french

English

 

دليل المواقع

برامج وأنشطة

أخبار

الأرشيف

طلب مساعدة

عن اللجنة

الصفحة الرئيسية

Arab Commission for Human Rights
5, rue Gambetta
92240-Malakoff- France
Tel 0033140921588 Fax 0033146541913

e. mail achr@noos.fr
 

العلم كأداة للهيمنة الأجنبية  - محمد أشرف البيومي

 

2013-02-01

اللجنة العربية لحقوق الإنسان

   
 

"إن ازدياد الاعتماد المتبادل في ظل العولمة، مكن الدول المتقدمة من استخدام مميزات منزلتها العلمية المتفوقة، وخبرتها التكنولوجية، لفرض "شكل أكثر مواربة وأكثر شمولا للإمبريالية عن أي حقبة سابقة في التاريخ"

هنرى ناو، Henry Nau عضو مجلس الأمن الأمريكي خلال حكم الرئيس ريجان.

الفهرس

الصفحة

مقدمة .......................................................................................................................5

الجزء الأول:نقد مشروع مصر القومى للنهضة العلمية

فى اطار الاقتصاد السياسى للمعرفة والعلم.............................................................. 6

- بداية معرفتى بالدكتور زويل............................................................................... 6

- مقاومة علميين مصريين لمشاريع الهيمنة العلمية.......................................................7

- أهمية ثقافة الاقتصاد السياسى للعلم.......................................................................7

الجزء الثانى: العلم فى سياقه المجتمعى..............................................................................13

- العلم كأداة للامبريالية......................................................................................14

الجزء الثالث: مشروع مصر القومى المسمى بزويل............................................................. 18

- تساؤلات هامة واجابات موجزة...........................................................................18

- هل كانت هناك مشاريع مماثلة لمشروع زويل في بلدان عربية أخري ...........................20

- مركز سيسامى بالأردن…………………………………………........................21

- النامرو تصل الى مصر عام 1948 ...................................................................21

- مركز البحوث والدراسات العليا بالاسكندرية..........................................................22

الجزء الرابع: الممارسات السابقة لزويل فى مجال البحث العلمى بمصر....................................24

- ماهى معالم مشروع زويل من حيث الشكل والمضمون..............................................25

- مشروع زويل فى خدمة عولمة التحكم فى مصر......................................................26

- أعضاء مجلس أمناء مدينة زويل وخلفيتهم ..........................................................27

- ماهى علاقة زويل بالعدو الصهيونى...................................................................28

- لماذا التربص بجامعة النيل بالذات.....................................................................29

- واجب العلميين المصريين .............................................................................30

- ملحق .......................................................................................................

مقدمة

يتعرض وطننا في مصر وفي دول عربية أخري لعقبات كأداء تعيق نهضة حقيقية تحقق المعيشة الكريمة للمواطنين في إطار سياسي يلتزم بالحرية الفكرية والاستقلال الذي يضمن سيادة القرار الوطني. فلا حرية ولا أمان ولا رفاهية لمواطن في وطن غير مستقل يتمتع بالسيادة الكاملة التي تمكن قياداته من اتخاذ قرارات نابعة من مؤسساته الوطنية ومتناسقة مع مصالح الشعب وطموحاته وليست مملاة عليه من دول أجنبية حتي وإن غلفت برداء التعاون والشراكة.

ولأننا مهددون دوماً من قبل قوي الهيمنة الغربية و الكيان الصهيوني"حليفها الاستراتيجي "، وحلفائهم أوأتباعهم في الداخل،لمحاولات إجهاضية واستباقية لأي مشروع وطني حقيقي حتي يستمر التخلف والتبعية والفقر والضعف لضمان الهيمنة والاستغلال من خلال مشاريع الشرق الأوسط الكبير أوالجديد أو الموسع. إن الخطوط العريضة لمشاريع الهيمنة وبعض تفاصيلها، معلنة وليست سرية وكلها تصب في مصلحة إسرائيل وحلفائها من أجل الغلبة لهم، و تجلب بالضرورة التخلف والضعف لمصر ومحيطها العربي. إذاً لابد من التنبه واليقظة الكاملة لهذه المحاولات والمشاريع وكشف أهدافها الحقيقية والتصدي لها.

ولأن العلم يلعب دوراً محوريا ومتصاعدا في كافة مجالات التنمية والأمن القومي والمسائل الإقتصادية ، فمن الطبيعي والمنطقي أن يصبح العلم أداة فعالة،إما للإستقلال والتهضة والنمو والرخاء من جانب المهتمين بالوطن،أو أن يكون أداة للإستغلال والتبعية والهيمنة والقهر من قبل أعداء الوطن. ليس من المستغرب إذاً أن يهتم الباحثون في مجال "سياسة العلم" بمسألة استخدام العلم كأداة للهيمنة ولهذا توفر العديد من الدراسات حول هذا الموضوع في أمريكا ذاتها وبعض دول العالم الثالث مثل الهند وكذلك في بعض دول أمريكا اللا تينية، وللأسف ، وما عدا دراسات معدودة، خلت المكتبة العربية من هذه المواضيع الهامة.

هذه الدراسة تتناول موضوع "العلم كأداة للهيمنة" وتشمل نقداً لمشروع مصر القومي للنهضة العلمية والمسمي "مشروع زويل" وتنبه الدراسة لمخاطر هذا المشروع وتعتبره قديمة وحديثة لمحاولات الهيمنة من خلال العلم والتعليم والتكنولوجيا، كما تشير الدراسة لقضية جامعة النيل ومحاولات التربص بها.

يتضمن الجزء الأول تعريفا بالموضوع ، ومعرفتي بالدكتور زويل، واهتمامي المسبق بمستقبل البحث العلمي بمصر، ومقاومة علميين مصريين لمشاريع هيمنة سابقة في مجال العلم، وعرض لتساؤلات محورية والإجابة الموجزة لها.

أما فى الجزء الثاني فنعرض ملامح حول الاقتصاد السياسي للعلم، والعلم كأداة للإمبريالية، لتعميق التبعية، واغتيال المعرفة.

وفي الجزأين الثالث والرابع نعرض تساؤلات محددة حول مشروع زويل وخطورته علي مستقبل البحث العلمي بمصر، وتربصه بجامعة النيل، وواجب العلميين في هذا الشأن.

القاهرة فى 12 أكتوبر 2012

الجزء الأول

نقد مشروع مصر القومي للنهضة العلمية

في إطار الاقتصاد السياسي للمعرفة والعلم

يجري الآن حديث مكثف في الصحف والقنوات التليفزيونية حول جامعة النيل ومشروع مصر القومي للنهضة العلمية الذي أطلق عليه "مشروع زويل". وعلى الرغم من أهمية موضوع جامعة النيل والنزاع حوله، فقضية المشروع القومي العلمي بمصر، والمتشابكة مع مسألة جامعة النيل، هي أهم وأخطر كثيراً. ومن المهم أيضا الإشارة إلي أنني لست طرفا من قريب أو بعيد في مسألة جامعة النيل، وأن الأسلوب الذي نتبناه في معالجتنا للقضايا المطروحة والذي لا نحيد عنه هو الأسلوب الموضوعي الذي يعتمد علي الحقائق ، وبالتالي لا يمكننا أن ننزلق كما فعل البعض وللأسف الشديد في مهاترات ضارة وغير موضوعية. هناك أسباب موضوعية للاعتراض الشديد علي مشروع زويل، فلماذا اللجوء لأساليب رخيصة ومرفوضة تختزل الموضوع بشخصنته.

في البداية أذكر أن د. أحمد زويل، وهو أحد تلاميذنا من دفعة 1967 بكلية العلوم ، جامعة الإسكندرية، وكان يعتبرني لفترة طويلة "متبنيه العلميmentor " كما كان يردد كثيراً، وهذا صحيح. كما أعرف عن قرب العديد من مواضيع أبحاثه المنشورة بما في ذلك ما عبر عنه في مصر ببحوث "الفمتو ثانية". وأقر دون تردد أنه قام ببحوث مميزة في هذا المجال هو وتلاميذه. هذا لا يمنعني مطلقا كما أعلنت صراحة منذ سنوات عديدة في برنامج "حديث المدينة أن أقول أنني قاطعته تماما منذ أن أصر علي إحضار أربعة إسرائيليين في مؤتمر الكيمياء الضوئية في يناير 1983 رغم رفضي، والرفض الرسمي لمجلسي قسم الكيمياء وكلية العلوم بجامعة الإسكندرية، كما كتبت عن ذلك في مجلة "المواجهة" في ذلك الوقت . مع العلم بأنني كنت قد دعوته للمشاركة في احدي نشاطات مركز البحوث والدراسات الذي ساهمت في إعادة تأسيسه، وبصفتي المدير المشارك للبحوث الأساسية. بعد ذلك ببضع سنوات حصل زويل علي جائزة "وولف" الإسرائيلية من الكيان الصهيوني نفسه الذي اغتال أ.د. يحيي المشد أستاذ الهندسة النووية بجامعة الإسكندرية سابقا، لدوره الرائد في إنشاء المفاعل النووي العراقي الذي دمره الكيان الصهيوني. يبرر البعض ذلك، بما في ذلك زويل نفسه، بأن العلم والسياسة منفصلان، وأن "العلم ليس له وطن". هذه المقولات لا يصح أن تصدر من متعلم لتناقضها الصارخ مع الواقع، ومع ما سنعرضه حول سياسة العلم.

أتطرق للموضوع في إطاره السياسي الاقتصادي الوطني، من وجهة نظر مواطن مهتم بقضايا البحث العلمي، ويكتب في مقوماته الضرورية علي مدي أكثر من أربعة عقود، وباحث علمي منذ حوالي ستة عقود، وشارك في مشروع مركز الأبحاث العلمية بجامعة الإسكندرية في أواخر السبعينيات. لست طرفا في النزاع القائم، و لكني كمواطن، طرف في مستقبل البحث العلمي بمصر، وضرورة أن يكون أي مشروع مرتبطا بمشروع تنمية جاد، وهو غير متوفر حتي الآن، وأن يكون غير تابع لأي طرف أجنبي خصوصا قوي الهيمنة العالمية. ومن المدهش أن يتصور "مثقف" أن أي مشروع علمي لا بد وأن يكون مفيدا بدرجة ما، ولا يجيء في الحسبان احتمال أن هناك مشاريع معطلة ومجهضة للمشاريع التي نصبو إليها.

