french

English

 

دليل المواقع

برامج وأنشطة

أخبار

الأرشيف

طلب مساعدة

عن اللجنة

الصفحة الرئيسية

Arab Commission for Human Rights
5, rue Gambetta
92240-Malakoff- France
Tel 0033140921588 Fax 0033146541913

e. mail achr@noos.fr

International NGO in special Consultative Status with the Economic and Social Council of the United Nations


 الولايات المتحدة ومستقبل حقوق الإنسان               هيثم مناع

2007-10-25

 

                                               

ربط مشروع التأسيس للولايات المتحدة الأمريكية بين فكرة الحقوق والاستقلال. وكان "إعلان فرجينيا للحقوق" الذي صدر في 12 حزيران/يونيو 1776 بعد بدء حرب الاستقلال، أساسا اعتمد عليه توماس جيفرسون في كتابة القسم الأول من إعلان الاستقلال الأمريكي، وقد ترجم للفرنسية في 1783 وكان له كبير التأثير على فكر الذين صاغوا "إعلان حقوق الإنسان والمواطن" في عام 1789. ويمكن القول أن هذا النص التاريخي متقدم بأشواط على "الماغنا كارتا"، وهو يعزز قانون الإحضار أمام القضاء مؤكدا على المساواة والحريات الأساسية للأشخاص ويعتبر حكم القاضي فوق أي قرار سياسي بل يستعمل تعبير مقدس لوصفه (المادة 11)، ويصف حرية الصحافة بأحد أهم معاقل الحرية الأساسية التي لا يمكن أن تقيد إلا من المستبدين (المادة 12)، مع ربط حرية الدين والعبادة بالاقتناع لا بالإكراه أو العنف، ويضع مادة هامة تقول: "لا يمكن لشعب أن يحتفظ بحكومة حرة وفوائد الحرية، إلا بانتساب صارم ودائم لقواعد العدالة، الاعتدال، الاتزان، الاقتصاد والقيم. وبالعودة باستمرار لهذه المبادئ الأساسية." (المادة 15).

هذا التداخل الجوهري بين الوطن والحقوق، بين تكّون الهوية الذاتية ورسالة الأمة، يشكل بحد ذاته سكينا ذي حدين. فمن جهة، تبلورت صورة "النحن" في منظومة حقوق وواجبات، ومن جهة أخرى، تتعقد آليات الانتقال من المفهوم الأمريكي إلى مفهوم عالمي لحقوق الإنسان، لأن هكذا انتقال يشكل زعزعة لمقومات "الإيديولوجية" السائدة، وليس فقط مجرد مصلحة قومية عليا بالمعنى الجيو سياسي والاقتصادي للكلمة. ورغم استيعاب مراكز القوى المختلفة في الإمبراطورية الصاعدة، منذ أكثر من قرن، لضرورة الخروج من القوقعة الذاتية للتمكن من الجمع بين سياسة الهيمنة الفظة و"مثالية بلاغية" ضرورية لتجميلها، لم تنجح أية إدارة أمريكية بالانتساب الاسمي الكامل للشرعة الدولية لحقوق الإنسان. بل على العكس من ذلك، كان تعزيز الشعور القومي الأمريكي باستمرار على حساب هذه الحقوق وفي خطاب غير مبطن أو مستور.

لن نختار عتاة المحافظين الجدد، ولن ننتظر أحداث سبتمبر لتوضيح مرادنا. لنأخذ ما كتبته كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية  أثناء الحملة الانتخابية عام 2000، حين كانت مستشارة السياسة الخارجية للمرشح الجمهوري بوش:

