french

English

 

دليل المواقع

برامج وأنشطة

أخبار

الأرشيف

طلب مساعدة

عن اللجنة

الصفحة الرئيسية

Arab Commission for Human Rights
5, rue Gambetta
92240-Malakoff- France
Tel 0033140921588 Fax 0033146541913

e. mail achr@noos.fr

International NGO in special Consultative Status with the Economic and Social Council of the United Nations


فيوليت داغر

مترتبات فوز ساركوزي في الانتخابات الفرنسية على الحريات والسلم الأهلي

2007-05-02

 
 

 

انتهت الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية الفرنسية مع فوز مرشحة الحزب الاشتراكي سيغولين رويال ومرشح اليمين نيكولا ساركوزي بالمقعدين الأولين وتقدمهما للدورة الثانية في 6 أيار/مايو المقبل بعد تصفية المرشحين العشرة خلال الجولة الأولى. سيشارك في الانتخابات 40 مليون فرنسي من أصل 60 مليونا، بين كاثوليك 82% ومسلمين 5%، أي ستة ملايين، خمسة منهم عربا مهاجرين في غالبيتهم من المغرب العربي ونصفهم يحق لهم التصويت، أما اليهود فيبلغ عددهم 700 ألف أي 1%.

يدلل استطلاع رأي ليومية لاكروا أجرته في اليوم التالي لانتخابات الدورة الأولى على شعور الديمقراطيين كما المهاجرين وبخاصة العرب والمسلمين في فرنسا بخطورة المرحلة. المؤشر ليس فقط ارتفاع نسبة المقترعين في صفوفهم وبالخصوص الشبيبة، وإنما تصويتهم الكثيف للمرشحة الاشتراكية رويال، أي%64. مقابل1% لساركوزي، في حين حصل مرشح الوسط على نسبة %19 من هذه الأصوات. هذه الأرقام خرجت على هذا الشكل بغض النظر عن درجة ممارستهم لشعائر دينهم أو عدمه، وربما ليس تبنيا لبرنامج رويال في جميع الحالات بقدر ما هو لسد المنافذ أمام مرشح اليمين.

رغم تقليص الفارق بينهما، استطلاعا جديدا للرأي ما زال يعطي مرشح اليمين الحظ الأوفر في الفوز في الدورة الثانية أي 51% لساركوزي، مقابل 49% لرويال. لكن ما زال كل شيء قابل الحصول حتى اللحظة الأخيرة. فثمة كتلة كبيرة من الأصوات لا يمكن التكهن بكيفية توزعها بين الطرفين، خاصة تلك التي صوتت لمرشح الوسط فرانسوا بايرو الذي أعلن أن من انتخبه حر باختيار من يشاء.

بكل الأحوال، لا يمكن للاستطلاعات هذه أن تشكل صورة أمينة لما سيجري في الانتخابات، وما زالت الضبابية تغطي المشهد. لنتذكر أنه في الانتخابات السابقة لم تتوقع هذه الاستطلاعات صعود مرشح اليمين المتطرف جان ماري لوبان للدورة الأولى على حساب المرشح الاشتراكي. فهي لم تكن كافية الحساسية لتتلمس على الأقل أن نبض جزء لا بأس به من الناخبين كان يتجه للاقتصاص من ليونيل جوسبان بعيد تصريحاته عن الفلسطينيين والمقاومة اللبنانية، بمن فيهم من يصوت عادة للاشتراكيين (دون أن يفسر هذا بالضرورة تراجعه المهم). والواضح أن حذر المرشحين عالٍ هذه المرة من اتخاذ مواقف واضحة من بعض الملفات التي تتعلق بالسياسة الخارجية.

 أرقام توزع المسلمين هذه قد تبدو للبعض مفاجئة لو علمنا كيف عمل المرشحين الآخرين على استمالة أشخاص من اصول عربية للترويج لبرامجهم واستثمار تأييدهم لهم. والهدف الأولي من وراء ذلك إظهار انفتاحهم على العرب، في الحين الذي يعلم المتابع أن تواجد هؤلاء الممثلين كان ضئيلا، بما لا يشكل قوة ضغط حقيقية تساهم بأخذ مطالب من يمثلون بعين الاعتبار. ذلك على الرغم من قوة تأثير الأصوات المسلمة في تقدم مرشح على آخر.