لا شك فى أننا نتناول قضية غاية في الأهمية، تقع أهميتها في ارتباطها العضوي والوثيق والمتفاعل مع مشروع تنمية طموح، يحقق التقدم للوطن والرفاهية والمعيشة الكريمة للمواطنين، ولكنه غائب ولم يتبلور بعد. لا يمكن بل من المستحيل أن يحقق أي مشروع في هذا المضمار أهدافه إلا إذا كان مستقلا وغير تابع، أي لا يخضع لأهواء وأولويات دول أخري. والاستقلال هنا لا يعني مطلقا عدم الاستفادة بخبرات أجنبية، ولكنه يعني أن هذا التفاعل لا بد وأن ينبثق من قاعدة مصرية يقودها متخصصون في العديد من المجالات التنموية والعلمية. في هذه الحالة فقط يمكن أن تقوم هذه القاعدة العلمية المصرية بانتقاء ما هو ضروري من الخبرات التي تخدم أولويات المشروع، والتي أقرتها المؤسسات الفاعلة الوطنية بناء علي مقاييس علمية معلنة، أي أن التفاعل يتم بشروط مصرية صميمة، وليس من قبل مجموعة مختارة من قبل فرد بناء علي مقاييس غامضة، ويسودها أجانب، وبعض المصريين العاملين بالخارج، حتي لو كانوا عشرات من حاملي جوائز نوبل. فالمبدأ الأساسي الواضح والذي لا يمكن تجاوزه هو أن أي مشروع تقدم علمي بمصر، لا بد وأن ينطبق عليه نفس شروط التنمية الوطنية، وهي الاستقلالية، وعدم التبعية، وإخضاع المشروع بالكامل لأولويات وطنية محلية.

مقاومة علميين مصريين لمشاريع الهيمنة العلمية

قد يظن البعض أن العلميين المصريين لم يتنبهوا منذ البداية لمحاولات إجهاض بلورة قاعدة علمية وطنية بمصر رغم أنها جاءت دائما في ثوب "نهضة علمية"، فكما جاء في دراسات عديدة في مجال الاقتصاد السياسي للمعرفة، والصحة، والعلم، لم تمر محاولات الهيمنة الأجنبية المستترة في ثياب العلم دون مقاومة، أو دون فضح أهدافها. فلنتذكر مشروع السادات "مصر عام 2000"، ومؤتمر "علماء مصر في الخارج"، ومحاولات "التطبيع" الفاشلة مع العدو الصهيوني. لقد قاوم علميون مصريون كل هذه المحاولات ولم ينخدعوا بالشعارات الطنانة المصاحبة لها. وكانت مؤتمرات نوادي أعضاء هيئات التدريس بالجامعات المصرية، ولجنة الدفاع عن الثقافة القومية أمثلة علي ذلك. كتبنا العديد من المقالات حول المبيدات المسرطنة المستوردة، والممنوع استخدامها في الخارج، ووسائل منع حمل ضارة بالصحة "الديبوبريفيرا"، واختبارات غير قانونية لأدوية جديدة علي مرضي مصريين، ومحاولات دفن مواد مشعة، وفضلا ت صناعية خطيرة في الصحراء الغربية، رغم أنه ممنوع دفنها في أوروبا، ومواد غذائية ملوثة إشعاعيا بعد حادث تشرنوبل، بالإضافة إلي استخدام فلاحين في البحيرة والفيوم كحيوانات تجارب، لمعرفة مدي كفاءة أحد أنواع المولاسكيسايدس، التي تقتل قواقع البلهارسيا. كانت هذه الدراسة عام 1991من قبل مؤسسات أمريكية، وموافقة وتسهيلات وزارة الصحة التي زعمت أنها لن تعرض مصريين لهذه التجارب. كانت الرقابة علي المشروع مسئولية الجانب الأمريكي، فجاء الميجور جيري بمؤسسة طبية تابعة للجيش الأمريكي وهي USAMMDA . ساهم ثلاثة أطباء مصريين تابعين للنامرو NAMRU-3 والتي أنشئت بهدف دراسة الأمراض التي تشكل خطورة علي الجنود الأمريكيين، وجاء هذا النشاط تحت شعار "التعاون العلمي". يطول الحديث عن تصدي علميين ومثقفين مصريين لهذه المحاولات. من هذا المنطلق نؤكد علي ضرورة إخضاع أي مشروع علمي للمناقشة والتقييم الشامل قبل قبوله والتصفيق له، ودون دراية أو معرفة بتفاصيله وأهدافه.

أهمية ثقافة الاقتصاد السياسي للعلم

وضرورة فهم ديناميكية التقدم العلمي ومقوماته الضرورية

إذا أردنا تناول الموضوع بجدية منهجية فالمنطق يحتم طرح تساؤلات أساسية قد يعتبرها البعض خارج الموضوع رغم أنها في الواقع لب الموضوع وجوهره. وحتي تكون هذه التساؤلات متناسقة وعلمية لا بد أن تكون في إطار الاقتصاد السياسي للعلم. العلم ليس منفصلا عن الإطار السياسي والاقتصادي ويخضع لعلاقات القوي السائدة في حقبة تاريخية محددة. هذه العلاقات تتمثل في مدي تحكم هذه القوي في الموارد المادية والبشرية، وعلي رأسها القدرات المعرفية في عصرنا هذا، ومن ثم أهداف القوي المهيمنة بالنسبة لأي نشاط سياسي أو اقتصادي و أو معرفي وعلمي.

تساؤلات مهمة وضرورية

· السؤال الأول الذي يطرح نفسه بشدة، بل يستجدي الإجابة عليه هو: هل تريد قوي الهيمنة الممثلة في الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها بما في ذلك الكيان الصهيوني أن تكون هناك نهضة حقيقية في دول العالم الثالث وفي مصر بالذات لدورها المحوري الكامن في العالم العربي والمنطقة المحيطة؟ وبمعني آخر، هل من مصلحة هذه القوي أن تصبح مصر متقدمة في مجالات تصنيع أساسية، أو تحقق إكتفاءً ذاتيا في السلع الإستراتيجية الغذائية والصناعية التقليدية مثل السيارات، والحديثة مثل المنتجات الالكترونية والدوائية والأدوات الصحية؟

· السؤال الثاني: هل تشجع هذه القوي نهضة علمية تقود وتغذي هذه التنمية المستقلة ؟ وبالتالي هل تقف هذه القوي العاتية عقبة في طريق أي محاولات جادة في طريق التنمية المستقلة المعتمدة علي قاعدة وطنية علمية ؟ هل تحبذ قوي الهيمنة العالمية وحليفها الكيان الصهيوني إنشاء قاعدة وطنية فعالة في مصر؟ وما هو هدف هذه القوي في هذا المجال؟

· السؤال الثالث: هل تخطط هذه القوي لإجهاض محاولات محلية لإقامة قاعدة وطنية علمية نشيطة أو أي برنامج تنموي طموح ولماذا؟ واجبنا أن نستحضر ذاكرتنا في هذا الشأن، وأن ندلل علي ذلك من واقع تاريخنا الحديث والمعاصر. هل هذا التساؤل مشروع أم أنه منبثق من فكر تآمري وأوهام غير منطقية؟ هذا يتطلب مراجعة التصريحات والمواقف المعلنة لقوي الهيمنة بالنسبة للتنمية والعلم في دول العالم الثالث، واستهدافها للعلماء ونفيهم واغتيالهم في العالم العربي والدول المحيطة.

· السؤال الرابع: والمنطقي بعد ذلك هل يعقل أن تسير عملية النهضة المفترضة دون قيادة ومساهمة حقيقية وواسعة من قبل العلميين المحليين، وتبقي القيادة لمستشار رسمي لرئيس الدولة التي تتزعم وتقود قوي الهيمنة العالمية أيا كان هذا الشخص، حتي وإن كان من مواليد الوطن وحاصل علي جائزة نوبل علي أبحاث قام بها خارج مصر؟ وتوابع هذا السؤال هي: هل من المنطقي أن هذا الشخص أو غيره له صفة رسمية كمستشار للرئيس الأمريكي أن يناط به هذا العمل، بما في ذلك تحديد أولويات البحث العلمي في مصر؟ وكيف خولت السلطة في مصر هذه المسئولية الخطيرة لشخص له هذه الصفة؟ أهي السذاجة المفرطة أم عدم المسئولية الوطنية التي تقترن بالتبعية؟ هل سيرمي من يناقش هذه الأمور بأنهم "أعداء النجاح" أو "الحاقدين"..الخ من الاتهامات الجاهزة بدلا من إخضاع هذه التساؤلات للتقييم الموضوعي والجاد؟

· السؤال الخامس: من الذي يحدد أولويات البحث العلمي في مصر أو أي بلد آخر؟ هل يمكن أن يقوم بذلك فرد حتي إذا افترضنا عبقرية هذا الشخص في الأمور العلمية والتنموية والإدارة ..الخ ؟ أم أن هذه المهمة تقع علي عاتق مجموعة من المواطنين ذوى التخصصات المختلفة في جميع المجالات العلمية وسائر نشاطات التنمية الصحية والصناعية والاتصالات والزراعة، علي أن يكون من بينهم من له أفق وتصور لمعالم النهضة، التي تتطلب هذه الطفرة العلمية، ومن لهم اهتمام بهذه القضايا عبر السنوات الماضية؟

· السؤال السادس: وقبل أن نرمي باتهام جاهز وهو التقوقع وعدم الانفتاح علي الخبرات العالمية هل يمكننا الاستفادة من خبرات وتجارب أخري؟

· السؤال السابع: ما الأولية الحالية والحقيقية (وليست الإعلامية) للبحث العلمي في مصر؟

· لماذا تراجع الاهتمام بمؤسسات البحث العلمي، وغابت سياسات علمية جادة مرتبطة بالتنمية مثل دعم مراكز البحوث الزراعية، التي كان لها دور رائد في تطوير الحاصلات الزراعية؟ وما علاقة ذلك بسياسات التبعية الاقتصادية والسياسية في العقود الأربعة الماضية، وإذا كانت هذه الأسباب مازالت فاعلة فكيف سيتجنبها أي مشروع جديد؟

· السؤال الثامن: ما النماذج الناجحة للبحث العلمي في دول العالم الثالث وأثرها الفعلي في التنمية؟ولماذا وضعت قوي الهيمنة العراقيل في طريقها؟ الصين، والهند، وكوبا ،وإيران.

· السؤال التاسع: ما المعالم الأساسية، وما المقاييس التي يمكن ان تدل علي سياسات علمية جادة وليس اهتمام دعائي ومظهري ؟ مقارنة بين النموذج التابع والنموذج المظهري والنموذج الجاد.

إجابات موجزة وملاحظات

الواقع والمنطق كلاهما يؤكدان أنه ليس من أهداف قوي الهيمنة القديمة والحديثة، أن تساعد في تقدم الدول النامية في مجالات التنمية بما في ذلك مجالات العلم، بل أن هذه القوي استهدفت استغلال موارد الدول الضعيفة، ونهب ثروااتها، وإن ساهمت في التقدم في أحد المجالات فيكون دائما لخدمة بعض مصالحها أساسا، وبما لا يتناقض مع مصالحها الأخرى. بل أنها وضعت جميع العقبات أمام محاولات التنمية المستقلة، وأجهضتها في معظم الحالات. واليابان مثال نادر أفلت من هذه القاعدة بعد حرب ضارية، شملت تدمير مدينتين بالقنابل الذرية، ومع ذلك هناك أسباب موضوعية للسماح لليابان بضمها للمعسكر الغربي ليس هذا مجال مناقشتها.

