموعة المراقبين (أ) و مجموعة (ب) الموفدتين لتتبع تطورات الوضعية في محافظة حمص، بإبرام هدنة في اتجاه عقد مصالحة، ثبت أنها مستحيلة، بين ساكنة بابا عمرو وساكنة دير بعلبة (حيان مصنفان ضمن الأحياء الأكثر سخونة، أي الأكثر معارضة) و سلطات محافظة حمص، تتوجت بتبادل جثث قتلى، مبادلة دبابة و ضابط جيش صحبة جنود بمفقودين، تقاسم مدخرات أحد مستودعات تخزين الحبوب،،، لكن ما أن تم الانتهاء بـ "نجاح" من ذلك، حتى عادت العلاقات إلى ما كانت عليه، حيث واصلت السلطات تترصد الساكنتين بواسطة حواجزها الأمنية المقامة على طول محيط هذه الأحياء، و واصلت الساكنتان تؤكدان، عبر شبيباتهما، أنهما غير معنيتين بأية هدنة و لا علاقة لهما بأي بروتوكول ليستا طرف فيه و أن كل مبتغاهما هو إسقاط النظام، و بناء نظام بديل يتأسس على قاعدة الديمقراطية. ـ في هذا الإطار قام أربعة أعضاء من مجموعة المراقبين (ب) صبيحة يوم 31 دجنبر 2011 بعملية تأمين خروج السيد سمير المصري من حي باب السبع و اصطحابه إلى المشفى الوطني من أجل التعرف على جثمان والده السيد عبد جمعة المصري و جثامين اخوته الثلاثةو ذلك من بين 12 جثة كانت ساعتها موجودة بمستودع الأموات و جناح التشريح، حيث بعد استكمال إجراءات التحقق من المعلومات الشخصية لكل رفات على حدة و الإشهاد و التوثيق و الغسل و النقل إلى سيارة "الإسعاف" التابعة للمشفى الوطني تم التوجه نحو دير بعلبة. ـ أصبح الموكب، يتكون من: 03 سيارات تابعة للأمن الرسمي، سيارة المراقبين، سيارة الإسعاف، سيارتان تقلان أفرادا يعتقد أنهم من أهل القتلى. بعد التوقف عند آخر حاجز أمني، حيث مكث عناصر الأمن في انتظار عودة المراقبين و سيارة الإسعاف، فوجئ المراقبون على بعد بضعة أمتار من مدخل دير بعلبة المترب و المحاط ببنايات شبه عشوائية بحشود غفيرة من سكان هذا الحي، من مختلف الأعمار، تطوق سيارتهم رافعة لشعارات و هتافات مناوئة للنظام السياسي، الأمر الذي تطلب حوالي 50 دقيقة من الزمان قبل أن تتمكن سيارة الإسعاف من وضع الجثامين أمام المسجد و تتمكن سيارة المراقبين من مغادرة المكان عبر طريق مغاير لطريق الدخول إليه. إنه لا محالة التعطش إلى الحق في حرية التعبير المفقود بالتمام    و الكمال خارج مثل هذا الحي غير الخاضع للسلطة بل و المحروم، عقابا له، من أبسط الخدمات كالماء الشروب و التغذية     و الكهرباء و التطبيب و التمدرس و غيرها؛