بالمقابل، أبان استطلاع للرأي أجري قبل الدورة الأولى للانتخابات أن 60% من الذين يصوتون لليسار يعتبرون أن الهجرة هي مكسب لفرنسا مقابل 37% من الذين يفكرون بالطريقة نفسها ويصوتون لليمين. كما أظهر تحليل نوعي للأجوبة أن الأقل عمرا هم الأكثر تفهما للمهاجرين، في حين أن المتقدمين في العمر هم أكثر يمينية أو بالأحرى معارضة للهجرة. مع ذلك يبقى أن السياسيين هم من يسنوا القوانين ويفرضوا قراءتهم للأمور ويقرروا مصالح البلاد والعباد.

يجدر الإشارة هنا للدور الذي يمارسه المال السياسي في توظيف الإعلام لحماية مصالحه، وبالتالي التأثير على آراء الناخبين وعلى توجيه مسار الانتخابات حتى في الديمقراطيات. لقد شكا الكثيرون من التواجد المكثف لساركوزي في الإعلام وتقديمه على من عداه، بما يضرب في الصميم احترام المعايير الموضوعية أو الالتزامات القانونية لهذه الوسائل. ذلك خاصة مع الاهتمام الكبير للجيران الأوروبيين بما يجري في فرنسا من حيث تأثيره على أوضاعهم الخاصة والمشتركة بالنظر لاختلاف خيارات المرشحين المتنازعين. ولا ننسى دخول أطراف خارجية أساسية في حلبة الانتخابات وتأثيرها الذي لا جدال فيه عليها، من مثل الإدارة الأمريكية وإسرائيل التي تدفعان بمرشح اليمين الذي يعد مرشحهما بامتياز. حتى أن حكومة السنيورة في لبنان لم تتورع عن الدعوة لمساندته والتبرع لحملته، التزاما منها في الأغلب بسياسة الوفاء للرئيس المنتهية ولايته جاك شيراك بفعل صداقته المعروفة لرئيس الوزراء اللبناني الذي اغتيل رفيق الحريري (والذي تعامل مع الملف اللبناني "بشخصانية ودون عمق" على حد قول رولان دوما وزير خارجية فرنسا الأسبق والذي يشاع أنه سيسكن في منزل يملكه الحريري بعد خروجه من الاليزيه)، ولو أن الخلافات بين الشخصين (شيراك وساركوزي) كانت كبيرة رغم انتمائهما لحزب واحد.

لن أدخل هنا في تحليل البرامج الانتخابية للمرشحين لضيق المجال المتاح، مشيرة إلى أن الحملة الحالية كانت حملة أشخاص أكثر منها برامج انتخابية، لعبت فيها العواطف والصورة دورا أكبر من الأفكار. مما حدا ببعض المحللين للقول بأن شخصية الرئيس الرمزية فقدت عهدها. عهد جاك شيراك مهد لهذا الأمر بشكل كبير خاصة عبر سياساته في الشرق الأوسط التي كثيرا ما غلبت فيها العواطف على المواقف المبدئية وغابت ترجمة الأقوال بالأفعال. ذلك خلافا لدورة 1981 وما سبقها والتي وضعت في مبارزة حقيقية مشروعين سياسيين مختلفين.

 من الواضح أنه في الحملة الحالية تغلبت الأنا على النحن وبرزت بقوة مع تسليط الأضواء على الحياة الشخصية للمرشحين وعلى القيم التي يحملوها، واضعين في الخلفية البرامج الانتخابية والأفكار السياسية والأطروحات الإيديولوجية. الأمر الذي سيكون له كبير تأثير على قرار عدد هام من الناخبين. ليس فقط المترددين منهم حتى اللحظة الأخيرة، وإنما أيضا جزء من الذين اتخذوا قرارهم باختيار مرشحهم منذ البداية وأحيانا بتعارض مع توجهاتهم السياسية الأصلية. فالكل بات يلمس ضيق المسافة التي تفصل اليمين عن اليسار منذ وصول فرانسوا ميتران في 1981 للرئاسة. وهذا ما شعر به المرشح بايرو وحاول العزف على أوتاره، مسببا آلام رأس للمرشحين الفائزين.

