french

English

 

دليل المواقع

برامج وأنشطة

أخبار

الأرشيف

طلب مساعدة

عن اللجنة

الصفحة الرئيسية

Arab Commission for Human Rights
5, rue Gambetta
92240-Malakoff- France
Tel 0033140921588 Fax 0033146541913

e. mail achr@noos.fr
 

فيوليت داغر (رئيسة اللجنة العربية لحقوق الإنسان) لـ «التونسية»: أجندات أجنبيّة حوّلت وجهة الربيع العربي... أخشى

على تونس من تسييس الدين وتديين السياسة - أجرى المقابلة اسماء وهاجر

 

2013-12-25

اللجنة العربية لحقوق الإنسان

 

 

 

بعد الثورة شهدت تونس تصفية حسابات سياسية وأمنية

 القنّاصة خدموا طرفا حاول إغراق البلاد في الفوضى

 


الدكتورة فيوليت داغر حائزة   على دكتوراه في علم النفس الاجتماعي وديبلوم دراسات عليا مختصة في علم النفس السريري والباتولوجي من جامعة باريس الخامسة, وهي رئيسة اللجنة العربية لحقوق الإنسان التي كانت من بين أعضائها المؤسسين، وشاركت في عدة مهمات رقابية للانتخابات والقضاء وتحقيقات في أوضاع حقوق الإنسان بعديد البلدان العربية.

لها الكثير من المحاضرات والمؤلفات ـ الشخصية والجماعية ـ من بينها: «سلامة النفس والجسد، التعذيب في العالم العربي» بالاشتراك مع الدكتور هيثم مناع والدكتور محمد منصف المرزوقي ... «التونسية» التقتها على خلفية فتحها لملفات محاكمات أمنيين ومسؤولين في العهد السابق والتي قالت إنها تحتوي على خروقات قانونية فادحة تجعل أدلة الإدانة واهية مرجحة أن هذه المحاكمات سياسية بامتياز وأنها ناجمة عن  قضاء غير مستقل لم يتعاف بعد شأنه شأن بلدان العالم العربي بما فيها بلدان الثورات. كما تطرقت «التونسية» مع الدكتور داغر الى ملف  القناصة وقانون العدالة الانتقالية

كحقوقية اطلعت عن كثب على وضعية أمنيين ومسؤولين سابقين في نظام بن علي، ما هي انطباعاتك حول ملفات محاكماتهم؟

ـ لقد زرت بالفعل أمنيين ووزراء سابقين في نظام بن علي في سجن المرناقية واستمعت برفقة الزميل زهير مخلوف لما أدلوا به من تصريحات وقابلت أفراداً من عائلات بعضهم واستمعت لمرافعات محاميي الدفاع في بعض الجلسات وكان لي أن أستنتج أن الجانب السياسي حاضر بقوة في ملفاتهم. لقد خضع هؤلاء لتحقيقات مرتبكة ومحاكمات صورية وصدرت أحكام قاسية على من اتهم منهم بالمشاركة في اعمال قتل, فيما ثبت إثر تشريح جثث لبعض من توفوا أن سبب الوفاة شظايا وعيارات نارية لسلاح لا يستعمله الأمن الوطني (7.62) وأن همّ القيادات الأمنية كان خلال الأحداث  تهدئة الأوضاع.
 
كذلك اطلعت على ملفات وزراء وموظفين كبار آخرين، ويمكن القول أيضاً أنه نسبت لهم مسؤوليات وتهم تفتقر لما يؤكدها

هؤلاء عملوا في ظل نظام أو بالأحرى رئيس دولة طبعت فترة حكمه بالدكتاتورية لكن ما يعنيني كمدافعة عن حقوق الإنسان هو الملفات والقضايا التي أودعوا بموجبها السجن والتي لا تحمل أدلة على تورطهم بالتهم التي نسبت لهم وحيث يفترض بموجبها أن يطلق سراحهم لو قام القضاء بعمله بشكل نزيه. كذلك يعنيني ألّا يبقى المجرمون الحقيقيون والمسؤولون عن أعمال القتل كما الفساد دون متابعة وعقاب، وأن يجري إنصاف الضحايا وشهداء الثورة المعنيين الأساسيين بهذا الموضوع والذين يحق لهم ولذويهم معرفة الحقيقة كاملة.