الخلاصة الخامسة و معناها أنه لا إعلام يعلو فوق إعلام السلطة في حمص، إذ في حين كان بإمكان باقي أعضاء مجموعات المراقبين العرب الموفدين إلى المحافظات الأخرى التقاط الفضائيات العربية و الأجنبية الأخرى لم يكن بإمكان أشقائهم في فندق سفير بحمص مشاهدة سوى "باقة" تتكون من نسخ سيئة الالتقاط من القنوات الوطنية الرسمية في مقدمتها "الإخبارية السورية" التي كان أحد طواقمها مقيما أربعة و عشرين ساعة على أربعة و عشرين ساعة بينهم، و قنوات بعض الدول العربية التي ينتمي إليها هؤلاء المراقبين و بإلحاح منهم،،، و بالتالي لم يكن بإمكانهم إلا إعادة التفرج بشكل ممل على صورهم و هم ينفذون برنامجهم اليومي في المراقبة. و رغم أن خدمات الانترنيت هي حرة في سورية، فإنها في مقر إقامتنا  كانت تارة سيئة، متقطعة أو بطيئة و تارة متعطلة بالمرة. و فيما كانت السلطات السورية قد رخصت لوسائل إعلام عربية و أجنبية مرئية و مسموعة و مكتوبة بدخول التراب السوري لمدة عشرة أيام "قابلة للتمديد" لم تزر حمص سوى بعثتان أنهت إحداهما أشغالها في نفس يوم وصولها إثر مقتل الصحافي جيل جاكييه مراسل فرانس 2 بحي عكرمة و جرح آخرين. أما الحرب الإعلامية التي خاضتها قنوات عربية ضد السلطات السورية ففي حين كانت شرسة فإنها، بخصوص الوضع في حمص، لم تكن موثوقة حيث اتضح أن معظم الصور           و المشاهد المبثوثة لم تكن صادقة و لا تمت بصلة للتعليق المرافق لها و أن التضخيم اللافت للانتباه في تقديم السلوك الوحشي للجيش و الأمن السوريين و الشبيحة و إعطاء الانطباع بأن هذا الثلاثي لا يكتفي فقط بالقتل و التدمير العشوائيين بل ينفذ خطة ممنهجة تعتمد على تخصيص أيام لإجهاض الحوامل و أخرى للفتك بالعجائز و غيرها لذبح الأطفال بالجملة أو لاغتصاب الإناث و الذكور،،، إنها في الواقع حرب تتغيى الزيادة من حجم تأليب الضمير الإنساني و الرأي العام ضد النظام السوري و إحراج كل من روسيا و الصين و لي عنقيهما لتغيير موقفيهما و ذلك في سبيل التعجيل بإعمال الإنزال العسكري الأجنبي إما في صيغته العراقية أو صيغته الليبية.

الخلاصة السادسة، و أتمنى عبرها ألا يكون المراقبون الأمميون الحاليون، المقيمون في حمص، قد بدأوا يشعرون مثلي بأنهم شبه محتجزين، يقيمون في فندق من خمسة نجوم (فندق سفير باعتباره الفندق الوحيد قيد التشغيل في حمص)، محاطين، بالإضافة إلى ثلة من أعوان السيد المحافظ، بحوالي 18 من عناصر الشرطة و الجيش ،،، و تزداد أعداد أفراد هذه الأجهزة كلما انضاف السيد وزير داخلية سورية إلى قائمة المقيمين في هذا الفندق،،، و رغم أن هؤلاء جميعهم بشوشون و يسهلون بعض الطلبات الشخصية، و كذا رغم أن من بين شروط قبول الحكومة السورية لتواجد مراقبين فوق ترابها، هو أن يوضعوا تحت حماية أجهزتها الأمنية لـ "تأمينهم"، فإني أخشى ألا يفارقهم الإحساس بكونهم محتجزين خاصة و أن هذه العناصر تتقاسم معهم كل شيء: بهو الفندق، مطعمه، غرفه، مجموع مختلف باقي مرافقه و أشياء أخرى. كما أتمنى أن يكونوا كتومين و ألا تتأثر أجندتهم بعبارة "يصعب مغادرة الفندق،،،، الوضع غير آمن" و ألا يتزامن إطلاق الرصاص بالقرب من الفندق أو على جدرانه مع الجدولة الزمنية الموضوعة لتنفيذ أجندتهم.

الخلاصة السابعة، و مفادها أن "الجنون الحمصي" حالة ذاتية، تعبر عن أسلوب مرح في الصمود و المقاومة، غير قابلة للعلاج بواسطة الحديد و النار، و في وصف هذه الحالة أكتفي هنا باقتباس هذا المقطع كما تنقله موسوعة ويكيبيديا:"عندما اجتاح تيمورلنك بلاد الشام كانت المدينة الوحيدة التي سلمت من أذاه هي حمص، لأن سكانها تظاهروا بالجنون في الشوارع، وعلقوا على رؤوسهم القباقيب، وأخذوا يقرعون على الصحون النحاسية، وأشاعوا أن مياه العاصي تصيب كل من يشربها بالجنون، وهذا ما جعل الجيش الذي يرافق تيمورلنك يمر مرورًا سريعًا في حمص.."

*كاتب، من المملكة المغربية، شارك ضمن بعثة جامعة الدول العربية لتتبع تطور الوضعية في سورية

 

 

 

C.A. DROITS HUMAINS

5 Rue Gambetta - 92240 Malakoff – France

Phone: (33-1) 40921588  * Fax: (33-1) 46541913

E. mail achr@noos.fr   achr.eu achr.eu

 

 

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي اللجنة العربية لحقوق الإنسان , إنما تعبر عن رأي أصحابها

الصفحة الرئيسة