الإحصاءات تشير إلى أن عدد المسجلين الجدد ارتفع بحدود 3.3 مليون ناخب جديد نسبة ل2002. بالتأكيد هناك نمو ديموغرافي في فرنسا (يعود الفضل فيه بنسبة كبيرة للمهاجرين والفرنسيين من أصول أجنبية)، علاوة على ازدياد الاهتمام لديهم بالسياسة وتأثيرهم في مجرى الأمور بما يخص حاضرهم ومستقبلهم. وحيث أن الشبيبة غالبا ما تصوت بالقسم الأكبر منها لليسار، فقد تسجل على اللوائح الانتخابية خلال الأشهر الأخيرة للسنة الفائتة 1.8 مليون ناخب جديد تتراوح أعمار غالبيتهم بين 18 و30 سنة. ويلاحظ في الآونة الأخيرة خصوصا تكاثر الصفحات على الانترنت التي تتوعد لساركوزي بأنها لن تدعه يمر وستصوت لأي كان عداه كي لا يصبح الرئيس المقبل لفرنسا. فهي تخاف من شخص يعمل لمصالحه الشخصية أكثر منه للجمهورية وللصالح العام. كما وتخشى استعماله الماهر للماكينة الإعلامية الذي قد يكفل له ربح الجولة الثانية من دون أن تكون الأغلبية مؤيدة بالضرورة لأطروحاته. وهذه الشرائح تؤكد على أهمية رمزية وجود امرأة بقيادة فرنسا. هذا البلد الذي تاجر كثيرا بمقولات المساواة والعدالة وحان الوقت له ليترجم فعليا أطروحاته في عدم الميز بين الجنسين من خلال إيصال امرأة لسدة الحكم. 

أتوقف عند بعض المؤشرات التي تدعو للتأمل في نتائج عملية اقتراع تجري في بلد ديمقراطي، لافتة الأنظار لحساسية هذه المسألة التي قد تفضي لوصول مرشح اليمين لسدة الرئاسة الفرنسية. وسأستعرض للقارئ العربي بعضا من مواقفه وتصرفاته وتصريحاته والإجراءات التي اتخذها عندما زاول خلال سنوات مهامه كوزير للداخلية. حيث لا يمكن لمواطن يحمل الجنسية الفرنسية ومدافع ملتزم عن حقوق الإنسان الوقوف على الحياد في معركة لا تقرر مصير فرنسا للسنوات القادمة وحسب، وإنما تؤثر أيضا على مستقبل أوروبا والشرق الأوسط.

فرنسا ستعيش فيما لو وصل هذا الشخص لسدة الرئاسة عهدا ستهتز فيه دولة القانون وستسدد ضربات لحقوق الإنسان كما سنبين لاحقا. خاصة وأنه يعتزم تغيير الدستور لتوسيع صلاحيات الرئيس على حساب رئاسة الوزراء والبرلمان، في حين تعهدت رويال بإجراء إصلاح شامل للمؤسسات الفرنسية وباستفتاء على "جمهورية سادسة" تفرض قيودا على الرئيس وتمنح البرلمان المزيد من السلطات. وهو ينوي زيادة تمويل وزارة الدفاع ليتسنى لفرنسا الانخراط في حروب أمريكا واسرائيل وتغذية موارد مصنعي الأسلحة من مثل داسو ولاغردير الذين دعموا ترشيحه.

وحيث يلعب على الهاجس الأمني للمواطن، فهو سيعمم استعمال أجهزة الفيديو للمراقبة في الأماكن العامة، كما فعل بلير. بالاعتماد على تفييش البشر واستعمال أجهزة الحاسوب وغيرها مما ينتهك خصوصياتهم، يفترض أن يتمكن من توقيف أشخاص لمجرد الاشتباه بهم سائرا في ذلك على خطى دبليو بوش. إنه يريد أن يقلده بالتطلع للبرلة أكثر انفلاتا وهمجية وتدميرا للعالم والابتعاد عن النموذج الفرنسي الذي ما زال رغم الضربات التي تلقاها يحافظ على مكتسبات اجتماعية هامة.

ساركوزي أثار ضجة وردود افعال كثيرة مستنكرة عندما تعرض من جملة المواقف التي أعلنها لتأثير المخزون الوراثي على السلوك الإنساني وعلى الجنوح. كأن يصرح مثلا أن أصحاب الجنس المثلي يلدون على هذا الشكل، أو أن الشباب الذين يقدمون على الانتحار يحملون هذه النزعة منذ ولادتهم. في حين أننا نعرف من علم النفس أن تأثير التربية حاسم في نمو الطفل والمناحي التي يتخذها في حياته حتى منذ وجوده في رحم أمه. هذا المنطق يبرر التعامل بشكل تمييزي بين البشر انطلاقا من الاختلاف الجيني بينهم، ويذكّر بالخطاب النازي في ألمانيا قبيل الحرب الكونية الثانية.