 في مقالة نشرتها مجلة  (Foreign Affairs) في عددها الصادر في يناير-فبراير 2000، تنتقد الآنسة رايس من يعتقد بضرورة قراءة المصلحة القومية عبر مشارب القانون الدولي ومنظمات كالأمم المتحدة، وتوضح أنها ليست ضد "المصلحة الإنسانية"، لكن تضعها في الصف الثاني بعد المصلحة القومية. فكون المصلحة القومية للولايات المتحدة الأمريكية تخلق الظروف لتشجيع الحريات وحركة السوق والسلام، يفترض أن تعطى الأولوية. على هذا الأساس "لا يمكن للاتفاقيات والهيئات المتعددة الأطراف أن تكون غاية في ذاتها، فمصلحة الولايات المتحدة تقوم على تحالفات قوية يمكن تعزيزها داخل الأمم المتحدة أو في غيرها من المنظمات المتعددة الأطراف، كما يمكن أن يحدث ذلك عبر اتفاقيات دولية متقنة الصنع". وتضيف رايس:  "ليس من القيادة، كما أنه ليس بالموقف الإنعزالي القول بأن للولايات المتحدة الأمريكية دور خاص في العالم، ولذا ليس من واجبها أن تنتسب لأية اتفاقية أو معاهدة دولية تقترح عليها".

هذا المفهوم لا يؤدي فقط إلى  خلق منظومة موازية لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، بل يجعل الولايات المتحدة في مواجهة مفتوحة معهما وعلى عدة مستويات بنيوية:

المستوى الأول، في المفهوم:

ترفض الإدارات المتعاقبة التصديق على عدة اتفاقيات أساسية لحقوق الإنسان، إما لاختلافها معها في المفهوم، أو رفض الخضوع للمحاسبة في حال الالتزام بها. فقد كانت الولايات المتحدة من الدول المتأخرة في إدانة التمييز العنصري  وقبول بعض الحقوق المدنية، ولم تصدق حتى اليوم على العهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والاقتصادية، بل ذهبت السفيرة الأمريكية في الأمم المتحدة جان كيركباتريك Jeane Kirkpatrick إلى أبعد من ذلك عندما قالت: "هذه الحقوق هي رسالة من بابا نويل.. فلا الطبيعة ولا التجربة ولا الاحتمالات تدعم هذه القائمة من الحقوق التي لا ترضخ لأي ناظم باستثناء الروح والشهية عند من يدافع عنها". المعركة نفسها خاضها السفير الأمريكي موريس أبرام Morris Abram  في رفض كلمة حق التنمية والإصرار على أن كل ما يتعلق بها من التفاهة بشكل ينتج الضرر على صعيد الأفراد والجماعات. ومعروفة المواقف المتصلبة للإدارات الأمريكية المتعاقبة من اتفاقيات حماية البيئة. والولايات المتحدة والصومال هما البلدان الوحيدان اللذان لم يصدقا على اتفاقية حقوق الطفل، كذلك لم تصادق الولايات المتحدة على ميثاق روما لقيام المحكمة الجنائية الدولية، وهي في طليعة الدول المعيقة لإقرار بروتوكول ملحق ثالث لاتفاقيات جنيف الأربع، وتسعى بشكل منهجي لفرض سياسة المعيارين في اجتماعات الدول السامية الموقعة على اتفاقيات جنيف، وقد تجلى ذلك بوضوح في حمايتها لقوات الاحتلال الإسرائيلية التي تنتهك اتفاقية جنيف الرابعة بشكل منهجي وكررت ذلك فيما يتعلق بقواتها في العراق.

المستوى الثاني: في الخيارات السياسية  

عندما قررت الإدارة الحالية خوض ما أسمته الحرب على الإرهاب، قامت بجملة إجراءات سياسية وقانونية مست في الصميم التراكمات الحقوقية ومنظومة السلم والأمن العالمي التي عرفتها البشرية في الستين عاما الأخيرة. نذكر منها على سبيل المثل لا الحصر:

-              إصدار مجلس الأمن القرارين 1487 و 1422 ينص على عدم ملاحقة العاملين في قوات حفظ السلام من الأمريكيين بتهم جرائم الحرب وغيرها.

-              ارتكاب جرائم حرب في أفغانستان وجرائم تعذيب وبناء سجون سرية خارج السيطرة ونقل معتقلين إلى "منطقة حرة" لانتهاك الكرامة الإنسانية  اسمها غوانتانامو.

