french

English

 

دليل المواقع

برامج وأنشطة

أخبار

الأرشيف

طلب مساعدة

عن اللجنة

الصفحة الرئيسية

Arab Commission for Human Rights
5, rue Gambetta
92240-Malakoff- France
Tel 0033140921588 Fax 0033146541913

e. mail achr@noos.fr

International NGO in special Consultative Status with the Economic and Social Council of the United Nations


تكريم الديمقراطية الموريتانية

2007-10-07

 

 

د. خالد الحروب

هنا بوتسدام, قرب برلين إلى جنوبها الغربي, مدينة تختال بجمال أخاذ وموقع فريد في التاريخ الأوروبي القديم والحديث. قصرها العارم يحكي قصص ملوك وحروب وبلاط دبت عليه أقدام مفكرين وفنانين كبار. فولتير مرّ من هنا, وكان لسنوات فيلسوف المدينة, وأوروبا الأشهر, في ظل الملك الشهير فردريك, قبل أن يهجره ويتركه لمُلكه واستبداده. في قاعة القصر المهيب جلس أباطرة النصر في أعقاب الحرب العالمية الثانية, ترومان, تشرشل, ستالين, يشربون نخب النجاة من هتلر ويقسمون ألمانيا وأوروبا الشرقية... ويضعون الأساس عملياً لجدار برلين سيئ الصيت. حدث ذلك في بوتسدام على مقربة نصف ساعة من مقتلة برلين التي سقطت في يد الحلفاء وصارت أولى ضحايا القسمة الشهيرة, حيث شطرها الروس والأميركيون والبريطانيون إلى ثلاثة أجزاء سيطر كل منهم على واحد منها. تحول الجزء الروسي فيما بعد إلى برلين الشرقية والتحقت والجزء الشرقي من ألمانيا بالمعسكر الاشتراكي, فيما صار الجزآن الآخران برلين الغربية العاصمة المُجهضة لألمانيا الغربية. فصم المدينة الجميلة, برلين, الجدار الإسمنتي الطويل الذي توزعت على جنباته قصص دامية, ودخل التاريخ بكونه شطر أوروبا الحديثة إلى شطرين لما يقارب نصف قرن.

ذلك هو التاريخ الحاضر بقوة في قاعة قصر فريدريك الكبير في بوتسدام والتي احتضنت إعلاميين وأكاديميين عرباً مع نظراء أوروبيين في مؤتمر إعلامي سنوي حاولوا فيه مناوشة المهمة الصعبة بجعل الإعلام جسر حوار وتفاهم للحوار عوض أن يكون مكباً للكراهيات والأحكام المسبقة. الجانب العربي ضيف على الجانب الأوروبي الذي ينظم المؤتمر وينفق عليه سنوياً. كل عام يكون المؤتمر محصوراً في الهموم الإعلامية الأوروبية وينتهي بمنح جائزة لشخصية عامة قدمت خدمات عامة وإنسانية على المستوى الدولي. هذا العام ارتأى منظمو المؤتمر أن يكون موضوعه "الإعلام الأوروبي والإعلام العربي كجسر للحوار". حضر عدد كبير من الإعلاميين العرب والمؤسسات الإعلامية وشاركوا بفعالية في جلسات المؤتمر, بما ترك انطباعات إيجابية عميقة. وعدد كبير آخر استنكفوا عن الحضور, إما تكاسلاً, أو قلة اهتمام, مما ترك فراغات محرجة في قوائم المدعوين. لكن ربما يكون الأهم من جوهر المؤتمر نفسه هو ما حدث على هامشه, وهو تكريم موريتانيا وتجربتها في الانتقال السلمي نحو الديمقراطية ممثلة بشخص الرئيس السابق اعلي ولد محمد فال.

فهنا وعندما وقفت نواكشوط في قاعة القصر الإمبراطوري تصف بتواضع وبكلمات الرئيس السابق تفاصيل التجربة صفّق الجميع. كانت خريطة البلد الصحراوي منتصبة على المنصة على طول قامة الرئيس الممشوقة. في حفل التكريم, كرم اثنان, الرئيس الموريتاني, والمغني الإيرلندي بوب غيلدوف أحد أهم الناشطين العالميين في حملات القضاء على الفقر في أفريقيا. غيلدوف اسم يخترق كل بيت أوروبي وتلاحقه جحافل الصحفيين حيثما حل. وهو أحد القلائل من مغني البوب والفنانين الذين ينتزعون التقدير والاحترام بسبب مواقفهم الإنسانية الرفيعة. لذلك ازدحمت القاعة بالإعلاميين والصحفيين. جاءوا ليلتقطوا صوراً لغيلدوف, فوجدوا أمامهم شنقيط: تجربة أفريقية وعربية فريدة. هناك وبعيدا عن بريق الغناء ونجوم الفن كانت تجربة صغيرة لكنها ثرية تنتقل بعدة ملايين من الموريتانيين من حقبة إلى أخرى. أمام السياسيين والإعلاميين الكثر, قال محمد فال إن موريتانيا الجديدة يحكمها دستور حديث وقوانين وديمقراطية ناشئة. الإعلام فيها حُر وترسيخ المؤسسات الديمقراطية هو الهم الأكبر. لكنه الهم الذي تنافسه هموم أخرى, كالفقر, والتعليم, والحاجة إلى الاستثمار الخارجي. قال: لم تنتهِ المسيرة, بل بدأت ولا نقلل من صعوبات كبيرة تواجهنا.