إضافة لذلك، استهجنت منظمات حقوقية ومجموعات فكرية الانحراف في تصريحاته عن المسلمة الأساسية للثورة الفرنسية القائمة على ربط الجمهورية بالمواطنة وليس بأطروحات الهوية الوطنية. فالجنسية الفرنسية ومنذ قرون تجمع قوميات متعددة وترفض أي تمييز على أساس قومي. لقد ربط ساركوزي الاندماج بمؤشرات الجنسية مغلبا ذلك على مساواة الجميع أمام القانون، بحيث أن الهوية القومية باتت أساسا للتراتبية بين مكونات الجمهورية. لقد جعل المفاهيم الجوهرية مسألة نسبية، أي ترك فراغا يحمل شحنات التعصب الذي يضرب الجمهورية من داخلها لو أفلت من عقاله. ونذكّر هنا بانتفاضة الضواحي وموقفه الاستعلائي والاستعدائي من المهاجرين، حيث كان لكلماته البغيضة مفعول النار في الهشيم. تصريحاته المهينة للشبيبة وقتذاك اضافت لمعاناتهم اليومية ما لا يجدر بمسؤول سياسي أن يتلفظ بمثله. حيث قد يكفي الشعور بالاحتقار والمهانة أحيانا ليكون الشرارة التي تبرر أعمالا عدوانية هدفها الدفاع عن الكرامة والهوية، أي عن الذات المهددة. والعنف هو في جزء منه عملية دفاعية عن النفس، كما يعلمنا علم النفس التحليلي. اللهم إلا إذا كان هذا المسؤول غير مسؤول عن أفعاله وأقواله أو لا يقدر مغبة مواقفه.

لا ننسى أن نأخذ بعين الاعتبار في خضم هذا الوضع الصورة السلبية التى عانى منها وما زال بشكل خاص المسلمون في ظل ما سمي بالحرب على الإرهاب منذ أحداث أيلول 2001. لقد اجتهدت في تلك الأثناء لوبيات الضغط وقوى الظل وما برحت تجدد نشاطها لربط الإرهاب بالإسلام والعرب. وكان ساركوزي كوزير للداخلية رمزا لهذه المواقف والمبادر لجملة القوانين المقيدة للحريات منذ عام 2002. الأمر الذي يطرح السؤال إن كانت الجمهورية ستتركه يقودها إلى حيث يشاء أم أنها ستجد الوسائل الناجعة للدفاع عن نفسها؟

 

ذلك كي لا يصار لاختزال هذا المنطق في العناصر الأضعف والتي هي الفئات المستضعفة والمتروكة لشأنها مع فوضى سوق العمل وتبدل سلم القيم وزحف العولمة المتوحشة. هذه الشرائح التي منها ما هو ليس مرتبطا بالضرورة بمعنى اتني أو ديني، أي ربط العمل بالجماعة والدولة بما يفرق بين الأفراد من حيث من هم وليس فقط ما يفعلون.

لقد لوحظ في الآونة الأخيرة حرمان أمهات أطفال المدارس المحجبات من الخروج مع صفوف ابنائهم في بعض الاكاديميات. والحجة هي محاربة المظاهر الدينية باسم الدفاع عن العلمانية. وقد احتجت على ذلك حركة مناهضة العنصرية ومن اجل الصداقة بين الشعوب لوزير التربية كون ذلك يمثل انتهاكاً للتشريعات المعمول بها. فقانون 15 آذار 2004 يمنع ارتداء الحجاب والاشارات الدينية في المدارس لكن لا يلزم الأهل بشئ. فأن يمتد مفعوله لأمهات تلامذة المدارس عندما يرافقونهم في رحلات مدرسية، المسألة ليست سيان. لذا ما زالت تطرح اشكالات وحتى الآن لم يخرج أي فقه في الأمر بحيث ما زالت القضية خاضعة لتقدير مدراء المدارس والمفتشين.