هناك بالتأكيد تصفية حسابات جرت بين أطراف سياسية وأمنية متنفذة، علماً أنه في القانون التونسي، لا يتحمل القيادي مسؤولية ما يرتكبه المرؤوس من مخالفة، على عكس القانون الدولي الذي يطبق مسؤولية القيادة العليا، لكن بتوفر شروط، منها خضوع المرؤوس خضوعا مباشرا لإمرة القيادي وتلقي أوامره وعلم هذا الأخير بالجريمة والفشل في منعها.

 
لماذا تأخر نسبيا اهتمام الحقوقيين بهذا الملف ؟هل يكون مرد ذلك التشويه الإعلامي الذي وقع؟ وهل أثّر ضغط الشارع في المحاكمات ولو بصفة غير مباشرة؟

ـ بداية، التحية لكل من انكب على هذا الملف في وضع لم يكن من السهل تناوله بالنظر لعملية الشيطنة التي وقعت على الأشخاص وتشويه الصورة لتقديم أخرى تبرز بعض المسؤولين الأمنيين والسياسيين كأبطال على حساب آخرين لكن عموماً، وإلى أن يتنبه الحقوقيون لهذه القضايا يمر وقت، بعد أن يكون الرأي العام قد استفاق نوعاً ما من عملية التطويع والتأثير على وجدانه بالحملات الإعلامية وغيرها من أساليب يراد منها شيطنة بشر بعينهم والزج بهم ككبش فداء. أي عندما تستند الرؤية لما هو عاطفي وغرائزي بدلاً من العقلاني والمنطقي، يسهل التلاعب بعقول البشر وأخذهم لما يراد لهم أن يروه وليس ما يفترض أن يكون ويحاكم بالأدلة والبراهين التي لا تقبل الطعن في مصداقيتها, والمصالح المختلفة للفرقاء المتعددين تدخل على الخط  لتشكل أداة ضغط على اللاعبين بحيث يكون مآل الأمر ما وصل له اليوم بعد سنوات من المماطلة والضحك على الذقون والاختباء وراء إجراءات يقال عنها قانونية لتنويم الناس وأهالي الضحايا بدل البحث عن الحقيقة وإبرازها مهما كانت موجعة.

حتى الساعة ورغم معرفة البعض بالحقيقة النسبية واستشعار الظلم الواقع، فهناك من لا يجرؤ على التحدث في هذا الملف لحسابات ضيقة مصلحية وانتخابية وسياسوية, من ناحية أخرى لا بد من التذكير بأن هذه القضية لا تسترعي اهتمام الكثيرين إزاء الأحداث المتتالية، خاصة منهم الاعلاميين الذين لا يُقبلون على فتح النقاش حول هذا الموضوع بسهولة, من المؤسف ألّا تتابع الجمعيات الحقوقية في تونس ملفا كهذا في مثل هذه الحقبة المصيرية من عمر الثورة ومؤسف أيضاً ألّا يضع الحقوقيون هذه القضايا في إطار المحاكمات السياسية المعمول بها في بلدان شهدت انتقالاً ديمقراطياً. عتبي عليهم أن يتجاهلوا أن ظلماً كهذا لا يؤسس لعدالة انتقالية، بل يؤدي لمزيد من الحقد والاحتقان بين البشر والمزيد من هدر الطاقات البشرية والإمكانات المعرفية التي كان يمكن أن توظف لخدمة بلدها.

 
حاولت البحث عما حصل خلال ثورة جانفي، فهل زاد ذلك من قناعتك ببراءة بعض المدانين وبأن المسؤولية في مكان آخر؟

ـ لقد أثبتت التحقيقات والأبحاث أنه لم يسقط أي قتيل بالرصاص من تاريخ 17 ديسمبر حتى 7 جانفي رغم المظاهرات والاعتداءات على المباني العمومية والخاصة وعلى مقرات البوليس وإضرام النار فيها، في حين أن فيديوهات خرجت على النات تظهر شهادات حول عمليات قتل. لقد وردت أخبار تتحدث عن عناصر مندسة بين المتظاهرين تطلق النار على المواطنين لحثهم على العصيان وإسقاط النظام. وكانت مجموعة أشخاص قد أوقفت جلهم يحملون ورقة من فئة 50 دينارا، جرى إطلاق سراحهم دون التحقيق معهم، ليتوفى في اليوم التالي مدير البوليس الجنائي في مكتبه ويقال إنه مات منتحراً، في حين ترفض عائلته هذه الأطروحة. لا بد من التذكير هنا بدور الإعلام الغربي والعربي السلبي وليس فقط المحلي في بث إشاعات ومعلومات مغلوطة لإشعال النار.