وفي عالمنا العربي ضربت قوى الهيمنة محاولات جادة مثل تجارب محمد علي وعبد الناصر وصدام حسين. هذه التجارب حققت انجازات في العديد من مجالات التنمية (ولها ممارسات سلبية بالنسبة للديمقراطية)، ولكنها انتهت بهزائم عسكرية. وفي كل مرة كان نتاج الهزيمة هو إضعاف الجيش الوطني، وتقويض الصناعة الناشئة عبر ما سمي "سياسة الباب المفتوح،" والتي صاحبها إزالة التعريفة الجمركية، وتفكيك المصانع، ونفي علماء مصر إلى السودان والنوبة، وذلك بعد هزيمة إبراهيم باشا في سوريا، وتحطيم الأسطول البحري في معركة نوارين قبل ذلك. وكان نتاج حرب 1967 هو الانفتاح الاقتصادي والخصخصة ونزع سلاح سيناء وتدهور الجامعات والتعليم عموما، ولا ننسي اغتيال بعض العلماء الألمان المتخصصين في إنتاج الصواريخ. وفي العراق دمر الجيش واغتيل العديد من علماء العراق، و استهدفت المؤسسات الصناعية والزراعية، عدا مؤسسات إنتاج النفط مصدر الطاقة الضروري لقوي الهيمنة الغربية.

وفي كوبا هذه الجزيرة التي يصل عدد سكانها حوالي 11 مليون نسمة فقط، تعرضت لحصار اقتصادي خانق وعدوان عسكري (حرب خليج الخنازير)، ولكن كوبا نجحت في إنشاء مؤسسة وطنية علمية تكنولوجية منتجة. هذا النجاح الذي يسبب قلقاً شديداً للسلطة في الولايات المتحدة. نسوق دون تعليق ما جاء في تقرير لجنة "المساعدة من أجل كوبا حرة" مايو 2004 والذي تبناه بوش: "لقد وجهت (الحكومة الكوبية) مبالغ طائلة لنشاطات مثل إنشاء مراكز لعلوم البيولوجيا والبيوتكنولوجيا، هذه النشاطات غير مناسبة من حيث الحجم أو التكاليف لدولة فقيرة أساساً، والتي فشلت في تبرير ذلك مالياً". هذه التجربة الكوبية الناجحة لم تستورد علماء من أمريكا حاصلين علي جوائز نوبل، بل اعتمدت تماما علي جهد كوبي محض بدعم هائل من القيادة السياسية للنظام الكوبي، وبارتباط وثيق وقوي بمجالات التنمية وعلي رأسها الصحة والانتاج النباتي والحيواني، مما مكنها من إنجاز يشهد له الجميع بما في ذلك الجامعات والمؤسسات السياسية والصحية الأمريكية. فحسب منظمة الصحة العالمية حققت كوبا معدلات منافسة لأمريكا نفسها في مجال الصحة. العلميون الكوبيون وقيادات التنمية الكوبية هم الذين حددوا أولويات البحث العلمي مع قيادتهم السياسية الواعية، التي وفرت الإمكانات المالية في ظل ظروف قاسية، وسمحت بجلب الأدوات الضرورية من كل مكان رغم الحصار الأمريكي، هكذا يتقدم العلم في بلد نامي !! ومن الدلالات المهمة لمشروع علمي جاد هي المشاركة الواسعة من العلميين في كافة المجالات، والمشاركة الفعالة لقيادات التنمية في جميع المجالات، والدعم المالي والمعنوي من قيادة سياسية مصرة علي تقدم علمي حقيقي. ومن دلالات النجاح هو التقدم الملحوظ في بعض المجالات الهامة شعبيا وعلي رأسها الصحة. ولهذا يقدر الشعب الكوبي الفقير الإنفاق الهائل الموجه للبحث العلمي لأنهم الجهة التي جنت ثمار هذا النشاط في مجال الصحة.

شروط أساسية مسبقة

لإنشاء منظومة علمية وتكنولوجية وطنية

ويمكننا الآن تحديد بعض الشروط الأساسية المسبقة، والتي لابد من توافرها لمنظومة علمية وتكنولوجية وطنية وهى: الإرادة والعزيمة السياسية التى لاتكل، والتى تذلل كل العقبات مهما كانت كبيرة؛ ومسار إقتصادى إجتماعى يحتاج ويعتمد علي منظومة علمية وتكنولوجية لتحقيق أولوياته؛ وسياسة علمية مدروسة منبثقة من تعاون حقيقى بين مؤسسات البحث العلمى والتعليم بمستوياته المختلفة وقطاعات الإنتاج والخدمات المختلفة؛ وتعاون فعال مع دول عالم ثالث لها انجازات علمية مشهودة؛ وتعاون مشترك وفعال مع دول العالم الثالث التى نجحت بدرجات مختلفة فى مجالى العلم والتكنولوجيا مثل الهند والصين وغيرها؛ إدراك وفهم جيد للمجتمع بأولوية الاستثمار فى المجال العلمى والتكنولوجى؛ تعاون دولى مع الدول المتقدمة يهدف إلى تنمية القدرات المحلية وليس تعميق التبعية، شريطة أن القرار والتصور لابد أن يكون وطنيا، أن نقتبس ما نشاء ولكن أن يكون نصب أعيننا الواقع والأولويات المحلية والمستقبلية، لا أن نترك مستشارين لدول أخري حتي وإن كان قائدهم من مواليد مصر، ولا أن نترك فردا أو مجموعة مصرية مختارة بطريقة عشوائية، أو أن يكون الانتقاء خاضعا لأهواء سياسية.

الجزء الثاني

العلم فى سياقه الإجتماعى

أبرزنا في مقالات عدة، وإسهامات في لقاءات محلية وعربية ودولية علي مدي الأربعة عقود الماضية، أنه من المستحيل تناول قضية العلم والتكنولوجيا بشكل واقعي دون توصيف البيئة الاجتماعية السياسية ( ينطبق هذا أيضا على أي جانب من جوانب التنمية) .

إن الأولويات الاقتصادية تقع في القلب من فلسفة السلطة السياسية وسلوكها نحو البحث العلمي، كما أنها تحدد بدرجة كبيرة بل وفاصلة ما إذا كان العلم والتكنولوجيا قضايا تنموية محورية أم لا. فالعلم يرتبط ارتباطا وثيقاً باحتياجات التقدم في مختلف قطاعات الإنتاج فى المجتمع. وهو ما يتطلب بدوره التزاما بالتنمية المعتمدة على الذات. وتجدر الإشارة بوضوح إلى أن " الاقتصاد التجاري التابع " لا يحتاج إلى بنية علمية وطنية متطورة، ولكنه يقترن بمظاهر من الدعاية العلمية، والنشاط العلمي الذي يركز علي منح درجات علمية أيا كانت قيمتها وجدواها، وعقد مؤتمرات علمية واتفاقات مع المجتمع العلمي الدولي، أغلبها يعمق التبعية العلمية والتكنولوجية والصحية. وهذا يسير جنباً إلى جنب مع سياسة الاستيراد غير المحدود للسلع الاستهلاكية والخبرة الأجنبية ومشاريع "تسليم مفتاح" والتي تجعلنا نغوص في مستنقع التبعية .

هناك جانب محوري آخر، يتمثل في العزيمة والإرادة السياسية لبناء نسق للعلم والتقانة، بغض النظر عن الصعوبات، والزمن المطلوب، والأعباء المالية. إن تطوير مثل هذا النسق يتطلب إنشاء بنية متضافرة من معاهد التعليم، بما فى ذلك التعليم العالي، والمراكز البحثية والمنظمات العلمية والمالية... الخ. إنها عملية ديناميكية؛ ولا تنشأ ولا تتطور إلا عندما تتوفر لها الظروف الضرورية. كما توجد جوانب أخرى مترابطة لإقامة نسق جيد ومتكامل للعلم والتكنولوجيا، تشمل مسلك الحكومات ونهجها فيما يتعلق بكل من: المعرفة والتفكير الناقد، المعايير الموضوعية لاختيار القادة في ميدان العلم والتقانة، وفي أنشطة التنمية الاجتماعية ككل وتوفير الحرية الأكاديمية والسياسية التى تشمل كلا من الأساتذة والطلبة، واستقلال الجامعات ومعاهد البحث ونوعية وجودة التدريب المُقدم إلى الطلاب والباحثين.

وبعيدا عن النظرة المتكاملة لدور العلم والتكنولوجيا فى مصر وبقية العالم العربى، كثيرا ما يتم توجيه النقاش نحو عناصر منفصلة مثل : نقص الأدوات في المنشآت البحثية، وتمويل السفر لحضور المؤتمرات الدولية، وعجز المكتبات، ومشكلات لجان الترقية، ونزيف العقول ودور العلماء العرب في الخارج، والدوريات المحلية، وأعباء التدريس، وفرص العمل للخريجين، والارتباط بالصناعات القائمة ... الخ. وفي حين تمثل هذه العناصر أهمية داخل إطار تكاملي للتحليل، فإن تناول كل منها على حدة، أو مجموعة منها بصورة منعزلة، لا يمكن أن يشكل أساساً لصياغة برامج فعالة من أجل التغيير.

وفي واقع الأمر، فإن هذه المعالجة المتفككة والمتفتتة لقضايا العلم، تحت شعار "إصلاح" الجامعات ومعاهد البحث، يمثل وهما للتقدم. وهو الأمر الذي قاد زحلان إلى وضع عنوان فرعي لكتابه الأخير حول العلم في العالم العربي هو: "تقدم من دون تغيير"، وإن كنت أفضل توصيفا أكثر دقة وهو: "حركة دون تقدم". إن نهجاً كلياً هو وحده الذي يمكن أن يكفل المزاوجة بين مختلف مكونات قضية العلم والتكنولوجيا. ويتناقض التصور الكلي بشدة مع منهج الحملات الدعائية لأنشطة تقدم وهمي تذكر أرقاما عن عدد الأساتذة أو عدد شهادات الدكتوراه الممنوحة، أو عدد المؤتمرات الخ. وبإيجاز، لا غنى عن هذه المعالجة الكلية، خصوصا عند غياب نظام ونسق متكامل فى المجتمع بالنسبة للنشاط العلمى و التكنولوجى. إن سياسات الإصلاح غير الشاملة تصبح غير مثمرة في مثل هذا الوضع، ولا تقود إلى أي مساهمة ذات قيمة. وفي الواقع عادة ما تؤدي إلى إحباط العلميين الجادين وخيبة أملهم.

العلم كأداة الإمبريالية

إن استخدام العلم والتكنولوجيا للإبهار ولتعميق التبعية وللإشعار بالدونية ليس جديدا، فطالما استعملته قوى تسعى إلى الهيمنة، ولكن الجديد أننا نساهم فى ذلك بوسائلنا الإعلامية والدعائية رغم أننا لم نساهم قيد أنملة فى هذه الابتكارات، وأننا نحن مجرد مستوردين لها، والمحلل لأخبار العلم فى وسائل الإعلام يجد أمثلة عديدة على ذلك. وهكذا تتكرر محاولة نابليون لاستخدام العلم كأحد الوسائل لإخضاعنا منذ أكثر من قرن ونصف قرن مضت.