موضوعة الهجرة دخلت بقوة هذه المرة في المعركة الانتخابية حيث من خلالها حاول المرشحون دغدغة مشاعر الناخبين لكسب تأييدهم. اللاعب الأساسي، نيكولا ساركوزي، لم يألو جهدا في استمالة أصوات اليمين المتطرف الذي مثله جان ماري لوبان لسنوات طوال. بالنسبة لهذه الشريحة يعتبر المهاجر البعبع الذي يترصدها ليفقدها صفاء حياتها ويهدد أمنها ويسلب منها عملها وخبزها اليومي. وبالرغم من أن الجميع لعب على مشاعر الهوية الوطنية بحيث توارى خلفها مفهوم الجمهورية، كان ساركوزي هو السباق في هذا المضمار رغم كونه من أصول مهاجرة. وكأني به يعمل على تأكيد فرنسيته أكثر من الفرنسي الأصلي ليكون مقبولا منه. هذا التحضير للأرضية بدأه منذ زمن طويل ولم ينتظر حتى اليوم للعمل عليه، والمناصب الوزارية التي شغلها أتاحت له الفرصة لذلك.

ما يخيف في هذا الرجل هو عدوانيته العالية التي تتجلى في ممارساته والقوانين التي كان وراء سنها كما في إطلالاته الإعلامية اللاهثة وراء أصوات سريعة وبأي ثمن. لقد لعب كثيرا على عامل الخوف عند البشر وطرح نفسه الحل لمشاكلهم من خلال التأكيد على تعزيز أمنهم والتوجه لكل شريحة اجتماعية بما يتوافق مع ما تتوق له من تطلعات. وما يعلق في حلقهم هو أنه يصف نفسه "بغريب في بلده" ومنبهر بالنموذج الانكلوساكسوني، في حين أنه يريد في الوقت عينه أن يمثل فرنسا ومصالحها في المحافل الدولية ويدير الشأن العام الداخلي. وفي الوقت الذي يفترض أن يقوي اللحمة الوطنية، هو يثير التفرقة ويظهر الاحتقار والاستعلاء لمن خالفه الرأي ويهدد الحريات ويضطهد المؤسسة القضائية ويعمل لصالح المؤسسات المالية والاقتصادية ويضحي بالمكتسبات الاجتماعية التي حصل عليها الشعب الفرنسي بنضالاته.

 

كشف ساركوزي في مداخلة له أمام كبار الشرطة أن مدد دراسة طلبات اللجوء في الأوبفرا قد قلت للنصف أو أقل. كذلك تراجع عدد طالبي اللجوء من 65 ألفا في 2004 إلى 25 ألفا في 2006، بما عده انتصارا له بفضل ما اتخذه من اجراءات. وقد اعتبر أن "القنبلة الموقوتة" التي زرعها الاشتراكيون خلال حكمهم هي العائلات التي تعيش في شبه سرية ولها أطفال يذهبون للمدارس. بينما كان اليسار الفرنسي ومن هم في أقصى اليسار بالخصوص قد نددوا بالطرد الجماعي لأطفال المهاجرين الذين لا يحملوان أوراق اقامة. كما وتحركوا  لمناهضة سياسته ومنع فصل الأطفال من المدارس الفرنسية على أساس حق الطفل بالتعليم. كذلك حقه أن لا يدفع ثمن وضع أهله المحرومين من أوراق تؤهلهم للعيش في فرنسا، خاصة وأنهم ولدوا أو ترعروا من صغرهم فيها.

الاجراءات التي اتخذت في صيف 2006 بما يخص قانون الهجرة والاندماج، والتي وقف ساركوزي وراءها، قضت بوقف منح بطاقة اقامة اوتوماتيكية للمهاجرين السريين الموجودين منذ عشر سنوات على الأراضي الفرنسية. كذلك صعبت شروط التجميع العائلي ومنح اوراق اقامة أو جنسية للمتزوجين من فرنسيين. وقد استحدثت بطاقة اقامة مدتها ثلاث سنوات للطلاب الذين تظهر "شخصيتهم وقدراتهم أنهم مكسب لنمو واشعاع فرنسا". كما يفترض تسهيل منح أو تجديد أوراق الاقامة للطلاب الذين حصلوا على تثبيت مشاريعهم من طرف بلدانهم والقنصلية الفرنسية فيها. والمهاجرين الجدد عليهم التوقيع على "عقد استقبال وادماج" وتلقي "تعليم مدني ولغوي". لقد اقترح إنشاء وزارة " للهجرة والهوية الوطنية" سال الكثير من الحبر حولها وانتقدتها رويال قائلة أن "الاعتقاد بأن الهجرة الطبيعية تهدد الهوية الوطنية خطأ لا يغتفر".