 
من المهم الانتباه لأحد أحكام المحكمة الابتدائية العسكرية في الكاف التي أعلنت بعد الاستماع للمرافعات بأنه «لدى المحكمة قناعة أن قوات الأمن الداخلي عملت في إطار قانون 69 وأن المظاهرات التي هي أصلاً سلمية في بداياتها شهدت دخول عناصر بين صفوفها حرضت على الخروج من إطار السلمية بإشعال حرائق وإحداث عمليات سطو ونهب لأملاك عامة وخاصة، الأمر الذي حضّ بعض العناصر في قوى الأمن للخروج عن إطار القانون بوازع شخصي وبشكل فردي لإطلاق النار على المتظاهرين».

 
معضلة القناصة لغز متواصل والجنرال السرياطي قال في حوار اجريناه معه أن خلايا ارهابية قائمة وراء الاحداث؟

ـ أعتقد أن هناك فرقا بين الحديث عن قناصة وعن خلايا إرهابية نائمة. كون الخلايا الإرهابية التي برز وجودها خلال هذه السنوات الممتدة من عمر الثورة لا تفترض بالضرورة وجود قناصة يعملون في غفلة من الأمن التونسي دون استطاعة كشفهم, لقد ورد الحديث عن القناصة خلال أحداث ثورة جانفي وبعد وفاة أناس لم يعرف من قتلهم، خاصة انه اتضح بعد تشريح جثثهم انهم ماتوا بسلاح لا يستعمله أعوان الأمن (7,62). كذلك هناك من توفى ليلاً رغم منع التجوال، حيث شوهدت سيارات تتحرك وتزود بقنابل مولوتوف وتطلب من الأمنيين تسليم سلاحهم والعودة إلى بيوتهم، علاوة على تشويش شبكة الاتصال الأمنية. فكيف في وضع كهذا من تهديدات بالعنف وهجوم على المقرات الأمنية وإضرام النار في بعضها لا ينتظر أن يكون هناك من أطلق النار للدفاع عن نفسه ولم يكن ذلك بالضرورة بإيعاز مباشر من المسؤولين؟ علماً أن القانون يجيز اللجوء إلى السلاح في حالة الدفاع عن النفس وبعد استنفاد الوسائل الأخرى بالتدرج لمن لم يمتثلوا، أي إطلاق النار في الهواء وعلى الأرجل بعد اللجوء لخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع، الخ.

كانت الإشاعات تزداد ونداءات الاستغاثة من وجود قناصة، خاصة في 17 جانفي، تنشر الذعر بين البشر وقد بان بمرور الوقت أن هناك طرفاً ثالثاً استغل الوضع لينشر الفوضى ويخلخل الوضع الأمني للبلاد، منه من قدم من الخارج. ففي إطلاق الإشاعات وعدم ضبط مسألة الطوارئ والتباين بين ادوار الجيش والأمن سقط ضحايا منهم مدنيون ومنهم أمنيون

هرب بن علي القائد ورئيس الدولة الأمنية وبقي أمنيون وإداريون يدفعون الثمن، هل ترون ان هناك اطارا آخر يحاسبون ضمنه؟ وماذا عن العدالة الانتقالية؟

ـ لو كانت المحاكمات قد جرت بنزاهة وبلا حسابات سياسية لما كان هؤلاء في المعتقل حتى اليوم كما نعتبر أن إحالة البعض على العدالة الجنائية والبعض الآخر على العدالة الانتقالية فيه حيف وظلم ومن التقيت بهم لا يعتقدون بأن هذا القانون سينصفهم.

العدالة  الانتقالية تقتضي معرفة الحقيقة والكشف عن الجناة والمسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة وإرساء ثقافة مناهضة للاعقاب وإصلاح الأضرار وتشريك الضحايا في المحاسبة لطي صفحة الماضي. كذلك القيام بإصلاحات مؤسساتية وإيجاد الضمانات لعدم تكرار الانتهاكات، للوصول إلى مصالحة وطنية في نهاية المطاف ,لكن بعد أن يتبين للجميع الفاعلون الحقيقيون والمتسببون الأصليون في الجرائم. أهالي الشهداء والضحايا ينتظرون إجابات شافية، ومنهم من لا يثق بما قدم لهم من تبريرات. كما أنهم لا يقبلون ظلم آخرين، في حين أن الفاعلين الحقيقيين يسرحون ويمرحون, وهذا يتطلب تحلي كافة الأطراف بالشجاعة الكافية لإظهار الحقيقية كاملة.

