french

English

 

دليل المواقع

برامج وأنشطة

أخبار

الأرشيف

طلب مساعدة

عن اللجنة

الصفحة الرئيسية

Arab Commission for Human Rights
5, rue Gambetta
92240-Malakoff- France
Tel 0033140921588 Fax 0033146541913

e. mail achr@noos.fr
 

العزوف عن السياسة في سوريا  - الطاولة المستديرة   ( المشاركون : جودت سعيد، حبيب عيسى، عارف دليلة، عبد العزيز الخير، محمد عمارة )

 إدارة الحوار : ناصــر الغزالــي

 

2010-12-19

اللجنة العربية لحقوق الإنسان

          

 

                         

 المشاركون:

              ــ الشيخ جودت سعيد

     ــ حبيب عيسى

                 ــ عارف دليلة

                 ــ عبد العزيز الخير

                 ــ محمد عمار

 

إدارة الحوار : ناصــر الغزالــي

 

رحب الأستاذ: ناصر الغزالي، بالضيوف الكرام، وشكرهم على تلبية الدعوة لمناقشة هذا المحور الهام، وأضاف:

إن ظاهرة "العزوف عن العمل السياسي" تشكل ملف العدد الجديد لمجلة مقاربات، وفي هذا الملف سوف نحاول التنقيب في دواعيها ومحاولة سبر أغوارها، والوقوف عند بعض آثارها على الحياة السياسية والحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بشكل عام ومحاولة تفكيك الظاهرة والخروج ببعض الأسس والاقتراحات الواجب اعتمادها للخروج من هذا المأزق الراهن.

علماً أن تحديد مقاربة لمفهوم "العزوف عن السياسة" ليس بالأمر السهل، فمنهم من يحددها بشكل جزئي ومنهم من يحددها بشكل كامل، وفي الأحوال كلها يبقى سؤال العزوف عن السياسة والمشاركة السياسية، هاما في شموليته، بشكل كامل، أو العازفين عن نوع من السياسة، أي أننا سوف نختار تعاملاً "مفتوحاً" مع هذا المفهوم حتى نفي بغرض النظر في التفاصيل وكيلا نسجن أنفسنا عندما نريد إعطاء الصورة في شموليتها. ولكي يأخذ عملنا وتحليلنا هذا دوراً فاعلاً علينا من خلال التقرب من المفهوم استحضار نقيضه وأقصد المشاركة السياسية.

ضمن هذا السياق سوف نحاول التركيز على:

أ – الترابط بين تراجع مصداقية المؤسسات السياسية بإفساد المعنى النبيل للعمل السياسي كنشاط تطوعي لخدمة المصلحة العامة، وبين استنكاف المواطنين ذلك عن العمل وعزوفهم عن المشاركة السياسية في كافة المجالات (البرلمانية، الحزبية، النقابية، منظمات وجمعيات العمل المدني والأهلي).

ب- إن التداخل بين ما هو سياسي وما هو اقتصادي وثقافي وتاريخي وديني وأمني يجعل العمل السياسي على درجة من التعقيد والتشابك مما يؤدي إلى ضياع البوصلة المساعدة في ترتيب الأولويات عند صناع القرار.

ج- إن سمات الواقع في سورية من إفلاس سياسي يؤكدها الواقع من خلال السيطرة الكاملة للسلطة الأمنية والتنفيذية على باقي السلطات البرلمانية والقضائية والإعلامية، وفقدان القوانين الناظمة للأحزاب والجمعيات، ومن هشاشة اقتصادية تؤكدها المؤشرات الاقتصادية كافة، ومن احتقان اجتماعي تعبر عنه البطالة والفقر والهجرة والانحراف بكل أشكالها والجريمة والعنف وما إلى ذلك.

إن هذه الوضعية المتميزة بالكساد وانعدام المسؤولية وسيادة التسيب بفعل الفساد المطمئن للا عقاب الذي يضمنه الاستبداد الحامي له، بعدم سيادة القانون، لكل المفسدين.