-              إبرام اتفاقيات ثنائية مع دول صدقت على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية كي لا يتم محاسبة أو ملاحقة أمريكيين على أراضيها.

-       غزو العراق دون أي غطاء قانوني أو أخلاقي وجعل احتلاله من عاديات الأمور بقرار من مجلس الأمن. والأنكد من ذلك، توقيع القرار 17 من بريمر، الحاكم الأول في العراق الذي يضع قوات الاحتلال فوق المحاسبة والقانون في العراق.

-               التمسك برفض تشكيل لجنة دولية للإشراف على الانترنت في قمة المعلوماتية الأخير كبديل لهيمنة بلد واحد على هذا القطاع.

-        اتخاذ قرار من المستشارين الأمريكيين بتعريف خاص لجريمة التعذيب للالتفاف على ما وقعت عليه هي نفسها، أي اتفاقية مناهضة التعذيب: "المقصود بالتعذيب وفق هؤلاء، هو إنزال أذى بدني بشخص بشكل يؤدي إلى تعطل عضو من أعضاء جسمه. أما إذا لم يحدث تعطل أو تلف لأحد أعضاء الجسم فإن وسائل الاستجواب المستخدمة لا تعتبر تعذيبا كما لا تخالف أي قانون أميركي أو دولي أو أية معاهدات معمول بها بهذا الشأن". كذلك إصدار قانون يدخل مصطلح المقاتلين الأعداء في التجربة القضائية الأمريكية  بحيث يكونوا مع مموليهم والمروجين لهم موضوع محاكمات عسكرية استثنائية خارج معايير المحاكمات العادلة.

-              رصد الإدارة الأمريكية العمليات المصرفية في 7800 مؤسسة بنكية في العالم.

-       فرض قرار يطالب بكشوف كاملة ودقيقة على الجمعيات الإنسانية والخيرية في العالم الإسلامي والتي تقوم بالدور الذي يفترض من الحكومات أن تلعبه في مواجهة الفقر والبؤس، بما أدى لإقفال بعضها أو تجميد أموالها. بحيث نالت الحرب على الإرهاب من ستين بالمائة تقريبا من قدرات الجمعيات الخيرية الإسلامية في العالم.

-              اصدار قرار بتعهد أية جمعية غير حكومية تنال مساعدة أمريكية أهلية أو حكومية بعدم التعامل مع أي طرف تتهمه الإدارة الأمريكية بالإرهاب.

-              استصدار قرارات تخول لها أن تتسلم، خارج القضاء، من تشاء من الأشخاص من غير مواطنيها وعندما تشاء ودون حتى تقديم دليل على اتهاماتها له.

المستوى الثالث: علوية الأمر الواقع على القانون:

إن تبني السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة لحقوق الإنسان، يجعلها تلجأ في كل مرة تحاول فيه الدفاع عن سياساتها وممارساتها إلى اعتبار هذه السياسة نابعة من موقف يحترم هذه الحقوق. ولعل في الذاكرة جملة مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية السابقة، عندما أدانت عملية مقاومة الفلسطينيين بناء مستوطنة جديدة وعملية عسكرية للمقاومة: "نحن مع البناء وضد الهدم والعنف": لا نحن سمعنا أولبرايت عند هدم قوات الاحتلال منزل المقاتل الفلسطيني، ولا هي سمعت أن الاستيطان في القانون الدولي جريمة ضد الإنسانية ؟