إن الغزو الفرنسى وضع حدا لمحاولات إعادة تنظيم مصر خصوصا فى المجال العسكرى، فقد استخدم المحتل الفرنسى العلم للتسخير والتغريب، فكما ذكر Bourrienne أن فن السيطرة على البشر دائما كان جزءا لا يتجزأ من فن الحكم . ولم يكن هذا خافيا أبدا علي نابليون الذى استخدم كل فرصة لإبراز عظمة وتقدم فرنسا للمصريين فى الفنون والعلوم مما جعله يدعو بعض الشيوخ المصريين كى يشاهدوا بعض التجارب الكيميائية التى يجريها العالم الفرنسى M. Berthollet .

أن هذا المشهد هو بلورة لاستخدام العلم كوسيلة لإبراز المستعمر (بكسر الميم) كقوة فذة لا تقهر ولتعميق الشعور بالدونية للمستعمر (بفتحة على الميم).

وقد قيل الكثير حول نشاط الفرنسيين الثقافى فى مصر والذى تجسد فى مجموعة "وصف مصر" ، ولكن بحوثهم العلمية كانت لمصلحة الأوروبيين وليس لتنوير الشعب المصرى . كما أن أعضاء "معهد مصر" "“Institut d’Egypte الذى أقامه الفرنسيون، كانوا فرنسيين ولم تكن هناك عضوية للمصريين، ولم تكن هناك دراسات عربية إلا لمصلحة الفرنسيين أنفسهم، وبمجرد أن انسحب الجيش من مصر اختفى المعهد من الوجود. وبالطبع فتح المعهد لبعض الزائرين من المصريين مثل الجبرتى الذى زار المكتبة ومعامل البحث، وقد عبر عن زيارته بأنه " رأى أشياء لا تفهمها عقول مثل عقولنا " !! وتصبح هذه المقولة تجسيدا لمفهوم تغريب العلم . " كما أن الجبرتى أثناء سنوات الاحتلال الفرنسى لا يعطينا وصفه المطول عن تاريخ العلماء المصريين كما كان يفعل ولكن يعطينا ملخصا للذين أعدمهم الفرنسيون أو الذين تركوا القاهرة " .

أما الآن فتجئ المحاولة هذه المرة بأيد عربية ولكن الهدف والوسيلة واحدة. يسوقنا هذا لحديث مختصر حول إستخدام العلم كأداة فعالة للهيمنة من قبل القوى العظمى، وخطورة هذا الأمر تتركز فى نقطتين أساسيتين، أولهما: أن البعض يعتبر العلم والسياسة كيانين منفصلين، وبالتالي غاب موضوع العلم فى السياسة الخارجية، أو كما يسميه ديكسون، Dixon "الإمبريالية المعرفية والعلمية"، عن تناول المثقفين فى مصر وبقية الأمة العربية، وثانيهما: أن تسخير العلم والتكنولوجيا من قبل الإدارة الأمريكية كأداة للهيمنة والاستغلال والابتزاز السياسى للدول العربية ستتصاعد وتيرته. وفى الوقت نفسه ستمنع الدول الرأسمالية الكبرى أنواعا من التكنولوجيا والمعرفة العلمية لأسباب تجارية احتكارية وأمنية وعسكرية، كما ستستغل دول العالم الثالث لتصدير تكنولوجيات غير متقدمة وملوثة للبيئة إليها.

ولقد جذب أنتباهى لهذا الموضوع محاضرة فى أوائل السبعينات بجامعة ولاية متشيجان التى كنت أعمل بها أستاذا للكيمياء الطبيعية فى ذلك الوقت. وكانت إحدى استنتاجات المحاضر الأساسية، الذى كان يمثل الجمعية الكيمائية الأمريكية لذلك العام، هى تصدير الصناعات التى تحتاج للطاقة والعمالة المتوسطة الكفاءة والملوثة للجو مثل صناعات الورق والأسمنت إلى الكويت والمكسيك. كانت المحاضرة نموذجا لجهود توزيع العمل دوليا فى إطار العولمة، كما بدا واضحا الجانب العنصرى المقترن دائما بالتخطيط الإمبريالي. ومن المدهش أن بعض المثقفين حتى الوطنيين منهم لا يزال يقلل من العقبات التى تفرضها الدول الصناعية فى مجال العلم. فقد أشار زحلان فى كتابه الهام "العرب وتحديات العلم والتقانة" أنه "ليست هناك أية قيود جدية لنقل التقانة الى مناطق حيوية عديدة مثل الصحة والزراعة وسلسلة كبيرة من الصناعات الأساسية والمهمة"، و كما كتبت من قبل فى مكان آخر، فإن الإستراتيجية الأمريكية الواضحة هى ضمان استمرار تفوق الكيان الصهيونى إقليميا والعمل على إبقاء حالة الضعف والتخلف عربيا خصوصا فى مجالات العلم والتكنولوجيا. ولعل تدمير العراق وحصاره واحتلاله فى العقد السابق، وما تم من تهجير كفاءاته العلمية خارج البلاد واغتيال العديد منهم ومن هؤلاء د. عبد المنعم الأزميرلي العلمي المتميز أول دفعة 1960 بكلية العلوم بجامعة الإسكندرية، وكان قياديا في المؤسسة العلمية العراقية، قتله الجيش الأمريكي بعد القبض عليه وتعذيبه الوحشي، وهو ما نشرت تفاصيله صحيفة الجارديان البريطانية عام 2004. إن هذا مثال صارخ لممارسات اغتيال المعرفة من قبل الاستعمار والامبريالية.

وحتى لا يتسرع البعض فى اعتبار بعض هذا الحديث وكأنه جزء من التفكير التآمري، وهو نهج مفضل لدى المتآمرين أنفسهم، أود أن أبدى بعض الملاحظات الضرورية باختصار شديد، وعسى أن تتاح الفرصة لحديث مفصل لاحقا: إن الولايات المتحدة الأمريكية هى أكبر منتج للعلم فى العالم، وقد سمح لها ذلك أن تنتزع امتيازات سياسية كبيرة، ولم يقتصر هذا على دول العالم الثالث بل شمل أيضا دولا صناعية ولكن بدرجة أقل. إن استخدام العلم فى السياسات الخارجية قد أدى إلى ازدياد تحكم الشركات العملاقة ودول الهيمنة، ولقد أدى هذا الازدياد الى تفاقم أحوال الدول النامية.

لقد عبر العديد من المسئولين الأمريكيين عن أهمية استخدام العلم كأداة للهيمنة ، ونسوق هنا بعض الأمثلة. كان هنرى ناو، Henry Nau الذى عمل كأحد مساعدى الرئيس ريجان صريحا عندما اقترح أن ازدياد الاعتماد المتبادل في ظل العولمة مكن الدول المتقدمة من استخدام مميزات منزلتها العلمية المتفوقة وخبرتها التكنولوجية لفرض "شكل أكثر مواربة وأكثر شمولا للإمبريالية عن أي حقبة سابقة في التاريخ"

وكان هنرى كيسنجرHenry Kissinger مستشار الأمن القومى للرئيس نيكسون شخصية محورية في محاولات دمج العلم في مجال السياسة الخارجية واستخدامه للاستفادة سياسيا من ثمرة التفوق العلمى الأمريكى. تقول دكسي لي رئيسة هيئة الطاقة الذرية السابقة ورئيسة مكتب المحيطات والبيئة وشئون العلم: أن كيسنجر اعتبر ان القدرات العلمية هي بمثابة أوراق في اللعبة السياسية، بمعني ان تقول لدولة ما إذا فعلت ما أريد في مشكلة ما ستحصلين علي قدر من العلم والتكنولوجيا (طبعا بشروطي).

ولقد أكد هذا المفهوم صانعو القرار السياسى ألأمريكى بدءا من وليام كيسى،William Casey مساعد وزير الخارجية آنذاك، والذى عمل رئيسا للمخابرات المركزية الأمريكية بعد ذلك اذ يقول في حديث لمعهد البحوث الصناعية أنه ليس هناك عاملا يفوق أهمية دعم العلم لتغذية التكنولوجيا وتسخير ذلك لتمويل طريقنا في العالم. وأكد المفاهيم نفسها زبجنيو بريجنسكى،Zbignew Brzenski ،مستشار ألأمن القومى للرئيس كارتر، والذي شدد علي قيمة العلم والتكنولوجيا كأدوات للسياسة الأمريكية. ومثلهم ألكساندر هيجAlexander Haig ،وزير الخارجية عام 1981، والذي قال"أن لب التنمية هو خلق ثروة إضافية وليس التوزيع الإنتقائى للثروة المتاحة حاليا من مكان إلى آخر فى هذا العالم".

ثم نصل إلى المرحلة الحالية "مرحلة العولمة المعسكرة " كما يطلق عليها سمير أمين عالم الاقتصاد السياسي المصري، والتى تتميز بالتهديد المباشر والإملاءات البعيدة تماما عن أى مواربات دبلوماسية.

الجزء الثالث

مشروع مصر القومي المسمي باسم زويل

يمكننا الآن أن نبدأ الحديث عن مشروع مصر القومي المسمي باسم زويل ملتزمين بمنهج التحليل الموضوعي وطرح تساؤلات صريحة ومحددة ومشروعة أيضا، لاعتقادنا القوي بأن القضية التي نحن بصددها تتعلق بمستقبل مصر في احدي المجالات الهامة، وليس فقط بجامعة النيل.

هدفنا هو كشف المغزي الحقيقي من المشروع ومشاريع مماثلة في عالمنا العربي وتوضيح كيف أنه إحدي المحاولات الدءوبة والمستمرة للتحكم في مصر من قبل قوي الهيمنة العالمية. وتتمثل خطورة هذا المشروع بالذات لكونه يجيء علي يد مصري انبهر به العديد من المواطنين لحصوله علي جائزة نوبل رغم أن جميع أبحاثة أجريت بالمؤسسة البحثية الأمريكية ولا علاقة لمصر من قريب أو بعيد بها. أما تربص زويل بجامعة النيل وعدم اكتراثه بمستقبلها فليس بغريب. فهو بالأساس مبعوث رسمي للرئيس الأمريكي- كما يدرك المسئولون المصريون جيداً. ويمكننا فهم الموضوع بوضوح في إطار إحكام الهيمنة الأمريكية علي مصر. ونختتم الدراسة بمناقشة واجب العلميين المصريين إزاء الهيمنة في المجال العلمي وغيره.

تساؤلات هامة وإجابات موجزة

تشمل حقائق وتعليقات موضوعية

ما هي التكليفات والمهام المسندة إلي زويل كمبعوث من قبل الرئيس الأمريكي أوباما، ومبعوثين آخرين إلي العالم الإسلامي في مجال البحوث العلمية؟

أعلن الرئيس اوباما في إبريل 2009 قرارا بتعيين الدكتور أحمد زويل الحائز علي جائزة نوبل بمجلس الرئيس الاستشاري للعلوم والتكنولوجيا President's Council of Advisors on Science and Technology (PCAST) . مهمة المجلس الذي يضم 20 عضوا هي تقديم المشورة للرئيس حول الأمور المتعلقة بالتعليم والطاقة والتغيير المناخي والبيئة والأمن والاقتصاد، وقد أعلن زويل ترحيبه، وقبل المهمة لمساعدة اوباما في رؤيته لامريكا للقرن الحادى والعشرين، وتناول قضايا لها اهمية في إطار العولمة..

