french

English

 

دليل المواقع

برامج وأنشطة

أخبار

الأرشيف

طلب مساعدة

عن اللجنة

الصفحة الرئيسية

Arab Commission for Human Rights
5, rue Gambetta
92240-Malakoff- France
Tel 0033140921588 Fax 0033146541913

e. mail achr@noos.fr
 

مصر: حكم الإخوان آخر مراحل النظام القديم -علي الرجَّال

 

2012-10-25

اللجنة العربية لحقوق الإنسان

  

شكّلت جماعة الإخوان المسلمين - في عصر مبارك ـ الوجه الآخر للنظام الحاكم. واتفقت معه في رؤيته الاجتماعية والاقتصادية، وأهمية النظام والدولة وهيبتهما كأسطورة وكجهاز حاكم. وفارقته على خطوط الفساد والقمع السياسي، وأقرت بشرعيته وبتغييره من خلال المسالك الدستورية والانتخابية. وأضفى وجود النظام السابق العمق والشرعية على خطاب المظلومية والقهر عند الإخوان المسلمين. والجماعة، على مستواها الداخلي، اتبعت الكثير من آليات النظام السابق، سواء في هيمنة التنظيم كدولة داخلية للإخوان، أو في توجههم الاقتصادي وسيطرة رجال الأعمال داخل التنظيم، مثل خيرت الشاطر وحسن مالك. ولكن فوز الإخوان يعني أن النظام العام - المجتمعي والسياسي والاقتصادي - دفع بالطرف الأخير من ثنائيته حتى يستمر. فهذه المحاولة ليست أكثر من الرقصة الأخيرة للبجعة.
المجتمع القديم يعزف أنشودته الأخيرة. فهناك أسباب وتحولات عديدة على المستوى الاجتماعي والمعرفي، كما في ظروف ميلاد السلطة الجديدة، تدفع لإعلان ميلاد موته الذي ربما يستغرق سنوات ترْسخ فيها التحولات ويأخذ المجتمع الجديد مساره في البلورة. وملامح الموت متجلية في المجال العام المصري بعد الثورة. فثنائيات الاستبداد والتسلط تتفكك، وشروط خلق سلطة شمولية وتكوين مجتمع يعيد إنتاج الهيمنة والديكتاتورية تتضاءلان. وهذا ينطبق أيضاً، بل تماماً، على حكم الاخوان.