د- إن الحكم الرشيد الحق في أي دولة ــ في السياسة أو الاقتصاد ــ تكون كل مداخيله مرهونة بالمدخل الرئيسي والوحيد: مدخل الإرادة السياسية.

 

السؤال الأول: أتمنى من الحضور كل حسب وجهة نظره تقديم توصيف مختصر للواقع (العربي عموماً والسوري خصوصاً) السياسي الراهن؟

 

ــ جودت سعيد(*):

أولاً، وقبل كل شيء، ينبغي أن نفهم معنى "التوحيد" الذي جاء به الأنبياء، التوحيد حسب الأنبياء ليس مشكلة سماوية تتمثل في أن مع الله إلهاً آخر في السماء، ولكن التوحيد مشكلة في الأرض، مشكلة اجتماعية وسياسية، بمعنى أن لا يكون هناك آلهة بشرية في الأرض هم مصدر القانون والتشريع والدستور.

فلا دستور ولا قانون بل حياة هؤلاء الناس وموتهم وأنفسهم وأرزاقهم بيدهم. وهذا المنظور أمر مسلم به عند الجميع في سورية، وفي البلاد العربية، وفي الأمم المتحدة، لأن حق الفيتو قانون في الأمم المتحدة، وأصحاب الفيتو هم الآلهة الأكبر في الأرض. نادراً من يقول هناك إلهان أو أكثر، وبنو قريش كانوا يعترفون أن الذي خلق السماوات والأرض واحد {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله}.

ونحن إيماننا بالله مثل إيمان قريش، والمشرك لا يكفر بالله، ولكن يشرك به الدولة والرئيس والحزب والآباء والأهواء {اتخذ إلهه هواه}.

وهذه الفكرة صعبة الإقناع مثل صعوبة الإقناع بضرورة النشاط السياسي وعزوفنا عنه، نحن لا نعرف الله ولا الأنبياء {ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين}.

هذا سهل ولكنه ممتنع، لأننا ما سمعنا بهذا في آبائنا وفي مجتمعاتنا. وظننا بالله مثل ظننا بالمستبدين، وكذلك صعب أن نؤمن بلا إكراه في الدين، هذه قضايا اجتماعية لم ندخل بعد في تحليلاتها.

المشكلة ليست مشكلة ديمقراطية، وعلمانية، ومسلم متطرف، المشكلة مشكلة فهم وعلم، غباء وجهل، وحتى حب السلطة نقيصة، فنحن نراها امتيازاً لا مسؤولية، ولهذا ينبغي أن نكون في المعارضة دائماً، حتى يلغى حق الفيتو، ولا يبقى بشر فوق المسؤولية.

 

ــ حبيب عيسى(*):