ومن جهتنا فإننا نعتبر هذا التعيين هو مسألة امريكية تخص د.زويل باعتباره منتميا للمؤسسة العلمية الأمريكية. أما قرار الرئيس الأمريكي بتعيين زويل "مبعوثاً فوق العادةenvoy " من أجل دفع الشراكة العلمية والتكنولوجية بين الولايات المتحدة والعالم الاسلامي، فهو أمر يقع في صميم اهتمامنا كمصريين. جاء الخبر بمجلة الطبيعة Natureالمعروفة لدي العلميين في يناير 2010 واستطردت المجلة بأن زويل يقوم بمقابلات مع الوزراء والاكاديميين ورجال الاعمال لمحاولة بلورة نشاطات تعاون جديدة، وأن هناك مجموعة عمل Task Force متوقع ان تقدم توصيات بالنسبة لمجالات تعاون علمي بين مصر والولايات المتحدة.." وفي الوقت نفسه تم تعيين مبعوثيثن آخرين هما Bruce Alberts وهو المحرر السابق لمجلة" العلم" Science، ذائعة الصيت ورئيس الأكاديمية القومية سابقا (1993-2005) ، و Elias Zerhouni مدير المؤسسة الوطنية للصحة الأمريكية (US National Institutes of Health (2002–08 وجاءت هذه التعينات لتنفيذ بعض ما جاء في خطاب أوباما بجامعة القاهرة عام 2009. كما ذكرت المجلة أن "كل مبعوث سيزور اماكن مختلفة من "العالم الاسلامي" فألبرتس سيزور اندونيسيا، وزرهوني لعشرة دول شرق اوسطية".

وكما أكدنا سابقا فاننا أمام مشروع أمريكي يحدد لنا نشاطات تعاون علمي، يحدد أولوياته مبعوث خاص لدي دولة أجنبية. وعلينا أن نتسائل لمن تقدم هذه التوصيات المطلوبة؟ وما هي الجهات المنوط بها تفعيل هذه التوصيات؟ بالطبع مسئولين أمريكيين في مؤسسات الدولة الأمريكية علي رأسها البيت الأبيض ووزارة الخارجية، ومؤسسات علمية كالأكاديمية العلمية الوطنية، وبالتأكيد مؤسسات عسكرية واستخباراتية. هل يمكن أن نسمي هذه العلاقة "تعاونا" خصوصا وأن المؤسسات العلمية المحلية غائبة عن تحديد استراتيجية وأولويات مشروع زويل الأمريكي ؟ هل نكون مغالين إذا قلنا أن هذا مشروع هيمنة في مجال العلم والتكنولوجيا خصوصا وأن من بين أولويات زويل إقامة معهد للدراسات الاستراتيجية لتقييم المشاريع الاقتصادية؟ ألا يرسل ذلك ومضات حمراء قوية وأصوات إنذار عالية؟

نحن لا نتحدث عن دولة عادية إنما عن الولايات المتحدة الأمريكية الحليف الاستراتيجي للكيان الصهيوني- أي إسرائيل- والتي لم يكف رؤسائها جمهوريين وديمقراطيين الإعلان والتأكيد علي أن الولايات المتحدة تضمن تفوق إسرائيل، ليس علي مصر وحدها، وإنما علي كافة الدول العربية. أعرف تماما كيف أن البعض يحلو له تناسي هذه الحقيقة، ولكن هذا هو الواقع الذي يحتم علينا أن نتساءل: هل سيكون التعاون المنشود في صالح مصر؟ هل سيعمق تبعية الدولة والمؤسسات المصرية بحيث تشمل الجانب العلمي بالإضافة للجوانب السياسية والاقتصادية؟ هل يتناقض مشروع زويل مع الأولويات المنشودة مصريا أم أنه يحرفنا عنها؟ ألم يقم الاستعمار البريطاني في السابق بمشروعات إجهاضية في مجال التعليم بمصر، ومحاولات لعرقلة جهود وطنية في مجال التعليم الجامعي؟ السؤال المنطقي ما هو البديل؟ ولكن السؤال الذي يجب أن يسبق هذا هو: ما هي المشاريع والبرامج المرفوضة؟ إن البديل الصحيح والصعب أيضا هو المسار المستقل. تتمثل صعوبة هذا المسار في أنه يتطلب أيضا مسارا سياسيا مستقلا. ماذا نفعل في المرحلة الآتية حتي تتبلور ظروف أفضل؟

الاجابة هى أولا: أن نمنع مشاريع نعرف مسبقا أنها تقودنا في اتجاه لا يخدم مصالحنا رغم المقولات الدعائية، ورغم تشجيع بعض المثقفين عن عدم معرفة أحيانا، وعدم مسئولية أحيانا أخري. وثانيا: أن نشجع ونؤيد محاولات وطنية علمية واعدة سواء كانت جماعية أوفردية، حتي لو كان متواضعة الأهداف، بشرط أن تكون متناسقة مع المشروع العلمي الوطني غير المكتمل وليست متعارضة معه.

هل كانت هناك مشاريع مماثلة لمشروع زويل في بلدان عربية أخري؟

ان الظروف التي نمر بها والمشاكل التي نواجهها ليست لها خصوصية مصرية أو عربية، وهي ليست فريدة كما يظن البعض، ولقد مرت بها شعوب أخري من قبل، بل ان هناك نماذج معاصرة تخطت مثل هذه العقبات، وحققت نجاحات ملحوظة كالصين والهند وكوبا. ولقد تناولت منذ بضع سنوات نموذجا لهذا النجاح العلمي الهائل الذي حققته كوبا.

جاء في كتاب زحلان "العلم والسيادة التوقعات والامكانات في البلدان العربية" اصدار مايو 2012 نبذة عن محاولات من قبل قوي الهيمنة لفرض اولويات لا تتناسق مع الاولويات الوطنية. ففي أواخر عام 1952 اعلن الرئيس ايزنهاور في الامم المتحدة برنامج "الذرة من اجل السلام" كاداة "للتنمية والسلام". في هذا الاطار عرضت الولايات المتحدة علي الجامعة الامريكية ببيروت مفاعلا نوويا وكان زحلان رئيسا لدائرة الفيزياء في تلك الجامعة، فرفض المشروع، وكان منطقه "أن المفاعل لن يمكن دائرة الفيزياء من اقامة نشاط مفيد، بالاضافة الي ذلك لم يكن في دائرة من كان مهتما بالمشروع في ذلك الوقت، ولم يكن هناك اية توقعات ان يكون لبنان من الدول النووية في يوم من الايام." كان لدينا مخططات محددة لتطوير بحوث في علم الاطياف ...وفيزياء الحرارة المتدنية، والرنين المغناطيسي للالكترون والنواة وغير ذلك. طلبت الاموال المخصصة للمفاعل لشراء اجهزة يمكن ان تكون مفيدة لبرنامجنا...إلا ان عرضي رفض". ليس غريبا ان يكون هذا موقف زحلان لكونه من العلميين العرب الذي ربط دائما بين العلم والسيادة الوطنية، والذي أصدر أول كتاب شامل حول "العلم في اسرائيل" منذ عقود، بالطبع لم يحصل علي جوائز لانجازاته العلمية والثقافية من إسرائيل أو أمريكا.

مركز سيسامي بالأردنSESAME CENTER

جاء في كتاب زحلان أيضا :أنه تم "زرع تجهيزات بحث، وانشاء مركز بحث وتطوير دولي في الاردن". ونقتبس من كتاب زحلان المعلومات التالية: لقد اقيم مركز السينكروترون للعلم التجريبي وتطبيقاته في الشرق الاوسط SESAME CENTER في الاردن من قبل منظمات دولية. وكان حجر الاساس للمركز هبة كريمة (وفي نظري هبة خبيثة) لسينكروترون مستقدم من المانيا بقيمة 60 مليون دولار ......ومن المتوقع ان يوفر هذا المركز تسهيلات وتجهيزات ممتازة للبحوث في المواد وعلم الحياة الجزيئي، والاجهزة الالكتروميكانيكية الميكروية، والتصوير بالأشعة السينية وغيرها..وتشرف علي المركز بشكل رمزي مجموعة من الدول مشكلة من اسرائيل وتركيا وايران وباكستان وقبرص والسلطة الفلسطينية ودول عربية منها مصروالبحرين ( باختصار ووضوح الدول الداخلة في المشروع الشرق أوسطي الكبير). ذكر المؤلف ان السيدة رولي خلف وشركاؤها ناقشوا في مقالهم بالفاينانشيال تايمز عام 2011 فرضية ارتباط اغتيال اثنين من العلميين الايرانيين في إيران بمشروع السينكرووترون وهما مسعود علي محمدي وماجد شهرياري. بدأ العمل بالمركز عام 2007 في جامعة البلقاء في الاردن، واذا اعتبرنا المقياس الاساسي لنجاح المركز هو عدد الاوراق البحثية فمن المدهش أنه نشر "ورقة عادية واحد ة"، رغم أن العلميين المشاركين ناشطين في البحوث بمراكز أخري ورغم أن المشروع مضي عليه عشر سنوات من التخطيط والتنفيذ، وتكلف حوالي مائة مليون دولار.

وكما جاء علي لسان زحلان أن "النقص الأساسي في المشروع هو أنه لم يلب المنهج المعياري في إقامة مراكز البحث، إذ يكون المركز عادة ً نتيجة لمجهودات مجموعة من الباحثين العلميين الذين يسعون إلي دعم مشروعهم،.."فهم الذين يعرفون ماذا يريدون، ويخططون للتجارب التي يريدون إجراءها في المركز، تلك هي المنهجية العادية لاقامة مراكز بحوث."

النامرو تصل إلي مصر عام 1948 و الوفد يعتبر ذلك احتلالا جديدا

كتبت نانسي جاليجر في كتاب لها بعنوان حروب أخري علي مصر Egypt's Other Wars" والذي صدر عام 1990 أن النامرو NAMRU-3وهي "وحدة البحث للبحرية الأمريكية" حصلت علي الاعتراف الرسمي بها من قبل الحكومة المصرية بعد وباء الكوليرا. وفي 1948 أعلنت حكومة النقراشي تأجير رمزي لأرض بجوار مستشفي العباسية للحكومة الامريكية. ترمز هذه الاتفاقية الى دور المؤسسة العسكرية الامريكية في مصر، رغم معارضة مصرية لتواجد عسكري أمريكي علي أراضي مصرية. أعلنت صحيفة "المصري" الوفدية ان هذا الاتفاق هو بمثابة احتلال جديد بعد عام من انسحاب القوات البريطانية من القاهرة. وقالت الصحيفة أنه رغم أن هدف النامرو يقع في مجال الصحة، ولكن العالم قد شاهد أمثلة عديدة للامبريالية ظهرت في البداية وكأنها بريئة، وتمنت صحيفة "المصري" أن يرفض الرأي العام هذا الاحتلال الاجنبي الجديد، مما يؤدي لرفض الحكومة له. وتساءلت صحيفة "الكتلة": لماذا تسمح الدولة لحكومة أجنبية القيام بأبحاث عسكرية دون رقابة من أي نوع، وكان من الافضل حسب رأي الصحيفة أن تعلن إحلال الاحتلال الامريكي بدلا عن الهيمنة البريطانية. وشكت مجلة "المصور" من أن البحرية الأمريكية جاءت الى مصر ومسحت أماكن محظورة وغير محظورة باستخدام ادوات متقدمة ..وأن نتائج الاستكشاف والبحث والخرائط غادرت مصر دون موافقة الحكومة المصرية، ويبدو ان مصر تنازلت عن جزء من سيادتها للأمريكيين.