لكن في غرفته في الفندق وقبل أن نمضي إلى قصر التكريم, قال محمد فال أشياء جميلة أخرى. قال وبتواضع رفيع إننا فخورون ولكن بتواضع بنجاحنا في التجربة في موريتانيا. ففيها قلنا إن الديمقراطية ممكنة في البيئة العربية. بل إن كانت تصلح وتشتغل في بيئة تغلب عليها البداوة مثل موريتانيا, فمن الواجب أن تكون صلاحيتها فاعلة أيضاً في بيئات عربية قطعت مشواراً أبعد في الحداثة السياسية وبناء دولة القانون. قلنا لكل ديمقراطيي العالم العربي إن نضالاتهم يمكن أن تتحقق, وإن ما فعلوه لم يذهب هدراً. وأضاف كانت قناعتي من البداية هي أولوية بناء سيادة قانون عصري ومنصف وشفاف في موريتانيا تحميه مؤسسات دستورية لها شرعية انتخابية. وبدل أن يخضع الشعب بالقوة والتسلط لحاكم فرد رغم أنفه, سيكون أسعد بخضوعه لقانون يساوي بين الأفراد.

لم يكن ثمة مهرب إلا التعبير للرئيس محمد فال أن التجربة الموريتانية تقدم لنا, سواء في المشرق أو المغرب, ليس نموذجاً وحسب, بل وكثيراً من الأمل. ففي وسط التردي السياسي الهائل, خاصة في المشرق, والتسارع المتلاحق والمخجل في تحويل الجمهوريات إلى ملكيات وتجهيز الأبناء لوراثة الأنظمة الثورية وابتلاع ثروات البلدان المعنية, فإن موريتانيا تتكلم لغة أخرى. قلوبنا وعقولنا مع التجرية الموريتانية وكلنا أمل أن تترسخ وتنجح وتفلت من كل مطبات المراحل الانتقالية أو الانتكاسات. بل ربما جاز لنا أن نحمل الشناقطة مهمة جديدة وهي أن بعث دورهم التاريخي في غرب أفريقيا هو الآن عبر إنجاح التجربة الديمقراطية. سنتألم بمرارة فائقة إن تعثرت هذه التجربة أو تراجعت.

في الطريق إلى قصر التكريم كانت السيارة تقل أيضاً وجوهاً موريتانية أخرى. تطفلت بالسؤال وبـ"لهجتي الحسانية" المفتعلة عن المدن التي جاءوا منها: فكان أحدهم من سيليبابي والآخر من العيون. أحدهم أفريقي الأصول (من السودان) والآخر عربي (من البيظان). وجانب التنوع الاثني هذا في موريتانيا يطرح تحدياً آخر على التجربة الموريتانية, وهو تحدي تعزيز التعايش التاريخي بين المجموعات الوطنية المكونة للشعب الموريتاني. وليس أهم وأكثر فاعلية من المناخ الديمقراطي والحُر لتعزيز هذا التعايش, حيث يندحر الخوف, وتعلو كل الأصوات فوق السطح, ولا يتبقى منها شيء منسرباً في مدارج السرية والتحفظ. في المناخ الديمقراطي تخرج كل الأزمات والمشكلات والمظالم إلى العلن وتحت الشمس, وهناك تتم معالجتها بطريقة صحية وقانونية وتوافقية. وفي مناخات الاستبداد ترتكس المشكلات الكبرى, بعفنها الطائفي والاثني, إلى تحت السطح. وهناك بعيداً في الظلام ينخرها العفن, ومع مرور السنين تزداد تعقيداً فوق تعقيد, وتتراكم المظالم بحيث يصير "الحل العملي الوقائي" لكل تلك المشكلات هو قمعها وإبقاؤها تحت الأرض. ومثل هذا الحل ومهما أوهم أصحابه بالنجاح فإنه يظل مؤقتاً, ونجاحه لا يتجاوز تأجيل انفجار الأزمات في أول فرصة متاحة. الديمقراطية, في موريتانيا وفي أي مكان آخر, ليست حلاً سحرياً وخلاصياً لمشكلات التنمية والتخلف أو انسدادات التوافقات الاجتماعية, لكنها المناخ الصحي الوحيد الذي يتيح معالجة تلك المشكلات بطرق صحية بأمل الوصول إلى حلول أو شبه حلول. ديمقراطية موريتانيا تحقق هذا, وهي تستحق الإشادة والتقدير والتكريم. ويستحق الرجل الذي أوفى بوعده ورافق مسيرة الانتقال السلمي, وخرج من قصر الرئاسة إلى بيته بعد أن انتخب الشعب الموريتاني رئيساً مدنياً, يستحق وسام الديمقراطية العربية المأمولة, وهو وسام يندر أن يستحقه حاكم عربي.

 

 

 

 

 

الصفحة الرئيسة

 

بيانات

مقالات

تقارير

دراسات

حملات

كتب

وجهة نظر

أخبار

إصدارات

نشاطات

كتب سلسلة براعم

   موريتانيا    


هيثم مناع

منصف المرزوقي

فيوليت داغر

المصطفى صوليح

ناصر الغزالي


 

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي اللجنة العربية لحقوق الإنسان , إنما تعبر عن رأي أصحابها