عن ملامح المجتمع القديم

لقد تم نزع السياسة والمجال العام، كساحة للتلاقي الاجتماعي والنقاش والصراع السياسي، من المجتمع المصري القديم بعد ثورة يوليو 1952. صادرت دولة يوليو هذا المجال العام لصالح التنظيم الواحد، وتحولت دولة الثورة إلى دولة بوليسية. وصار المجال العام منفتحا فقط على التهليل والتبجيل للسلطة الحاكمة ومنزوعا من الخيارات السياسية. وحين فُتح المجال العام نسبياً في عصر السادات، سرعان ما تم غلقه مجدداً لصالح «معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية» (كامب ديفيد 1979)، ورداً على الانتفاضة الشعبية المصرية (كانون الثاني/يناير 1977) ضد غلاء الأسعار، المعروفة بانتفاضة الخبز (لقّبها السادات بـ «انتفاضة الحرامية»). ثم انغلق المجال العام لصالح قبضة أمنية متوحشة في عصر حسني مبارك تحت ذريعة الحرب على الإرهاب. وتشكلت ثنائية «النظام مقابل التطرف الإسلامي»، ثم ثنائية «النظام مقابل الإخوان المسلمين». وشكل خطاب المؤسسة والدولة طريق المجتمع الأول لمعرفة الأشياء وحقائق الأمور، فالسردية التي تصنع الحقيقة كانت نابعة من سيطرة خطاب النظام وإعلامه. والتصقت أغلب النخبة الثقافية بالدولة والسلطة، سواء خوفاً من سيطرة الإسلاميين، أو كمنفذ رئيس للتأثير في الرأي العام، أو توسلاً للعمل. وتمت محاصرة المجتمع في خياراته السياسية بين الإسلاميين والحزب الحاكم، في ظل وجود أحزاب كرتونية بلا قوام في الشارع المصري. وظل المجتمع المصري يحلم بتحقيق التحديث والتنمية والرخاء من خلال الدولة. ولهذا، فخطاب «هيبة الدولة» يلمس أوتاراً حقيقية لديه.
وينقسم المجتمع إما على خطوط الهوية أو على خدمات الدولة. ولذلك لم تخرج خياراته الانتخابية في عصر مبارك خارج نطاق الحزب الوطني أو جماعة الإخوان المسلمين، لأن كليهما فقط كانا قادرين على لعب دور الدولة أو الدولة البديلة. ويتحكم العجائز في كل أبنية المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية سواء داخل مؤسسات الدولة أو خارجها، ويقدمون شكلا أبوياً للسلطة، يُعتد فيه بالخبرة العمرية والثقة على حساب الكفاءة والشباب.
وبوصول الإخوان للحكم، فالثنائية الجامدة التي استندوا اليها ستنهار، ومعها بالتالي فكرة التنظيم الهرمي المغلق، الذي يعتمد بالأساس على مبدأ مركزية اتخاذ القرار في قمة الهرم السلطوي، وتكريس مفهوم «وحدة القيادة»، بالإضافة للسمع والطاعة العمياء. وهناك رفض، بل تمرد عنيف من قبل خلايا شبابية مختلفة على تركيبة السلطة الحاكمة ونمط ممارستها بشكل عام، تمرد على مفاهيم هيبة الدولة وهيمنتها المطلقة وخطاب الأمن والاستقرار وحكم الحزب الواحد. وهو النمط عينه المتجلي في جماعة الإخوان المسلمين، ويعبر عن نفسه في الخطاب والممارسة الإخوانيين، حيث يعاد استخدام مقولات مألوفة مثل «غلبة الأغلبية» التي كان يدّعيها الحزب الوطني، وتخوين الأطراف المعارضة بمقولات مثل استهداف إسقاط الدولة وتعطيل عجلة الانتاج. ومع وصول الإخوان الى الحكم سيتوجب عليهم تغيير هذا النمط وتفكيكه ذاتياً، لأن نقيض ذلك أو التعنت سيفككه من الداخل والخارج أيضاً، ولكن بشكل ثوري عنيف. ولعل الشاهد على ذلك حجم الانشقاقات التي تعرضت لها الجماعة، وزادت منذ بدء الثورة، أمثال عبد المنعم أبو الفتوح، كمال الهلباوي، والكثير من الشباب. كما تنطق بالدلالة أحداث ميدان التحرير في جمعة «كشف الحساب» (12 تشرين الأول/أكتوبر 2012)، التي شهدت عنفاً سياسياً ضد احتكار المجال العام وإقصاء المخالفين. وربما تكمن خطورتها في أن يصبح العنف السياسي معيارا اجتماعيا لتحقيق الأهداف الثورية.

ثنائية غير قابلة للحياة

إن ثنائية العسكر والإخوان لم يكن لها أن تدوم طويلا، على الرغم من هيمنة العسكر على الإدارة السياسية والوضع الاقتصادي وقدر كبير من الوصاية، يتضح ذلك من خلال وضعهم في الدستور الجديد. إلا أن الإخوان هم من قاموا بتفكيك تلك الثنائية بمبالغتهم بالاحتفال بتنحية وزير الدفاع السابق ورئيس الأركان. ولا يجب أن نندهش ببقايا عسكرة المجتمع، وأن مؤسساته الأمنية ما زالت على قيد الحياة. فالدولة الأمنية والخطاب الأمني وقدرة السلطة المعسكرة على البقاء ماتت هي الأخرى. وهذا آخر عرض قبل الذبـول الكلي. فالقصة، والوعود السياسية، والأرضية الاجتماعية التي كانت تسمح لهم بالوجود طعنتها الثورة من الأمام والخلف. فالظروف الموضوعية التي نشأ حولها هذا الخطاب وتكونت من خلاله تلك السلطة والمجتمع لم تعد موجودة. فلا وجود لاستعمار خارجي للبلاد يمكن أن يجعل المجتمع يقبل بوجود دولة أمنية غليظة في مقابل وطنيتها، ولا توجد حرب حقيقية خارجية كما في عهد السادات، أو داخلية كالحرب على الارهاب كما في عهد مبارك. أضف إلى ذلك، انتهاء أسطورة الدولة التقدمية التي تقود المجتمع نحو التحديث.