بعد مغادرة السيد ساركوزي لمهامه في وزارة الداخلية والانخراط في حملته الانتخابية للرئاسة الفرنسية، أعلن نيته إن أصبح رئيسا للجمهورية أن يشترط معرفة اللغة الفرنسية لمن سيطلبوا الاقامة بحجة التجميع العائلي. فمن سيعيش في فرنسا يفترض به حسب رأيه أن يكتب ويتكلم بالفرنسية، حيث اللغة من صلب الهوية والثقافة التي عليها مقاومة التحول لشكل موحد للعالم. سيتم على أساس اختبارات اللغة انتقاء المهاجرين، تماما كما فعل طوني بلير في بريطانيا. الهدف من ذلك هو الهجرة المنتقاة التي تتحلى بقدرات ويسهل ادماجها. بحيث تصبح المسطرة في أوروبا متشابهة لقبول الأجانب (ما زالت بلجيكا والسويد وتشيكوسلوفاكيا تشذ عن قاعدة امتلاك لغة وثقافة البلد المستقبل). وبدلا من أن تكون هذه الشروط لقاء الحصول على الاقامة بات عدم امتلاك اللغة أو الرسوب في امتحانها مقياسا لقبول أو عدم قبول تجديد أوراق الاقامة.

 لقد توصل ساركوزي لفرض قانونين في 2003 و2006 متعارضين بخصوص الأجانب، خفف الأول جزئيا العقوبة المزدوجة، في حين صعّب الثاني شروط تسوية ملفات من هم في وضع غير نظامي وشروط دخول وإقامة الأجانب. لم تعد تسوية وضع المهاجرين بمن فيهم السريين بعد عشر سنوات إقامة تحصيل حاصل. لقد ترافقت هذه التشديدات بارتفاع حالات الترحيل (24000 السنة الفائتة). وهذا الرقم ما زال أدنى من الهدف المرتجى. كان يفترض بقانون 2006 أن يفتح بابا للهجرة المنتقاة وجرى توقيع اتفاقات في هذا الصدد مع بعض البلدان، لكنه لم يعطي حتى الآن النتائج المرجوة منه.  

عندما كان ساركوزي رئيس بلدية مدينة نويللي في الضاحية الباريسة الغنية، لم يكن في هذه المدينة سوى 3% من المساكن الشعبية. كان يفضل أن يدفع ضريبة اضافية بدلا من بناء 20% من هذه المساكن كما يقتضي القانون. وعندما أصبح فيما بعد وزيرا للداخلية شرع بشراء اسلحة جديدة لأفراد البوليس وخصصهم بأموال أكثر وعزز من دورهم. كما وأوعز لهم بأنه ليس من مهامهم اللعب بالكرة مع الصبيان حيث كان من سبقه قد وجد في هذه الطريقة تأهيلا لصورة الشرطي عند من يعتبره ممثلا للسلطة وكي لا يتعامل معه باحتراز إن لم يكن بكراهية.

إنه يود فيما لو وصل للرئاسة أن ينشئ إدارة موحدة للاستخبارات بشعبها المختلفة من أجل محاربة فعالة للإرهاب، مما يجعل السيطرة عليها من السلطة السياسية أكثر سهولة. وقد وضع سياسة تحاسب الشرطة على النتائج، الأمر الذي رفع نسبة الإستدعاءات والتوقيفات وجعل البوليس نفسه يحتج على هذه الإجراءات. وقبل خروجه من وزارة الداخلية رتب الأمور بشكل يمكنه من احكام قبضته على الدولة في حال فوزه. فقد عيّن في مناصب حساسة داخل أجهزة الشرطة سبعة من أصل عشرة أشخاص ولمدة خمس سنوات يعدّون من رجاله المقربين ومن اصدقائه القدامى. الأمر الذي يسمح له بالاعتماد عليهم كلية خاصة وأنه تحت امرتهم عشرات الآلاف من رجال الشرطة المنتشرين في الأماكن الهامة والذين في تصرفهم امكانيات مالية ومادية جيدة. من هؤلاء المدير العام للشرطة الوطنية الذي يشرف على 136 ألف شرطي.