جميعنا على بينة من الأسس الفكرية، والتاريخية، لمسألة حقوق الإنسان، وتطورها، لهذا، فإنني سأدخل مباشرة إلى صلب الموضوع، المتعلق بالسؤال، حيث، أنه من الناحية التاريخية، يمكن القول، أن القرن التاسع عشر، شهد محاولات للتحرر من الهيمنة الأجنبية على مقدرات الوطن العربي، ترافقت مع دعوات مختلفة من حيث الأسس العقائدية للنهوض، والتنوير، والانعتاق من التخلف، وقد تشعبت تلك المحاولات في شتى المجالات الاجتماعية، والثقافية، والأدبية، وتجاوزت في أحيان كثيرة النضال السياسي إلى المقاومة المسلحة، وقد تأثرت تلك المحاولات، بطبيعة القوى الأجنبية المهيمنة على الأمة، ففي حين انهمكت قوى التحرر والنهوض في الجزء الآسيوي من الوطن العربي في عمليات مقاومة ضد السيطرة العثمانية، كان على تلك القوى، في الجزء الأفريقي، من الوطن، أن تواجه الاستعمار الغربي، وهذا أدى من جملة ما أدى إليه، إلى تنوع فكري، وثقافي أثرى الحياة العامة في الوطن العربي، فاستفادت قوى التحرير والنهضة في ذلك الوقت من الصراع الذي حصل بين السلطنة العثمانية، وبين الغرب الاستعماري، وكانت خطوط النهضة تتململ وتبحث عن مسارب بين شقي هذا الصراع، أي بقدر ما كان يشتد الصراع الأوروبي، العثماني في المغرب العربي، كان ذلك ينعكس على المشرق العربي وقد حسم الأمر بعد الحرب العالمية الأولى لصالح الأوربيين، فتوحّدت رؤى المقاومة العربية، ولم يعد الحوار دائراً على الساحة العربية بين من هو مع الخلافة العثمانية، وبين من هو مع الحرية الغربية التي تجسّدت بشكل فاضح عبر جيوش غازية، متوحشة، وعبر علاقات مشبوهة مع قوى التخلف، والاستغلال في المجتمع العربي، وقد تطور هذا الوضع إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث بات الوجود العسكري الاستعماري مكلفاً، وجرت عمليات التسلم والتسليم بين الجيوش الاستعمارية، وبين سلطات "دول فعلية" رسمت حدودها لتقسيم وطن الأمة، ودربّت سلطاتها بحيث تؤدي دور الجيوش الاستعمارية المنسحبة، لكن عمليات التسلم، والتسليم لا تمّر بهدوء عادة، فشهد الوطن العربي حالات من التمرد أتت من داخل تلك السلطات البديلة أحياناً، ومن خارجها في أغلب الأحيان، هنا نستطيع أن نرصد حراكاً مجتمعيا ذا وتيرة عالية بلغ أوجه في خمسينيات القرن المنصرم، وبات المجتمع العربي مجتمعا متحفزاً، عالي الحساسية تجاه القضايا العامة بدءاً من المقاومة المسلحة إلى الثقافة، والفنون، والتحرر الاجتماعي، والاقتصادي إلى الانعتاق من انتماءات ما قبل المواطنة، والنضال للوصول إلى المواطنة الحقة موضوعياً، حيث الحرية، والمساواة، والحقوق، والواجبات يكفلها نظام عام لا يستثني أحداً.

لن أدخل في التفاصيل، فقط أريد التأكيد على أن الصراع في تلك المرحلة كان حاداً بين تيارين، تيار يناضل في سبيل التحرر والنهضة، والتنوير، والتحضر وتيار آخر خارجي يسعى بأدواته أحياناً، وبأدوات محلية "عربية" أكثر الأحيان لتشديد قبضته على عنق الأمة العربية وليضع يده على هذا الوطن العربي موقعاً وثروات، وقد كان السجال حاداً بين التيارين خلال عقدين من الزمن في خمسينات وستينات القرن المنصرم عندما كان المجتمع العربي كله تقريباً في الساحة يبحث عن دور يؤديه في ذلك الصراع المصيري لكن المشهد بدأ يتغير مع بداية عقد السبعينات من القرن المنصرم بفعل عاملين اثنين:

العامل الأول: تجسّد في أن سلطات الدول الفعلية في الوطن العربي تجاوزت مرحلة التسلم والتسليم وثبتّت مواقعها، وعززت أجهزتها القمعية وتفوقت على القوى الاستعمارية في هذا المجال، واستفادت من ظروف الحرب الباردة، فالقطب الشرقي لم يعد مهتماً باشتراكية الحكام وإنما بمقدرتهم على الاصطفاف معه في مواجهة القطب الغربي الذي لم يعد مهتماً بدوره بليبرالية الحكام، وإنما بمقدرتهم على الاصطفاف معه في الحرب على الشيوعية كما كان يقول، وهكذا... فإن اهتمام الحكام في الوطن العربي بات محصوراً بالإمساك بالبلاد والعباد بيد من حديد حتى يقول للقطبين في وقت واحد أنه وحده صاحب الشأن، وأنه وحده القادر على الخدمة، فاتركوا له الداخل، وخذوا كل ما تريدون، وهكذا، فإن الحكام لم يعودوا يعتبرون أي طلب من الخارج مهما كان اعتداء على السيادة الوطنية، أو تدخلا في الشؤون الداخلية، إلا أمراً واحداً، ووحيداً هو، أن يسأل أحد في هذا العالم عن معتقل سياسي، أو عن مدافع عن حرية الرأي، وهذا أدى إلى شخصنة السلطات في الوطن العربي، ثم إلى التهام مؤسسات الدولة، ومن ثم التهام مؤسسات المجتمع من سياسية، وثقافية، ونقابية، وحتى عسكرية، وإلى آخرها... وإلى إطلاق يد أجهزة القمع دون ضوابط، فانزوى المجتمع في زوايا الخوف، والعجز.