مكونات التسلط تغيب عن الأفق

تغيب الشروط الموضوعية لبناء نظام قمعي من خلال الإخوان المسلمين، والأهم هو السؤال عن قدرة هذا النظام على الاستمرار على غرار نظام مبارك. فمبارك جاء عقب محاولة انقلاب عنيفة اغتيال السادات ـ ومجتمع خارج من حالة حرب، وتغيرات اجتماعية واقتصادية جذرية، وحالة من الإرهاق السياسي. ولكن الإخوان المسلمين وصلوا إلى سدة الحكم بعد ثورة شعبية وبتكاتف أغلب القوى الثورية معهم. ولم يعد من الممكن خلق ثنائية الإرهاب في مقابل النظام الحاكم، التي لعب عليها مبارك مع الغرب لتشويه صورة الإسلاميين والتخويف بهم، ذلك لأن الإسلاميين الآن في الحكم. أضف إلى ذلك، أن كل التحركات السياسية للإخوان - حتى الآن - تسعى لترسيخ حكمهم من خلال علاقات طبيعية مع الغرب والدخول في تحالف مع تركيا على المستويين الاقتصادي والجيوسياسي. ولا يمكن إخافة الغرب بقوى معارضة من العلمانيين. وفي الداخل يمكن خلق حالة من الاستقطاب، كالتي نعيشها الآن، ولكن يحيط بهذه الحالة تحركات تكسر من تلك الثنائية. فهناك تحركات جماهيرية على أساس اجتماعي واقتصادي تتمثل في الاضرابات العمالية الواسعة، التي بلغ عددها منذ تولي محمد مرسي الحكم ما يزيد على 900 إضراب في عدة قطاعات شديدة الحساسية مثل الصحة والتعليم وغيرها.
والمعارضة النشطة في الشارع لا تنقسم على خطوط الهوية. فأغلبها إما «ما بعد علماني»، بمعنى أنها تحررت من أطرها العلمانية الكلاسيكية، ومتصالحة إلى حد بعيد مع المكون الديني للمجتمع، مثل «حزب التحالف الشعبي الاشتراكي» بقيادة عبد الغفار شكر، وحزب «التيار الشعبي» بقيادة حمدين صباحي، وحزب «الدستور» بقيادة محمد البرادعي، أو إسلامية صريحة أو «ما بعد إسلاموية» بمعنى الانطلاق من خلفية إسلامية لمساحات أكثر تصالحاً مع العلمانية، كرفض التشدد والتطبيق الحرفي للشريعة، مثل «حزب التيار المصري»، المكون بالأساس من شباب منشقين عن تنظيم الإخوان مثل محمد القصاص ومحمد عباس و«حزب مصر القوية» بقيادة عبد المنعم أبو الفتوح، القيادي السابق بالإخوان، أو «متجاوز بالكلية للأيديولوجية» مثل «حركة شباب 6 أبريل» و«شباب الألتراس» الذين أثبتوا قدرة عالية على التشبيك والتواصل والترحال بين الأفكار المختلفة، وتوسيع رقعة النضال حول مطالب اجتماعية وسياسية واقتصادية. أضف إلى ذلك، وجود المئات من المبادرات الشبابية التي تعمل على أشكال مختلفة من التوعية والتنمية والتمكين في المجال العام. وبالتالي سيكون من الصعب تحقيق «شيطنة» المعارضين الحقيقيين بسبب علمانيتهم. ولا يعني هذا الكلام، نهاية حالة الاستقطاب، بل على العكس ستزيد معدلات العلمنة كرد فعل مقاوم للسلطة القائمة، ولكن هذا لن ينجح في غلق المجال العام واحتكاره مثلما كان الحال مع الحزب الوطني.