يتوقع باسكال بونيفاس، الباحث في قضايا الشرق الأوسط، أن لا يتابع ساركوزي نهج اسلافه في الجمهورية الخامسة منذ ديغول بالنسبة للقضايا العربية، وبنوع خاص الصراع العربي الاسرائيلي. إنه على الأقل لن يقف بمواجهة السياسة الاسرائيلية وسيمشي بركب السياسة الأمريكية. فعندما ذهب ساركوزي لأمريكا وزار بوش أبدى اعجابه بالمجتمع الأمريكي منتقدا منتقديها. كما أنه يعرف عنه مواقفه المساندة لاسرائيل ودفاعه عن حقها المشروع في الدفاع عن نفسها، بما يبرئها في هجومها الأخير على لبنان.

 لقد كشفت الصحافة على لقاءات لساركوزي مع اللوبي الصهيوني الأمريكي نقل منها تأكيد صداقته لأمريكا ولإسرائيل التي أبدى تعاطفاً معها وألبسها ثوب الضحية. كما وانتقد "سياسة جاك شيراك في الشرق الأوسط وعنجهية فرنسا". الأمر الذي وصل لمسامع شيراك الذي وصف هذا التوجه الاطلنطي بالسلوك اللامسؤول الذي سيطيح بالخاصية الفرنسية. وقد وصفه أحد الاشتراكيين إثر ذلك بانه واحد من المحافظين الجدد الفرنسيين. في حين ذهب رئيس وزراء سابق للتحذير من خطورته خاصة وأنه يملك امكانيات مالية واعلامية هامة. أما شارون الذي استقبله في2004 كرئيس دولة ووصفه بصديق اسرائيل، فقد حصل على تطمين بأنه لو وصل للاليزيه سيغير النهج الذي كان سائدا قبله ويتفهم أكثر دعوات الاسرائيليين. هؤلاء "الأصدقاء" الأوفياء الذين كافأوه بمناسبة ميلاده بطبع طابع يحمل صورته. وقد بادلهم الود وكان خلال العدوان الإسرائلي على لبنان الصيف الفائت يحاول الاطمئنان على اصدقائه ليعرف كم من الوقت سيستغرق انجاز "العمل" معهم. فبالنسبة له اسرائيل، ليس لها فقط الحق في الدفاع عن نفسها تجاه حزب الله المعتدي، وإنما عليها واجب القيام بذلك.

من ناحية أخرى، كانت أول زيارة للمرشح ساركوزي لبريطانيا حيث استقبله بلير على الغداء. فهو معجب به أيضا وبشجاعته. بالتأكيد إنه سائر على خطى مثل هؤلاء، حيث حول فرنسا خلال هذه السنوات التي قضاها وزيرا للداخلية لدولة بوليسية. الكثير بات يفصلها عن الصورة التي عرفت عنها كبلد الديمقراطية وحقوق الإنسان وله في ذلك تأثير كبير. لقد وجهت الرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان قبل الدورة الأولى استجوابا لمرشحي الرئاسة حول مواقفهم من الملفات الأساسية المتعلقة بحقوق الإنسان. وهذا الاجراء يعتبر تقليدا فرنسيا منذ أكثر من ربع قرن. استلمت الرابطة أجوبة من كل الذين وصلهم بريدها هذا ما عدا مرشح واحد رفض الإجابة على الاستمارة هو نيكولا ساركوزي.

أليس هذا مؤشراً اضافيا على امتناع هذا المرشح عن التعاون مع المدافعين عن حقوق الإنسان وعلى عدم احترام ما له علاقة بدولة القانون وبكرامة المواطن؟ لقد عمل مؤخرا على منع صدور كتاب للقاضي سيرج بورتلي يتعرض فيه لسياسته الأمنية. مما اضطر الكاتب لتوزيعه على شبكة الانترنت كي يصل للقراء قبل الانتخابات، إلى أن تجرأت في نهاية المطاف منشورات ارماتان وقررت اصداره قبل ثلاثة أيام من الدورة الثانية. يبقى المرتجى أن لا تكون الأسابيع الخمسة لانتفاضة الضواحي السابقة مقدمة لما يمكن أن يحصل في فرنسا فيما لو ربح الرئاسة.

 

 

بيانات

مقالات

تقارير

دراسات

حملات

كتب

وجهة نظر

أخبار

إصدارات

نشاطات

كتب سلسلة براعم

   موريتانيا    


هيثم مناع

منصف المرزوقي

فيوليت داغر

المصطفى صوليح

ناصر الغزالي


 

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي اللجنة العربية لحقوق الإنسان , إنما تعبر عن رأي أصحابها