هل كانت هناك مشاريع جادة ووطنية للبحث العلمي بمصر؟

مركز البحوث والدراسات العليا بالإسكندرية

مثال آخر هو مركز البحوث والدراسات العليا بالإسكندرية والذي ساهمت في إعادة صياغة برنامجه للبحث العلمي. وهنا أجدني مضطرا لذكر بعض التفاصيل المتعلقة بجهدي في هذا المضمار لكونها متعلقة بالموضوع. هذه الملاحظات منقولة من دراسة تفصيلية لي بعنوان "تأملات في التجربة العلمية المصرية"، بناء علي طلب الأليسكو التابعة للأمم المتحدة، فمنذ أكثر من عشرين عاما كنت حينئذ أستاذا مثبتا Tenured بجامعة ولاية ميشجان بأمريكا، وكانت لي مجموعة بحثية في مجال دراسة الاحداث السريعة للجزيئات في حالة الاثارة في فترات النانو ثانية، ولكني كنت أصبو دائما ان ننجح في انشاء مركز بحوث متقدم في مصر. استقلت وعدت للاسكندرية بعد ان عينت استاذا بكلية العلوم، ونائب رئيس المركز عام 1981 ورغم سعادتي في عملي البحثي والتدريسي بجامعة ولاية ميشجان، فقد كان رئيس جامعة الاسكندرية في ذلك الوقت د.لطفي دويدار، وكان له اهتماما حقيقيا بالموضوع، وله وعي بأهميته، والتقيت به في واشنطن وبدأنا عام 1980 في إعادة تاسيس المركز الذي كانت اليونسكو تموله كأحد "المراكز المتميزة" في العالم العربي قبل ذلك، ولكن أولويات البحث التي اختيرت عشوائيا، عكست مجالا ت البحوث التقليدية لعدد صغير من الاساتذة، وكان د.دويدار ومدير المركز د. عبد الرحمن الصدر، وكلاهما أساتذة بكلية الطب، يصبوان الى تحديث المركز بشكل جذري.

جاء في أهداف المركز- كما جاء في اللائحة التي اقرها مجلس الجامعة- "إقامة قاعدة وطنية قوية"، والمساهمة في البحوث الأساسية التي تفرضها أولويات التنمية المصرية، وليس منح شهادات عليا، واستخدام باحثين حاصلين علي الدكتوراة في فروع العلم المختلفة، ومن كليات مختلفة بجامعة الاسكندرية، وأحيانا من جامعات مصرية أخري. كما جاء في الاهداف "المساهمة الفعالة والتعاون المثمر لخدمة قطاعات الانتاج الزراعية والصتاعية، وفي مجالي الصحة والتعليم".

وفي مناقشات استمرت يومين كاملين شارك فيها عشرات من العلميين من كافة التخصصات اتفقنا فيها علي مقاييس محددة قبل تحديد الاولويات حتي نتجنب الانحيازات الشخصية. هذه المعايير تشمل تكاليف البحث ومدي ارتباطه بجانب مهم في التنمية، وامكانية تفعيل المجموعات البحثية في زمن قصير، وتواجد باحثين في المجال، وامكانية تأهيل حاصلين علي الدكتوراه فعلا في مواضيع معينة، واستخدام الاجهزة لاكثر من غرض ..الخ. بعد ذلك كان من السهل نسبيا أن نحصل علي توافق حول أولويات البحث التي كان من بينها الدراسات الوراثية البيوكيمائية والجزيئية، وبيولوجيا الخلية، وزرع الانسجة، والفيرولوجي، والتحكم في فعل الانزيمات، وبيولوجيا الاغشية، والدراسات الجزيئية والبيوجزيئية، ودراسة المواد والكيمياء، والبيولوجيا الضوئية، وتخزين الطاقة الشمسية، ودراسات متعلقة باستخدام الليزر وغيرها.

لم يكن زويل من بين المشاركين في بلورة برنامج وأولويات المركز، وإنما جاء لاحقا بناء علي دعوتي له ضمن آخرين من المصريين وبعض الأجانب العلميين في إطار برنامج لمحاضرة محددة وموجهه لحاصلين علي الدكتوراه بجامعة الإسكندرية، وتنسجم مع الخطط البحثية للمركز.

الجزء الرابع

الممارسات السابقة لزويل في مجال البحث العلمي بمصر

عرضنا أسباب فشل وتغيير مسار مشروع مركز الدراسات بالإسكندرية في دراستنا المقدمة للأليسكو، وأهمها دور رئيس الجامعة محمود الحضري الذي تعاون معه د. زويل. فقد تحول المركز إلي معهد يمنح شهادات عليا كغيره من المؤسسات الجامعية بتدخل من رئيس الجامعة، الذي غير أهداف وفلسفة المركز السابقة، والتي لم يكن مقتنعا بها أصلا. ومن المعروف أن الحضري هو الذ ي زود السلطة السياسية بأسماء الأساتذة الذين تم نقلهم خارج الجامعة، وكنت واحدا منهم، كماأعلن تأييده لقرارات سبتمبر 1981 في إعلان مدفوع الأجر علي صفحة كاملة بصحيفة "الأهرام".

وكان الحضري من المشاركين في استضافة مناحم بيجن أثناء زيارته للإسكندرية، وشارك مع زويل في استغلال المركز لل"تطبيع " مع إاسرائيل بموافقته علي عقد مؤتمر الكيمياء الضوئية في يناير 1983، والذي عارضته بشدة بسبب معارضتي لما يسمي بالتطبيع مع العدو الصهيوني، ولأني لا أري جدوي من عقد مؤتمرات علمية قبل أن يكون النشاط العلمي بالمركز واضحا، وبدأنا بنشر أوراق علمية مميزة، وإلا وقعنا في محظور الدعاية بإسم العلم، وليس البحث العلمي ذاته وهي آفة خطيرة ومنتشرة.

ذهبت للمركز بعد ذلك مرة وحيدة في يناير 1983 ومع أعضاء للجنة الدفاع عن الثقافة القومية، وذلك لمعارضة المؤتمر "التطبيعي" الذي لعب زويل دورا محوريا في انعقاده، رغم معارضتي الشديدة له. تمت مقاطعة المؤتمر رسميا من قبل مجلسي قسم الكيمياء، وكلية العلوم بالجامعة، وانسحب جميع المشاركين من أقطار عربية بعد معرفتهم بمشاركة إسرائيليين.

وعد زويل المسئولين بالجامعة أنه سيجعل المركز بمثابة "خلية نحل"، ولم نسمع طنين النحل حتي الآن، ولم نر معالم لمشروعه الدعائي الذي سماه "معبد الكرنك العلمي" منذ أعوام عديدة، وبقي الكرنك الحقيقي رمز لحضارة مصر العريقة.

نعرض هذا الموضوع للتأكيد علي أنه كانت هناك محاولات جادة ذات منهج علمي ووطني لإنشاء مراكز متميزة في البحث العلمي بمصر، ولنبين مواقف سابقة لزويل في هذا المجال.

ومنذ التسعينيات تواجد زويل بمصر مرارا وشن حملات دعائية متعددة ، وجذب هذا الأسلوب بعض المفكرين المصريين، خصوصا وأنه يصدر من قبل باحث علمي وأستاذ جامعي وحاصل علي جائزة نوبل في الكيمياء. علق علي هذه الظاهرة الراحل د.عبد العظيم أنيس أستاذ الرياضيات المعروف، وعضو لجنة الدفاع عن الثقافة القومية. ففي مقال بعنوان " زويل ودقيقة سكوت لله" بأهرام يونية 1998، تحدث عن "مولد زويل"، وعبر عن امتعاضه لتصريحات زويل الذي تنبأ فيها بقفزة اقتصادية هائلة، متناسقا مع تصريحات غير مسئولة للسلطة السياسية لعصر الرئيس مبارك. وكشف أنيس في مقال آخر في سبتمبر 1998 زعم زويل بأنه لا يشتغل بالسياسة وانه في الحقيقة يمشى في ركاب السياسة الامريكية، وصلته الوثيقة بلطفي الخولي و رجل الأعمال إبراهيم كامل، وهما من مؤيدي سياسة التطبيع، والاخير له استثمارات كبيرة في تل ابيب، وعلق أنيس علي أن زويل رجل يفتي في كل شئ، وليس في الليزر فقط، وانما في الاقتصاد والبيئة وتربية الاطفال. وحذر انيس الذين يتصورون أن زويل هو مبعوث العناية الالاهية لإنقاذ البحث العلمي في مصر من محنته هم واهمون، وأن القضية ليست غياب الاقتراحات الجادة، وانما غياب الارادة السياسية والتمويل. وكتب الأستاذ عادل حسين أيضا عن مرور جوائز نوبل للمصريين عبر بوابة كامب دافيد وتل أبيب.

ما هي معالم مشروع زويل من حيث الشكل والموضوع ؟

تحدث زويل والعلم المصري بجواره في التليفزيون المصري منذ حوالي أسبوعين ذاكرا أولويات البحث بمشروع زويل.وقد دونت منها ماجاء بتعبيره، الكوزمولوجي (يقصد علم الكونيات) والأستروفيزيكس (يقصد الغيزياء الفلكية) فيزياء الكرة الأرضية، وعلم البيئة الأرضية، ومركز للمواد الذكية مثل قميص خفيف تصد الرصاصة، ومركز تكنولوجيا النانو، ومركز التصوير الالكتروني، ومركز للشيخوخة، وكما ذكر الهيجز- بوزون (يقصد الجسيم الذي تأكد وجوده عقب تجارب تكلفت أكثر من ثلاثة بليون دولار!) ومركز طلعت حرب للإقتصاد والدراسات الاستراتيجية لتقييم وتحليل المشاريع القومية. كما ذكر أنه تم الحصول علي أجهزة قيمنها 120 مليون جنيه أي حوالي 20 مليون دولار، وذكر أسماء بعض أعضاء مجلس الأمناء، ووصف معارضيه أن لهم مصالح خاصة، وبأنهم لا يريد لمصر نهضة حقيقية.

