french

English

 

دليل المواقع

برامج وأنشطة

أخبار

الأرشيف

طلب مساعدة

عن اللجنة

الصفحة الرئيسية

Arab Commission for Human Rights
5, rue Gambetta
92240-Malakoff- France
Tel 0033140921588 Fax 0033146541913

e. mail achr@noos.fr

International NGO in special Consultative Status with the Economic and Social Council of the United Nations


 ا

الانتقال إلى العالم الآخر            د. فيوليت داغر

              

2007-10-25

 

                                               

يمر الإنسان خلال سني عمره بمراحل عدة والشيخوخة هي في طبيعة هذه السيرورة. ومن المعروف أنه مع تقدم العمر تتبدل قيم المرء وايديولوجيته ورؤيته للآخر وتقييمه للمجتمع المحيط به. كما تتغير صورته عن ذاته بسلبياتها وايجابياتها. بما يتعلق منها بملكاته وممتلكاته، بوضعه الصحي الجسدي والنفسي، وبما يوحي به للغير أو يحتفظ به لذاته. كذلك بقدرته على التأقلم مع الآخرين وبدرجة محافظته على نشاطه وآماله ومشاريعه المستقبلية. لكن الوضع سيحمل قدراً كبيراً من القلق عندما يشتد المرض أو تبدأ الصحة باعطاء المؤشرات السلبية، بما يؤثر كثيراً على صورة الذات والعلاقة بالآخر.

غالباً ما يكون الأمر أشد وطأة عندما يعيش الإنسان بعيداً عن وطنه وبمعزل عن عائلة تحتضنه، كما في حالة أولئك الذين بقيت عائلاتهم في البلد الأم أو الوحيدين بفعل الطلاق أو العزوبية أو ما شاكل. بغياب أبناء يمنحونهم الرعاية اللازمة، وقد يعتمدون عليهم عندما تغدو حركتهم صعبة أو يصابون بمرض عضال أو يصبحون مقعدين. ونسبة كبيرة من الغرباء عن البلد المستقبل وعاداته وقوانينه من لا يعرف حقوقه، بحيث يصبح رد الفعل الأول الانطواء على الذات. خاصة عندما يهاجمهم المرض ويهجرهم الآخرون بعدما فقدوا ملكاتهم وباتوا عالة على المجتمع وعلى محيطهم القريب. فقد نسي هذا المجتمع أن يردّ الدين لمن قدم شبابه وعمره للمساهمة في نهضته. في حين أن ذلك من مهمات العمل الاجتماعي الذي يفترض أنه يقرّب البشر بتأمين التواصل بينهم والاغتناء من الاختلاف.

إذا كان الموت بشكل عام مسألة شائكة ومن جملة التابوهات التي يتجنب معظم الناس الخوض فيها، فهو في الغربة فوق طاقة الاحتمال. عندما ينزل خبر موت قريب أو صديق فهو يحيي فجأة، وأحياناً بشكل عنيف، مشاعر الألم لذكرى الانسلاخ عن الأرض الأم، وربما الاختفاء في ظروف غير طبيعية من حياة الآخرين. حين يرحل من كانوا في أصل الوجود، أو تنقصف الأعمار قبل الآوان وتمنع تحقيق الأحلام ومشاريع الحياة. وكأن الموت أقبل لينتشل من الضياع الوجودي في بلد لم يتح بلوغ المرتجى. ولا يخفى أن نسبة كبيرة من الوفيات في سن مبكر تتسبب بها الضغوطات النفسية التي لها كبير تأثير على الصحة. فالإرهاق والضغط العصبي أصبح، كما ثبت للباحثين، أحد أهم العوامل التي تحدث أمراضاً خطيرة للغاية مثل: السرطان وفقدان الذاكرة وتراجع القدرة على التركيز والشيخوخة المبكرة وضعف جهاز المناعة والالتهابات العضوية والسكر الخ.