مفارقات جيلية

هناك اختلافات واضحة بين الأجيال القديمة والجديدة. فهناك رفض كامل للهيمنة والسلطة الأبوية والتنظيمات الهرمية المغلقة. فلقد سقطت شرعية السلطة الأبوية المستبدة مع سقوط مبارك وخطابه عن احترام الأبوية. وتجلى هذا في أحداث ثورة يناير حينما رفضت قطاعات واسعة من الشباب مقولة الآباء الشهيرة «امش جنب الحيط»، ومهادنات الأحزاب السياسية وتفاوضهم مع النظام السابق. وأظهر أغلب الثوار عداء شديداً لفكرة التمثيل السياسي واحتكار الخطاب عن الثورة، ودعوا للفعل المباشر وكسر هيمنة التنظيمات السياسية واحتكارها لفكرة التمثيل الشعبي. ولم تنجح الديمقراطية النيابية أو التمثيلية في اختزال تحركات الفعل الثوري تحت قبة البرلمان وتصدير فكرة «برلمان الثورة» بوصفه الوحيد المخول التحدث باسمها. فهناك شغف شديد باسترداد المجال العام كساحة للصراع والتأثير السياسي، وكساحة للقاء المجتمعي، ومجال للهو والمتعة. والمتابع للحياة الفنية والشبابية في مصر سيلاحظ رغبة شديدة عند أغلب الفرق الغنائية والموسيقية في إقامة حفلاتها في الحدائق أو الميادين العامة المفتوحة أو الشوارع المهمة أو المقاهي العادية. وكذلك تقام الكثير من النقاشات السياسية مؤخراً في الميادين والحدائق العامة، أو ما تبقى منها، بدلاً من الغرف المغلقة.
هناك تمرد واضح على التصورات القديمة عن الاستقرار والخيارات الفردية التي تؤْثر السلامة في مواجهة السلطة. وقد وفر التطور التقني عدة أمور من شأنها توليد مقاومة للهيمنة على المجال العام والمساحات والتصورات المعرفية. فشبكات التواصل الاجتماعي أتاحت قدرة فائقة على التشبيك بين الجماعات المنعزلة وربط الأواصر والأفكار بينها، وفتح مجالات عامة بديلة لا يمكن السيطرة عليها من السلطة الحاكمة، إلا إذا قررت الدخول في حالة قمع صريحة، فيما لا تسمح لها الظروف الاجتماعية والدولية وتشابك مصالحها العالمية بمثل هذا الفعل. ومكنت التكنولوجيا الجديدة من كسر احتكار جهة أو سلطة واحدة للمعرفة. فلم تعد سردية المؤسسة هي التي تستطيع أن تصوغ الحقائق وتعرِّف الأشياء وتضفي عليها شرعية ما. وأهم مظهر لذلك انتهاء اسطورة الدولة كأداة في يد نظام الحكم. فالدولة لم تعد الملاذ الآمن لقطاعات كبيرة من الشباب، حيث انحصرت العلاقة بها في إطار العنف والإذلال، لا في علاقات السلطة والإنتاج. والدولة على الرغم من استمرار فاعليتها ـ لم تعد تمتلك القدرة على سلب المجال العام لا بالعنف المباشر ولا بالهيمنة متعددة المستويات، رغم محاولاتها الدؤوب

 

 

C.A. DROITS HUMAINS

5 Rue Gambetta - 92240 Malakoff – France

Phone: (33-1) 40921588  * Fax: (33-1) 46541913

E. mail achr@noos.fr   achr.eu achr.eu

 

 

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي اللجنة العربية لحقوق الإنسان , إنما تعبر عن رأي أصحابها

الصفحة الرئيسة