القضية هنا تتمثل في التساؤلات الآتية: كيف حصل زويل علي موافقات رسمية؟ وهل يخول القانون رئيس الوزراء هذا الحق؟ وهل من المقبول أن يتم ذلك في معزل عن المؤسسات العلمية الوطنية؟ ومن الذي عين مجلس الأمناء ومن الذي اختارهم؟ من الذي حدد أولويات المشروع؟ وهل هذه الأولويات تعكس الأولويات المصرية؟ هل دراسة أمراض الشيخوخة رغم أهميتها أولوية؟ هل لدي غالبية المصريين الترف أن يصل إلي مرحلة الشيخوخة؟ أم أن برامج البحث يجب أن تعطي أولوية خاصة لوباء الفيروس الكبدي وأمراض الكلى التي تدمر أجساد الملايين من المصريين وتقتلهم في النهاية؟ هل علوم الكوزمولوجي والأستروفيزيكس ودراسة الهيجز- بوزون أولوية؟

مشروع زويل في خدمة عولمة التحكم في مصر

لم يكن النشاط العلمي بعيداً عن ذراع السياسة الخارجية للسلطة الحاكمة بأمريكا، نقصد تحالف المنظومة العسكرية والصناعية والاكاديمية كما سماها الرئيس السابق ايزنهاور في نهاية حكمه، أو ما سماه المؤرخ ستيوارت لسلي "المثلث الذهبي" لوصف العلاقة بين الوكالات العسكرية والصناعات التكنولوجية والبحوث الاكاديمية.

قد ينبهر بعض المصريين من تواجد علميين حاصلين علي جائزة نوبل في مجلس أمناء مدينة زويل، والتي تشمل أصحاب رؤوس مال عالمي، ولكن بالقليل من التفكير والتساؤل يتضح الوجه الإعلامي في الموضوع وأهدافه الحقيقية. ونعذر مثقفي مصر الذين ليست لهم دراية بالمعارضة من قبل علميين أمريكيين يؤمنون بخدمة العلم للمجتمع وليس للصناعات الرأسمالية الخاصة والبرامج العسكرية، ويعترضون علي منهج جعل العلم تجارة. هؤلاء

يعارضون سياسة الأكاديمية العلمية الوطنية وبالذات ذراعها التنفيذي الذي يمرر سياسات لصالح اصحاب الصناعة الرأسمالية علي حساب المصلحة العامة، ولتواجد لجان تمارس بحوثا حربية سرية. وعلي سبيل المثال فقد استقال البروفسور ريتشارد ليونتين من الاكاديمية، وهوأستاذ البيولوجيا التطويرية بجامعة هارفارد، واصفا الأكاديمية العلمية الوطنية، National Academy of Science، بال"منظمة السياسية". بالطبع لا نتوقع مساهمة مثل هذه الشخصيات في مدينة زويل. لقداعترض علميون غربيون علي" إهمال المباديء الأخلاقية للعلم"، والإرتباط المتزايد بين المصالح الاقتصادية الخاصة والمؤسسات العلمية، وهو ينعكس بوضوح في تشكيلة مكتب أمناء زويل الذي يشمل أكاديميين و رجال أعمال كونوا ثرواتهم من المضاربات المالية كالجنك بوندز Junk Bonds وهجرة رأس المال خارج أمريكا،مما ساهم في أزمة الاقتصاد الأمريكي الطاحنة الآن.

ومن المهم أن نشير إلي الاجتماع السري الذي عقد عام 2000 علي هامش مؤتمر دافوس بين بروس ألبرت عندما كان رئيسا للأكاديمية العلمية الوطنية الأمريكية، ورؤساء لأكاديميات علمية لدول أخري. في هذا الاجتماع قدم اقتراحا بتكوين مجلس أكاديمي دولي كمكتب أمناء دولي لإعطاء مشورة علمية. أليس هذا جزء من محاولات استخدام العلم للهيمنة لمصلحة قوي الهيمنة العالمية، كما انتقد العديد من العلميين الأمريكيين غياب الشفافية لسرية الاجتماع. نذكر بأن بروس ألبرتس هو أحد مبعوثي أوباما لإندونيسيا مثل زويل مبعوثا لمصر، كما ذكرنا من قبل.

أعضاء مجلس أمناء مدينة زويل وخلفيتهم

أظن أنه من حقنا بل من واجبنا ونحن بصدد مشروع قومي مصري أن نعرف من هم أعضاء مجلس الأمناء الدولي . يشمل المجلس أربعة حائزين علي جوائز نوبل في الفيزياء والكيمياء والطب والاقتصاد، ورئيس معهد كاليفورنيا التكنولوجي الذي يعمل به زويل، ورئيس سابق لمعهد ماساشوستس التكنولوجي، ورجال أعمال أمريكيين، ورئيس أكاديمية الصين ورجال أعمال عرب: د. محمد عريان من أصل مصري، وهو مستثمر عولمي ويعمل في مجال السندات، وعبد اللطيف الحمد المدير العام للصندوق العربي للإنماء الكويتي، والدكتور مجدي يعقوب، وليزا أندرسون رئيسة الجامعة الأمريكية بالقاهرة. جذب اهتمامنا عضويةNicolas Berggruen نيكولاس بيرجروين لكونه من قيادات العولمة، بليونير يملك أراضي بإسرائيل والهند. أنشا معهد بيرجوين المهتم بالحوكمة Governance، وكون ثروته في مجال العقارات والمضاربات المالية. أنشأ معهد القرن الحادى والعشرين عام 2011، الذي يضم رؤساء وزراء أوروبيين سابقين مثل شرويدر (ألمانيا)، وجونزالس (أسبانيا)، وبلير (بريطانيا)، وحاصلين علي نوبل من بينهم أحمد زويل، وفرانسيس فوكوياما أحد منظري المحافظين الجدد، و صاحب نظرية نهاية التاريخ بسيادة رأسمالية السوق. بيرجروين عضو بمجلس العلاقات الخارجية الامريكي Council on Foreign Relations) ) . ضم مشروع بيرجروين بكاليفورنيا كوندوليسا رايس، وجورج شولتز وهم و زراء خارجية أمريكيين سابقين. أظن أنه من الواضح أن تشكيلة المجلس لا يطمئن، بل أنها تثير تخوفات جمة، وتجعلنا نستغرب موافقة الحكومة المصرية.

يفخر زويل بأن هذه شخصيات مرموقة، ولكن لا يقول لنا هل تبغي الصالح المصري؟ وما هي توجهاتها السياسية؟ وكيف أن مرموقيتها ستساهم في إنشاء قاعدة وطنية علمية؟. الأهم من ذلك هو من الذي قام باختيار هؤلاء؟ وبأي معايير قانونية تمت موافقة رئيس الوزراء المصري د. عصام شرف؟ وأين الرقابة المالية والإدارية وحماية الأمن القومي؟.

ويتشكل مجلس إدارة محلي يشمل عددا من المصريين المعروفين ومصريين بأمريكا مثل فاروق الباز ومصطفي السيد ( الأخير زار إسرائيل في اوائل الثمانينات). وبصرف النظر عن رأينا في هذه الاختيارات فلنا أن نتسائل مرة أخري من الذي اختارهم وبأي معايير؟

ما هي علاقة زويل بالعدو الصهيوني؟

ولأن مواقف الفرد السابقة لها دلالة بالغة لمدي الثقة التي يمكن أن نمنحها له في قضية هامة مثل مشروع قومي علمي، فلا بد من مراجعة مواقفه وتصريحاته المعلنة. نقول ذلك مع إيماننا أن مسئولية كهذه لا بد وأن يشترك فيها علميون متخصصون وقيادات في مجالات متعددة من التنمية وقيادة سياسية ذات رؤية واضحة.

إختير زويل محاضرا متميزا في جامعة تل أبيب عام 1992 /1993. وفي عام 1993، منح العدو الصهيوني جائزة "وولف لزويل"، وسلمها له الرئيس الاسرائيلي في ذلك الوقت عيزر وايزمان في حفل أقيم بالكنيسيت. ووايزمان هو ابن مؤسس الكيان الصهيوني الذي اغتصب فلسطين، وعيزر هو قائد سلاح الجو الإسرائيلي الذي قاد تدمير السلاح الجوي المصري في أعوام 56 و 67 الذي ذهب ضحيته الآلف من العسكريين المصريين.

الرئيس الاسرائيلى عزرا وايزمان يسلم زويل جائزة وولف الاسرائيلية عام 1993

تسلم زويل الجائزة بابتسامة تنم عن سعادته ولم يتذكر أن المؤسسة التي منحته الجائزة هي نفسها التي اغتالت عالم مصري مرموق من جامعة الإسكندرية التي تخرج منها وهو د. يحي المشد.

هل ساهم زويل بصفته مستشارا علميا في برنامج نوتيلاس Nautilus (كما أكد الراحل اللواء صلاح سليم)؟

يهدف هذا البرنامج إلي إسقاط صواريخ الكاتيوشا التي تستخدمها المقاومة اللبنانية والفلسطينية باستخدام الليزر الكيميائية، وبالتحديد الليزر المنبعث من الديوتيريوم فلورايد المثار كيميائيا. ويشرف علي البرنامج شركةTRW الواقعة بباسادينا مقر معهد كاليفورنيا التكنولوجي الذي يعمل به زويل.

ومن المدهش أن أحد الباحثين بمدينة زويل هو د.عمرو الزنط، كان يدرس بجامعة تكنيون، معهد اسرائيل للتكنولوجيا، وتخصص في موضوع تكوين وتطوير المجرات و هو أيضا عضو في جمعية السلام القاهرية. تحدث الزنط في خطاب منشور علي Haaretz.com في أكتوبر 2003عن الجوانب الايجابية لهيرتزل مؤسس الصهيونية السياسية، وهي الحداثة والكوزموبوليتانية (العالمية) والانسانية، نعم قال الانسانية!!!!