مثل مأساوي آخر نعيشه اليوم في العراق، حيث باسم الأمن يتم استجلاب عشرات آلاف المرتزقة في تحطيم منهجي لأهم مواقف الأمم المتحدة من الارتزاق العسكري. ففي سنة 1968، أقرت الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقية قوانين ضد المرتزقة، جاعلة استخدامهم ضد حركات التحرر الوطني والاستقلال قابلاً للعقاب كفعل جنائي. وفي سنة 1966، تبنى مجلس الأمن قراراً يدين تجنيد المرتزقة لإسقاط حكومات الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. ويجرد القانون الدولي المرتزقة من حق المطالبة بوضع العسكري أو بوضع أسير حرب، تاركا إياهم  عرضة للمحاكمات كجناة عامين في الدولة المتضررة، فوفق المادة 47  من البروتوكول الأول الملحق باتفاقيات جنيف لا يحق للمرتزق التمتع بوضع المقاتل أو أسير الحرب. وهو تعريفا شخص: (أ) يجري تجنيده خصيصا، محليا أو في الخارج، ليقاتل في نزاع مسلح، (ب) يشارك فعلا ومباشرة في الأعمال العدائية، (ج) يحفزه أساسا إلي الاشتراك في الأعمال العدائية، الرغبة في تحقيق مغنم شخصي، ويبذل له فعلا من قبل طرف في النزاع أو نيابة عنه وعد بتعويض مادي يتجاوز بإفراط ما يوعد به المقاتلون ذوو الرتب والوظائف المماثلة في القوات المسلحة لذلك الطرف أو ما يدفع لهم، (د) وليس من رعايا طرف في النزاع ولا متوطنا بإقليم يسيطر عليه أحد أطراف النزاع، (هـ) ليس عضوا في القوات المسلحة لأحد أطراف النزاع، (و) وليس موفدا في مهمة رسمية من قبل دولة ليست طرفا في النزاع بوصفه عضوا في قواتها المسلحة.

رغم الإجماع الدولي على هذا التعريف، ثمة صمت رسمي غربي وإلى حد ما دولي كامل على تجنيد الإدارة الأمريكية اليوم لأكبر جيش من المرتزقة في التاريخ البشري الحديث، مع صمت أكثر بؤسا عن إمكانية المحاسبة. فهناك غياب لأي كشف بأسماء الأشخاص ومهماتهم وما يرتكبون من جرائم، بل لقد شملهم بريمر بوضعهم فوق القانون العراقي. وقد بينت أزمة "بلاك ووتر" الأخيرة أنهم أيضا فوق الحكومة !

ليست الولايات المتحدة وحسب المنتج والمصدر الأول للسلاح وصاحب أعلى موازنة عسكرية وحسب، بل تستخدم قواتها المسلحة أسلحة خطرة وبشكل عشوائي رغم أنها محرمة وفق المواثيق الدولية أو غير مقبولة ولا إنسانية. فقد استعملت الولايات المتحدة، وتستعمل، منذ احتلال العراق، المواد الحارقة MK-77، والذخيرة الفوسفورية البيضاء والقنابل العنقودية. وخلال اجتياح عام 2003، استخدمت اليورانيوم المخضب  DU.

مواقف الإدارة الأمريكية على المستويات الثلاثة المذكورة، ينصبها في الحقوق السياسية والمدنية سببا ورافعة لعولمة حالة الطوارئ ودسترة قوانين مناهضة الإرهاب وانتشار السجون السرية وعودة التعذيب بقوة.

شرطي العقوبات الاقتصادية بامتياز، تسببت السياسة الأمريكية في تأخر قرارات مصيرية لوقف تدهور الحقوق الاجتماعية والاقتصادية أو حماية البيئة أو انتشار الفساد وإصلاح الأمم المتحدة.

لذا، يشاطرنا أبرز منظري حركة حقوق الإنسان اليوم الرأي، في أن السياسة الأمريكية تشكل خطرا على مستقبل حقوق الإنسان، وليس أدل على ذلك، من مسئوليتها المباشرة، عن التراجعات الخطيرة على صعيد الحقوق والحريات في العالم في السنوات الخمس الأخيرة.

نشر على موقع الجزيرة نت

 

الصفحة الرئيسة

 

بيانات

مقالات

تقارير

دراسات

حملات

كتب

وجهة نظر

أخبار

إصدارات

نشاطات

كتب سلسلة براعم

   موريتانيا    


هيثم مناع

منصف المرزوقي

فيوليت داغر

المصطفى صوليح

ناصر الغزالي


 

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي اللجنة العربية لحقوق الإنسان , إنما تعبر عن رأي أصحابها