 
يبقى أن هذه الخطوة هامة بالنسبة لتونس وللمجتمع المدني الذي عمل بجد للاتفاق على صيغة ترضي كافة الأطراف المشاركة في النقاشات حول أفضل نهج للتعامل مع تركة بن علي واللجنة الفنية التي أشرفت على المشاورات وصياغة قانون العدالة الانتقالية قبل رفعه للمجلس الوطني التأسيسي والمؤلفة من 12 عضوا (10 من منظمات المجتمع المدني العاملة في مجال العدالة الانتقالية؛ 2 من وزارة حقوق الإنسان والعدالة الإنتقالية)، ساعدت في دمج رؤى الضحايا وتوقعاتهم حول النموذج التونسي للعدالة الانتقالية, لقد وضع هذا القانون نهجاً شاملاً لمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت في الماضي، وقام بإنشاء لجنة الحقيقة والكرامة لمعالجة التعويضات والمحاسبة والإصلاح المؤسساتي وتطهير الحكومة والأجهزة ومن ثم المصالحة الوطنية, كذلك أنشئ صندوق الكرامة والتأهيل لضحايا الطغيان. فسننتظر ونرى ما الذي سيحدث على أرض الواقع كون التركة كبيرة وليس من السهل تقديم إجابات شافية للجميع,وسيمر وقت قبل أن يبدأ التطبيق الفعلي لهذا القانون.

هل تعتبرين أن عدم استقلالية القضاء له تأثير على هذا النوع من المحاكمات؟

ـ هذا أمر مؤكد, لو كانت الاستقلالية والنزاهة موجودتين كما يتوجب في القضاء لما طالت المحاكمات بهذا المقدار لكن السلطات التنفيذية ما زالت تطغى على السلطة القضائية في عالمنا العربي بما فيه بلدان الثورات، والمشهد لم يسجل بعد نقلة نوعية في زمن كان من المنتظر أن يكون منعطفاً أساسياً في حياة الشعب التونسي والعربي عموماً. القضاء لم يتعاف بعد وهذا سيؤثر على مجمل مسار العدالة الانتقالية وعلى بناء الدولة المدنية الديمقراطية, نلاحظ أن إيكال الأمر للقضاء العسكري قد أضر بالعدالة الجنائية وبمسارات البحث والتدقيق وإصدار الأحكام وأن القوانين في تونس تطبق بمعيارين وشكلين حيث هناك فصل بين قضاء عسكري وقضاء عدلي وقد جرى تكييف القضاء العدلي بهذه القضية بفصل ما حصل قبل 14 جانفي عما جرى بعده، واعتبار الوفيات التي سقطت قبل قد تمت بفعل القتل العمد, أما من سقط بعد هذا التاريخ وكان أكثر بما يزيد عن حوالي أربع مرات فقد كان بوجه الخطأ, مما هو مؤسف فعلاً وفيه استخفاف لعقول البشر.