الرحيل في ظروف كهذه صعب. وما كان يتخوف المرء من مواجهته، والتحضير له أو مجرد التفكير به، يصبح فجأة واقعاً عليه التعامل معه وتقديم جواب سريع له. وهنا يطرح السؤال عن المكان الذي يوارى فيه الثرى وأيهما أقل كلفة مالية واقتصاداً لمتاعب العائلة. في تراب الوطن الذي منه أتى وإليه يرغب أن يعود؟ أم في أرض المهجر، بلد أبنائه حيث يمكّنهم من زيارة مثواه الأخير؟

لكن هناك شريحة واسعة من اللاجئين السياسيين الممنوعين هم ومن لهم من العودة للوطن، وممن لا تستطيع العائلة العودة بجثمانهم للبلد الأم. أو لأن اللاجئ يؤثر الموت في المنفى لأن بلداً لم يحتمله حياً لا حاجة له به جثة. أما في حالة البقاء، هناك تساؤل بات يطرح عند نسبة لا بأس بها من العائلات، ليس المسلمة غالباً: هل بالدفن في مقبرة أم بتحريق الجثة؟

 

عملية تحريق الأموات

هذه الطريقة وجدت منذ قديم الزمان في عادات بعض الشعوب. وقد اكتشفت أواني من العصر البرونزي تحتوي على رماد أموات. في اوروبا، بدأت تجد طريقها منذ نهاية القرن التاسع عشر بدفع من الماسونية ومن العلمانيين، رغم الموقف المعارض لها من الديانات الإسلامية واليهودية والكاثوليكية. لكن الديانة الكاثوليكية بدأ موقفها يتسم بليونة أكبر منذ حوالي نصف قرن. الأمر الذي جعل نسب من يلجأون لها تختلف بين بلدانها. ففي حين هم حوالي الثلثين في سويسرا أو السويد، وأكثر من ذلك في بريطانيا، مقابل قلة قليلة جداً في اسبانيا أو ايطاليا، تراوح فرنسا بين الطرفين. فمنذ بدايات تسعينيات القرن الماضي غدت مسألة تحريق الجثث أكثر حضوراً في ممارسات الفرنسيين، رغم منح القانون العائلات حرية دفن موتاهم منذ 15 نوفمبر 1887. وقد ارتفع الرقم من حوالي 1% في الثمانينات إلى أكثر من الربع اليوم، مع وجود 119 مكان خاص بتحريق الأموات حسب احصاءات السنة الماضية.

في هذه الأماكن يدخل تابوت الميت الى فرن ذو حرارة مرتفعة بين 800 و850 درجة. فيتحوّل الخشب والجسد لغاز أو غبار يتطاير مع الدخان ويبقى كلس العظام الذي يصبح رماداً بزنة ليترين إلى ليترين ونصف. وهو ما كان يوضع في مرمدة، أو آنية خاصة، في الحضارات اليونانية واللاتينية وحتى في بدايات القرن العشرين. اليوم تقضي الاجراءات الفرنسية بتحويل العظام لمسحوق يسمح بذرها. في حين أن العملية هذه ليست مطلوبة عند الرغبة بالاحتفاظ بالعظام، كما يرغب بذلك المتحدرون من جنوب شرق آسيا.

ومنذ نيسان 2006، نشأت في فرنسا معامل تعمل على تصفية الكربون الذي يبقى في الرماد وتحويله (عبر عملية ضغط تتراوح بين 50 و60 ألف كيلوبار وبحرارة بين 1500 و1700 درجة) لماسة اصطناعية تتخذ اللون الأزرق وتتميز بأنها وحيدة من نوعها. وحيث أن الماسة ذات قيمة مادية عالية وهي رمز النقاوة والصلابة والديمومة، فالفكرة تأثر الألباب. الدليل على ذلك المقالات الكثيرة التي خرجت بعد الاعلان عن نشوء هذه الخدمة. وهي تدلل على رغبة المرء بتخليد نفسه أو من له على هذا الشكل المغري ولو الوهمي. وربما أيضاً رفض الموت الطبيعي وما يستتبعه من تحلل الجسم، ورغبة الإنسان بالسيطرة عليه بطريقة تقنية ومتقنة.