لماذا التربص بجامعة النيل بالذات؟

ما هي أولويات البحث العلمي في هذه الجامعة؟

جامعة النيل جامعة بحثية غير هادفة للربح تاسست عام 2003 كجزء من خطة قومية لوزارة الاتصالات تشمل خريجين متفوقين من جامعات مصرية ومن مواضيع البحث: الطاقة البديلة، وتطوير برامج الكمبيوتر عربيا، ومصادر المياه العذبة وتحلية مياه البحر، ودراسات شبكية العين للمصابين بمرض السكر، وتطوير المحتوي العربي للإنترنت، تصوير ودراسة عضلة القلب وسمكها، وكفاءة ضخ الدم باستخدام الرنين المغناطيسي، وفك الشفرة الجينية للجاموس المصري بهدف زيادة انتاج اللحوم والألبان. وتشمل النشاطات العلمية لجامعة النيل تعاون مشترك مع جامعات أوروبية وأمريكية. نترك للقاريء تقييم ما إذا كانت هذه المواضيع ذات اهتمامات مصرية أم لا. لست في وضع يمكنني من تقييم جامعة النيل حيث أن مهمة التقييم العلمي تقع علي عاتق لجنة متخصصة تطلع علي انتاج الجامعة من بحوث علمية ومكان نشرها ومستوي خريجيها والعديد من المعايير الأخري. ولكني أستطيع أن أؤكد أن هذه الأولويات تعكس إهتمامات وطنية. والسؤال المهم لماذا التربص بجامعة النيل؟ القضية هنا ليست مفاضلة بين مشروع النيل وزويل. فأنا أعترض بشدة علي منهج "زيادة الخير خيرين" وأن كلاهما مفيد. القضية المحورية هي ما إذا كان مشروع زويل ضار بالمصلحة المصرية، وإذا كان يهدد المصالح القومية، ومن ثم لا بد من مواجهته والتصدي له ؟ كيف نسمح لمؤسسة تشكلت بالطريقة التي تمت وبقيادة زويل المرتبط بعلاقة رسمية مع الولايات المتحدة الأمريكية، ناهيك عن علاقاته بالكيان الصهيوني بأن تقوم بتقييم مشاريعنا القومية الاقتصادية؟

وأخيرا ما هو واجب العلميين المصريين؟

الواجب الأول هو معرفة الحقائق جيدا قبل تكوين رأي، والثاني هو معارضة مشروع زويل عندما تتولد قناعة بخطورته، والثالث هو محاسبة المسئولين قانونيا وإعلاميا علي قراراتهم غير المسئولة حتي لا تتكرر المأساة، والرابع هو تشكيل هيئة مستقلة من العلميين تتناول مثل هذه القضايا، وتعطي ملامح لمشروع وطني لتقدم العلم والضغط لتنفيذه، والخامس هو تقييم ممنهج وعلمي لمشاريع قائمة. أما واجب العلميين الملح الآن، هو إنقاذ جامعة النيل واسترجاع حقوقها كاملة.

 

 

ملحق

ويكيليكس تنشر خطاب من السفارة الأمريكية بالقاهرة حول زيارة زويل عام 2010

بعد إتمام الدراسة توفر لدينا عبر إحدي الشخصيات الأكاديمية والوطنية محتوي خطاب رسمي مصدره السفارة الأمريكية بالقاهرة، والذي نشر بجريدة التلغراف البريطانية، وموضوع الخطاب هو زيارة زويل للقاهرة بصفته مبعوثا رسميا من قبل الرئيس أوباما للشئون العلمية في إطار مشروع "الدبلوماسية العلمية" الموجه للعالم الإسلامي.عنوان الخطاب هو: "المبعوث العلمي زويل ينهي زيارة أولي ناجحة للقاهرة"

"SCIENCE ENVOY ZEWAIL CONCLUDES SUCCESSFUL FIRST VISIT TO CAIRO

"REF ID : CAIRO 84 Date Jan 18 2010

Origin : Embassy Cairo

Passed to the telegraph by WikiLeaks

الخطاب بتاريخ 18 يناير 2010 وصادر من سكوبي السفيرة السابقة الأمريكية بالقاهرة.

أرسل الخطاب من الويكيليكس للتلغراف البريطانية في 15 فبراير 2011.

يلخص الخطاب نشاطات زويل كمبعوث علمي لدي أوباما أثناء زيارته ويشير إلي لقاءاته بالمسئولين المصريين من وزراء ورجال أعمال، وللمجلس الأعلي للعلوم والتكنولوجيا ومقابلته لرئيس الوزراء آنذاك د. أحمد نظيف والذي تعهد بتكوين مجموعة عمل في الشأن العلمي للمساهمة مستقبلا في الشراكة المقترحة. وقد أوجز زويل لنظيف هدف برنامج أوباما وأكد علي الرغبة في تحديد فرص الشراكة في مجال العلوم والتكنولوجيا... ورحب نظيف بتعيين زويل مبعوثا و"كيف أن برامج العلم والتكنولوجيا يمكن أن تخدم الدبلوماسية والتنمية" ونوه "لإشراك دول الغالبية المسلمة مثل مصر ودول الشرق الأوسط" وفي النهاية أكد الخطاب علي شعبية زويل. اختتم الخطاب بإسم السفيرة سكوبي.

وتعليقنا علي الخطاب يقودنا إلي طرح التساؤلات التالية: أليس هذا نموذجا لاستخدام الشأن العلمي والحاصلين علي جوائز نوبل لتمرير مشاريع الهيمنة؟ ألا يذكرنا هذا بمحاولة نابليون استخدام العلم للإبهار ولقبول الاستعمار الفرنسي؟ ألا يوضح الخطاب دور زويل للدفع بأجندة الإدارة الأمريكية وتوطيد علاقة أمريكا بنظام الرئيس السابق مبارك الذي استلم منه زويل قلادة النيل والذي تحول بعد ذلك فجأة كداعم لثوار ميدان التحرير،

تماماً كما فعل العديد من المسئولين الأمريكيين منهم هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية فهل ينخدع المصريون من هذا التحول الظاهري والمفاجيء؟ أشك كثيراً!!

القوة الذكية والدبلوماسية العلمية والكونجرس

يتنامي الاهتمام بأشكال"القوة الناعمة" لفرض الهيمنة ومن هذه الأشكال استخدام"الدبلوماسية العلمية " وتحت هذا العنوان عدد عضو الكونجرس برايان بيرد(ولاية واشنطون) مزايا الشراكة العلمية لأمريكا وذلك عندما قدم للكونجرس مشروع التعاون الدولي في مجال العلم والتكنولوجيا رقم 1736 بهدف تنسيق نشاطات "الدبلوماسية العلمية".

وصاحب هذا التوجه تعيين مبعوثين علميين لمصلحة أمريكا Science Envoys on behalf of the USA منهم زويل وقد امتدحت وزيرة الخارجية الأمريكية تعيين هؤلاء المبعوثين كجزء من "القوة الذكية"،"Smart Power" علي حد قولها،لأن هذا سيتيح "استغلال قوة الولايات التحدة في العلم والبحث الذي سيؤدي إلي تقوية المشاركة من خلال المشاركة العلمية". وقد أشار أوباما في خطابه بجامعة القاهرة لموضوع الدبلوماسية العلمية وأهمية التعاون العلمي "للإمتداد الأمريكي في العالم الإسلامي".

وتحت عنوان "الدبلوماسية العلمية والكونجرس" كتب راس كارناهان Russ Carnahan عضو لجنة العلاقات الخارجية بالكونجرس الامريكي والعضو السابق في لجنة العلوم بالكونجرس .. "في عصر النزوع للشك تجاه السياسة الخارجية الامريكية فإن المجتمع المدني بما في ذلك العلماء والمهندسين يلعبون دورا حرجا في دعم أولويات السياسة الخارجية الامريكية من خلال المشاركة مع نظارائهم" "In an era of international skepticism about US foreign policy abounds, civil society –including scientists and engineers-plays a critical role in reinforcing US foreign policy priorities via engagement with its counterparts abroad".

تحدث كارناهان عن" ضرورة التنسيق بين المؤسسات الامريكية المختلفة حتي نستخلص الحد الاقصي من الفوائد من هذا التعاون وبطريقة ذات كفاءة عالية وعائد كبير لدولارات دافعي الضرائب. .....إن هذه الاستراتيجية ستقوي مؤسسة العلم والتكنولوجيا الامريكية وتحسن الامن الاقتصادي والقومي وستدعم أهداف السياسة الخارجية الامريكية..."

"لقد قدمت قانون " برنامج العلم العولمي من اجل الأمن والتنافس والدبلوماسية" "Global Science Program for Security,Copmetitiveness ,and Diplomacy Act"

كما أكد أن "هذه البرامج تخدم مجتمعاتنا وتساهم في تحقيق الأهداف العلمية والدبلوماسية للولايات المتحدة".و قد غلف كارناهان برامج الدبلوماسية العلمية التي تخدم برامج الامبراطورية الأمريكية أمريكا بنفس الشعارات المعهودة عن الرغبة في مساعدة الدول النامية وخدمة الإنسانية!!

بين الأمس واليوم

وقد ذكرني هذا الأسلوب بنظيره المتبع لتبرير ما يسمي بالتطبيع مع الكيان الصهيوني في مجال العلم والذي كتبت عنه دراسة موثقة نشرت في مجلة المواجهة عام 1986 والتي صدرت عن لجنة الدفاع عن الثقافة القومية. أشرت في هذه الدراسة تحت عنوان "العلم كأداة لتحقيق أهداف سياسية" مجموعة من الخطابات الرسمية الأمريكية المتبادلة حول هذا الموضوع عامي 1977 و1978.

جاء في خطاب مرسل من عضو بالكونجرس إلي سايراس فانس وزير الخارجية آنذاك يقول فيه" إنني أتفق مغ آثرتون ..والذي أكد فيه أنه يجب ألا نفقد الحركة التي انبعث بزيارة السادات.. هناك أفكارا تناقش في وزارة الصحة والتعليم HEW لتبني الولايات المتحدة لفكرة جلب العلميين من مصر وإسرائيل معاً ومعنا لعمل مشترك.. إني أعتقد أن اتصالات بين العلميين يمكن أن تدفع بعملية السلام في الشرق الأوسط خصوصا إذا كانت هذه الاتصالاات تخدم الأهداف المباشرة في مجالات الصحة والزراعة والطاقة..."

وخطاب آخر من لاجلاس بنيت عضو الكونجرس يذكر فيه .. ان نقاشات تهدف إلي "إقامة علاقات متعددة الأطراف في مجال العلوم والصحة والتكنولوجيا" وذلك قبل زيارة السادات للقدس.

وخطاب ثالث من واكسمان بالكونجرس الأمريكي أيد فيه اقتراح إهرمان المسئول بوزارة الصحة والتعليم الأمريكية الذي ينادي " ببلورة برنامج - العمل من أجل السلام - حتي يتكامل مع سياساتنا الخارجية" كما حدد المشاريع والأولويات التي ستعود بالنفع علي مصر وإسرائيل في مجال ترشيد استهلاك المياه العذبة، تحلية المياه، هندسة الري، زراعة الأراضي القاحلة ، الطاقة الشمسية..

" نلاحظ تغليف الأهداف السياسية بمشاريع علمية تحقق الرخاء والسلام والتنمية !! نلاحظ أيضا تشابك السياسة والعلم مما يضحض تماما أكذوبة أنه لا علاقة بيهما كما كان يذكر كثيرا زويل عبر السنوات الماضية.

أشارت دراستنا في المواجهة أيضا إلي دراسة لكولن نورمان منشورة في مجلة العلم تحت عنوان "التعاون العلمي في الشرق الأوسط" وإني أعتبر هذه الدراسة جيدة للتعرف علي طبيعة البحوث المشتركة وأهدافها ومنها دور هيئة المعونة الأمريكية في تمويل هذه المشاريع.

 

د. محمد أشرف البيومي : أستاذ الكيمياء الفيزيائية بجامعة الإسكندرية وجامعة ولاية ميتشيجان سابقاً

 

 

 

C.A. DROITS HUMAINS

5 Rue Gambetta - 92240 Malakoff – France

Phone: (33-1) 40921588  * Fax: (33-1) 46541913

E. mail achr@noos.fr   achr.eu achr.eu

 

 

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي اللجنة العربية لحقوق الإنسان , إنما تعبر عن رأي أصحابها

الصفحة الرئيسة