كيف نفهم أن يخرج علينا على سبيل المثال قاض أو محكمة تونسية بقرار عدم سماع الدعوى في حق أحد المتهمين أو يعتبر آخر شاهداً في قضية ما ويأتي قاض في محكمة أخرى ليدين المتهم نفسه بالسجن عدة سنوات بالاستناد إلى نفس المعطيات والحيثيات؟ كيف نفهم أيضاً أن يحكم على أحد بأنه شريك في ارتكاب الجرم، في حين أن الفاعل الأساسي بقي غير معروف؟ من الذي أطلق النار وقتل نفوساً بشرية بريئة، وكيف يمكن التثبت من العلاقة بين الفاعل والشريك؟ ثم لماذا يصدر الحكم جماعياً، في حين أنه حسب المبادئ الأساسية للقانون الجزائي التونسي المسؤولية الجنائية فردية؟ أين قرينة البراءة حيث أن الشك يجب أن يفسر لصالح المتهم، في حين أن ما حصل كان العكس؟ أين هي اعترافات الشهود التي يجب الرجوع لها لتثبيت التهمة؟ وأين مبدأ النزاهة في البحث عن الأدلة؟ أي قضاء هذا عندما ترتكز الأحكام على ظنون ولما يرمز له المتهمون في الوعي الجمعي وليس بناء على أدلة قاطعة؟ كيف يحكم على شخص بتهمة المشاركة في القتل في حين أنه كان قد أقيل من مهامه قبل سقوط الضحايا، بينما من كانوا على الميدان لم يتم استدعاؤهم وبقي الفاعل الأصلي مجهولاً؟ ولماذا لم يتم توفير تحاليل باليستية مفصلة وتقارير طب شرعي لكل حالات الوفيات؟ ولماذا يعطى الإذن بدفن الجثث دون تشريحها أو يتم رفض إخراج الجثث لتشريحها؟ ولماذا لم يتم تمكين محاميي الدفاع من حقوقهم بالاطلاع على ما طالبوا به من تسجيلات ومن قائمة المكالمات الهاتفية التي أجراها موكلوهم في فترة زمنية محددة؟  ولماذا لم يخلِ قاضي التحقيق سراح أحد الأمنيين بعد التثبت من براءته بل سلم ملفه لقاضي تحقيق عسكري ليبقيه بالإيقاف ويحكم عليه بالسجن سنوات؟ هل جعل هذا المتهم كبش فداء لإسكات المتظاهرين يريح ضمير هذا القاضي؟  لماذا لم تستدعَ الإطارات التي عملت مع هذا المتهم للشهادة؟
ذلك كله جزء من مشهد يلقي بظلال قاتمة على هذا القضاء، رغم أننا نعيش اليوم في زمن ما بعد الثورة.

 
بعد 3 سنوات من الثورة تحولت تونس الى منطقة عبور للارهاب، فهل اهتزت صورتها في العالم ؟

ـ أعتقد ذلك، خاصة أن متابعة ما يجري فيها مرتبط بسواها من حيث أنها كانت الرائدة في الانتفاض على الظلم وامتهان الكرامة، وبحيث يمكن أن تكون النموذج المحتذى لو جرت الرياح بما تشتهيه سفن الشعوب المقموعة والمقهورة. حدودها مع ليبيا التي عمل الناتو على تدميرها بحجة استئصال رأس نظامها تركت العنف والإجرام يتسرب منها لكل ناحية حيث أن مجتمعاً مدمراً على يد نظام شرس وأرعن لا بد أن يصبح مرتعاً للعنف وأن يصدّر ذلك للخارج ببيعه السلاح الوافر وتدريب المسلحين الذين أتى جزء منهم من الخارج ليكونوا البيدق في يد منحرفين يعملون لأجندات الإرهاب والتطرف ولتصفية حسابات وتنفيذ مخططات في بلدان أخرى مجاورة.

يجب ألّا يغيب عن ذهننا أيضاً أن المجموعات الإرهابية ليست بجديدة في تونس، فقد سجل تواجدها في مناسبات عديدة حيث عبرت الحدود في 1996 و2000 و2006 ثم مع بدء الأحداث ومنها ليلة 24/12/ 2010، عندما كانت عناصر مشبوهة تستغل حالة الفوضى حينها لتطلق النار على الناس وتقطع الطرق وتطلق سراح موقوفين وتهاجم مقرات الأمن وتعتدي على مئات المؤسسات الخاصة والعامة من بنوك ومصارف ومستشفيات ومحاكم وتسرق ملايين الدنانير من أموال وذهب وفضة.

 
تونس تعيش على وقع الربيع العربي هل هو ربيع حقيقي أم ربيع بمقاس أجندات أجنبية؟ وهل يمكن الحديث عن مكاسب تحققت أم شعارات في مهب الرياح؟

ـ نعم يمكن القول إنه ليس ربيع الشعوب التي أطلقته وحلمت به لتحقيق آمالها في العيش الكريم كسائر المجتمعات التي تعيش في دول تحترم حقوقها وتحافظ على كرامتها، بل بدأ ربيعاً لكن أجندات أجنبية وظّفته لتفويت فرصة التغيير الجدي وتحقيق مكاسب خاصة به,وذلك على حساب هذه الشعوب التي ما فتئت تعيش حقبة الاستعمار الذي رهن مصائرها وإراداتها وإن بأشكال مختلفة ومستحدثة، بما فيها شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان لتحقيق أغراض لا تمت للديمقراطية ولا لحقوق الإنسان بصلة. حرية التعبير النسبية برزت أكثر مما سبق، كما أشياء بسيطة من هذا القبيل يراد منها ذر الرماد في العيون, لكن أين هي هذه الحقوق التي يفترض أن تقر بها أنظمة عربية خلفت ثورات وانتفاضات وكان يمكن أن تحدث تغييرات مفصلية ونوعية لو لم تحرف عن مسارها؟ لو لم يتم امتطاؤها من قبل قوى الردة والظلامية الدينية وفلول الأنظمة السابقة والرجعية العربية والانتهازية الإقليمية والاستعمار السابق والامبريالية الغربية والصهيونية العالمية؟  