وحيث أن رماد الميت يسلم للعائلة وهي حرة أن تصنع به ما تشاء، ظهر أن 8% من العائلات قد بددته في "حديقة الذكرى" و21% احتفظت به في مستودع مخصص لذلك و70% الباقية لم تقدم ايضاحات. بعض الأواني وجدت مرمية في أماكن غريبة من مثل مترو الانفاق أو خزنة محطة قطار. ربما إثر طلاق أو وفاة وعندما لم يبق من يحتفظ بها. لذلك هناك من طالب باجبار العائلة في حالات الطلاق أو الانتقال للسكن في مكان آخر على الاعلان عن مكان المرمدة لبلدية المدينة التي تقطن بها كي لا يختفي أثرها. ودخل المطلب حيز التنفيذ مع مرسوم 12 آذار من هذه السنة ووجوب الاعلان عن مكان الرماد حتى ولو ذرّ بالطبيعة. كذلك منع تبديده على الطريق العام او في مجرى ساقية او في مياه البحر ما لم يبعد المكان اكثر من 300 م عن الشاطئ.

 

بين الاقدام والاحجام

الأسباب الدافعة لتحريق الأموات تختلف بين فلسفية (موقف من الدين)، واقتصادية (كلفة أقل)، وبيئية (تلوّث أقل)، وقانونية (احترام رغبة المتوفي)، وغيرية (الرغبة بأن لا يكون الشخص حملاً ثقيلاً على من يخلفه). كذلك هناك موقف فلسفي آخر يقول بأن الجسد فانٍ وبالتالي توجد رغبة بالتخلص منه بأسرع ما يمكن وخاصة عند مرضى الإيدز وحاملي بعض الأمراض المعدية. ربما أن الانسان في عصرنا الحالي ومع وجود عائلات صغيرة أو متذررة يجد بعملية تحويل الجثة لرماد واخفاء أثرها حلاً اكثر سهولة. اضافة لمصاريف الاعتناء بالمقبرة وشراء أو استئجار الأرض، في حين أن المرمدة تسهل عملية نقل الرفات في حال الانتقال. كما أن طقوس ذر الرماد قد تتيح اخفاء أثر الميت واكمال عملية الحداد. خاصة لمن يعتبر أن الأرض للأحياء الذين يعيشون عليها وليس لحشوها بالأموات الذين لم يعودوا.

لكن هناك من يردّ على هذه المقولات بانتقاد الاشاعات التي تقول بكلفة أقل وتسوق لتجار يعتاشون من هذه الخدمة. وإذا كانت الأماكن المخصصة للاحتفاظ بالرماد تبدو للوهلة الأولى أكثر احتراماً للبيئة وتخفف من تلوث المياه الأرضية، خاصة مع وجود أمراض في أجساد ابتلعت الكثير من الأدوية الكيماوية للعلاج، هناك من يحاجج بالقول أن عملية تحريق الجثة تستهلك كميات كبيرة من الغاز او الفيول أو الخشب الذي ينتج بالتالي ثاني اكسيد الكربون. الكميات المنتجة لا تعرف بعد نسبها بالضبط، لكن من المؤكد أن هذا الغاز يبقى وقتاً أطول في الجو من غاز الميتان الذي ينشأ عن تحلل الجثة في الأرض. ففي الهند وحدها يوجد ما لا يقل عن 8 مليون ونصف عملية تحريق في السنة تنتج 8 مليون طن ثاني اكسيد الكربون.

لا ننسى أيضاً أن التوابيت تطلى بمواد سامة يدخل فيها الرصاص والصباغ، بحيث يطرح السؤال عما يحصل بهذه المكونات بعد احتراقها وانبعاث غازاتها؟ كذلك هناك من يستعمل مواداً لقتل الميكروبات وتحنيط الجسد ليبقى شكل الميت أقرب للنائم. فماذا يحصل أيضاً مع احتراق هذا النوع من الجثث التي عولجت بمواد سامة؟ علينا أن نستدل على ذلك من النسبة الهامة للاصابات بأمراض الحساسية والسرطان لمن يعملون في هذه العمليات. ثم أن الدراسات التي أجريت في أمريكا الشمالية عن تأثير الزئبق والرصاص وبعض المواد التي تدخل في عملية التحنيط أظهرت الارتفاع الكبير عن المعدلات المقبولة لانبعاث الغازات السامة. ومن المشكوك به احتواء المحرقة على فلتر يمنع الزئبق والرصاص من الانتشار بالجو. الأمر الذي يسمم الهواء وتعود الانبعاثات مع مياه الأمطار إلى الأرض لتلوث الزراعة والمياه الجوفية ثم تدخل الى أجساد البشر عن طريق الأطعمة. وحيث أن 80% من الرصاص الذي يدخل جسم الإنسان يخزّن في العظام، فاحتراق هذه العظام سيترك انبعاثات في الجو من مادة الرصاص. تضاف لذلك نسبة الرصاص التي تدخل عبر تصليح اسنان البشر. لذلك هناك من ينصح بنزع الاسنان هذه من فم الميت قبل حرقه، كما وأن ترجع لأطباء الأسنان لاعادة استعمالها.

أما عن المكانة القانونية للجثة، يفترض عدم السماح لأي كان بالتصرف بها كما يحلو له. فأي مجتمع هذا الذي نريد عندما نعمد للتخلص بأقصى سرعة من امواتنا، في حين أنهم يشكلون جزءاً من ذاكرتنا الجماعية؟ ثم هل يحق للحي أن يقرر عن خليفته ما يفعله به بعد مماته؟ وإن أوصى، هل للوصية أن تنفذ كما هي حتى ولو كانت ضد رغبة الأحياء؟ ثم هل أن الجسد بعد خروج الروح منه يغدو ملكاً للعائلة تفعل به ما تشاء ؟ أم أنه ملك للبشرية جمعاء، خاصة عندما يكون المتوفي من الذين قدموا مساهمات للإنسانية؟ ألا يُصعّب ذر رماد الميت في مكان عام من آلية الحداد التي من المستحيل أن تنتهي بين ليلة وضحاها بمجرد القيام بالعملية؟ وإذا أوغلنا في التحليل، هل هذه الطريقة هي مرادف لآلية دفاعية ترفض الموت الذي لم يتمكن الطب من منع حدوثه؟ هل هي رفض رؤية الجسد المتعفن وما تئول اليه مسألة الموت؟ وهل أن حضارة اليوم تسعى بهذا الشكل نفي فشلها ازاء الموت والشيخوخة بعد أن أخفت المسنين في مصحات خاصة بهم وأبعدتهم عن عيون الآخرين؟

بكل الأحوال هذا النوع من الأسئلة لا ينتهي، وهي لا تطرح بنفس الكيفية عند الثقافات التي تلجأ لتحريق أمواتها. فمنها من يعتبر العملية ارسال الميت للسماء بالمعنى المجازي والرمزي. وقد كانت بعض القبائل الهندية الأمريكية تأكل رماد أمواتها لامتلاك صفاتهم واستعادة أرواحهم. ويرى البعض أن هذا التوجه يشكل عودة لمسألة الاستنساخ التي تفرض نفسها من جديد بأشكال أخرى. كما أن حرق الجسد ليس معطى عالمي يشمل كل الحضارات والشعوب. وهو غريب عن تراث الديانات التوحيدية، وموضوع خلاف كبير في الجانب العلمي المحض.

 12/11/2007

 

 

الصفحة الرئيسة

 

بيانات

مقالات

تقارير

دراسات

حملات

كتب

وجهة نظر

أخبار

إصدارات

نشاطات

كتب سلسلة براعم

   موريتانيا    


هيثم مناع

منصف المرزوقي

فيوليت داغر

المصطفى صوليح

ناصر الغزالي


 

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي اللجنة العربية لحقوق الإنسان , إنما تعبر عن رأي أصحابها