المشهد في تونس هو بالتأكيد أقل كارثية مقارنة بسواه، لكن ليس بالقدر الذي يجنب هذا الشعب محاذير الانزلاق لما دون الوضع الطبيعي المؤسس على تغييرات نوعية وتوازنات جديدة يطمئن لها المواطن. معلوم أن الآليات النفسية التي تتحكم في الناس هي نفسها في أي مكان من العالم، وليس هناك شعب على الأرض يمكن أن يكون شاذا عن القاعدة إلا بقدر ما توفره له الظروف الذاتية والموضوعية وأنظمة حكم ديمقراطية وحكام متمرسون وحكماء يأخذون به بعيداً عن المنزلقات الوعرة والاستدارات الخطرة. وإن كان هناك بعض المسائل التي تحققت خلال مسيرة الانتقال نحو الديمقراطية في تونس، فما زال الكثير أمام هذا الشعب لينجزه وكي يبقى النموذج المحتذى في تحقيق الانجازات وليس فقط إطلاق الثورات.

 
ما هي تمنياتك؟ وهل من رسالة تودين ايصالها للسياسيين في تونس؟

ـ لا أعرف إلى أي حد يهمهم الاستماع لي أو لغيري ممن له القدرة على تشخيص الداء وبلسمة جراحات هذا المجتمع الذي لم يتعافَ بعد من حقبة الدكتاتورية والتي لم ينكب بعد أحد على علاج مشاكلها المزمنة وربما المستعصية بالشكل المأمول.أخشى أن تكون عملية تسييس الدين وتديين السياسة جارية في العمق، في حين أن الواجهة ملهاة للناس والسياسيين لتمرير ما هو أشد خطورة على البلد في الخفاء أي العودة به خطوات للوراء بدل التقدم في مسار الانتقال الديمقراطي وباتجاه دولة مدنية ومرجعية مواطنية وليس على أساس الدين أو المعتقد.

أختم بالقول أن معركة التغيير، من وجهة نظر علم النفس التحليلي ولمن هم من أمثالي، تبدأ من الذات. حتى بالاستناد لما جاء في القرآن الكريم عندما قال (إنّ اللهَ لا يُغيِّرُ مَا بِقوْمٍ حتّى يُغيِّروا مَا بِأنفُسِهِم)، حين يكون منطلق البلاء من النزعات البشرية المرضية التي تقود للظلم الاقتصادي والسياسي وسفك الدماء واستعباد المستضعفين وتحويلهم إلى أدوات للإنتاج وطاقات مسخّرة للاستغلال. المهمة الملقاة على عاتق السياسيين المتحكمين في دفّة الحكم جسيمة، خاصة إثر حقبة كانت فيها عناصر التدمير كثيرة، عدا الآمال الكبيرة بالتغيير الحقيقي التي خلقتها شعارات الثورة, ومخطئ من غره المال أو الجاه وغفل عن الظلم وحوّل النزعات البشرية الشريرة إلى قوانين وإجراءات تتحكم في نشاط الإنسان الاقتصادي وحياته السياسية والاجتماعية, فالملك والسلطان يفنى وكل شيء إلى زوال إلا الأوطان التي يجب أن تفدى بالأرواح لتُترك للأبناء والأحفاد أفضل ممّا هي عليه, وهذا الغد الزاهر يرتكز على إنصاف المظلومين وطي صفحة الماضي في إطار مصالحة وطنية شاملة والعمل على البناء النوعي كي لا يعاد إنتاج نفس المنظومة الدكتاتورية السابقة بأياد أخرى.

 

 

C.A. DROITS HUMAINS

5 Rue Gambetta - 92240 Malakoff – France

Phone: (33-1) 40921588  * Fax: (33-1) 46541913

E. mail achr@noos.fr   achr.eu achr.eu

 

 

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي اللجنة العربية لحقوق الإنسان , إنما تعبر عن رأي أصحابها

الصفحة الرئيسة