العامل الثاني: كان كامناً في مشروع النهضة ذاته بمعنى أن رواد النهضة في الوطن العربي رفعوا السقف أكثر مما تحتمل إمكانياتهم وأدواتهم، وكانوا في هذا منساقين وراء رأي عام عربي غاضب وساخط، لا يحتمل اجتياز المراحل واحدة تلو أخرى، ولكن يطالب ويلح في حرق المراحل، وهكذا تحولت مشاريع النهضة في أي موقع كانت في الوطن العربي إلى مشاريع انقلابية، حتى الأحزاب السياسية التي من المفترض أنها تأسست على أساس اللعبة الديمقراطية تحولت إلى أحزاب انقلابية. وبما أن تلك القوى لا تملك القوة الذاتية للتغيير، فإنها تنساق وراء مراكز قوى من داخلها أو من خارجها، وغالباً ما تصبح أسيرة لقوى ومخططات لا تعرف عنها الشيء الكثير، هكذا وجد المجتمع العربي نفسه في العراء تماماً، فقوى وأحزاب مشاريع التحرير والنهضة بدأت تنهار الواحدة تلو الأخرى مهزومة أمام عدو لا يستحق الانتصار، أو تقع فريسة صراعات داخلية تعصف بها. ثم تابع المجتمع العربي بحسرة وفجيعة تلك القوى التي كانت مشاريع نهضة تعوّض عن الهزائم أمام العدو الخارجي، بالانتصارات على المجتمع ذاته في الداخل، وبالتالي تحولت تلك القوى لتقديم الخدمات لقوى الهيمنة الخارجية، فتحولت بذلك من قوى للمجتمع إلى قوى على المجتمع، وإلى منافس حقيقي للقوى التقليدية في تقديم خدمات للأجنبي أكثر جودة. أما القوى النخبوية التي كانت في يوم من الأيام رموزاً تهتز لها المشاعر، فقد انقسمت انقساماً حاداً بين اتجاهين، الاتجاه الأول: ينافق السلطات ومراكز القوى لتعويض سنوات الفاقة والحرمان والمصيبة الكبرى. إن المثقفين حينما يتحولون إلى منافقين تتفاقم الصدمة لدى المجتمع، لأنهم الأقدر على السجع، والنفخ، واللعق. أما الاتجاه الثاني: فتمثل بأولئك المناضلين الذين رأوا بأم العين أحلامهم تنهار، والحاضنة الشعبية لمشروع النهضة تتمزق وتنزوي، وتنفضّ عنهم إلى علاقات ما قبل المواطنة. ورأوا بأم العين أيضاً الكثير من رفاق الدرب ينكلون عن المواثيق والعهود ويتحولون إلى أدوات رخيصة لدى الطرف المقابل. هؤلاء قرروا التصدي، لكن المعركة كانت قد حسمت، فتم التنكيل بهم في المعتقلات، والمنافي، وكان هناك إصرار على التوحش في التنكيل بهم ليكونوا عبرة للآخرين.

هذان العاملان مع ما يتضمنان من تفاصيل تشيب لها الولدان. أديا إلى حسم الصراع، وانحسار مشروع التحرر والنهضة في الوطن العربي، وتوحدت يد الاستبداد الداخلي مع يد الهيمنة الخارجية في يد واحدة ثقيلة وغليظة بسطت سطوتها على المجتمع العربي بين المحيط والخليج، إلا من مقاومات متفرقة محدودة بذلك الإقليم، أو معزولة بتلك الطائفة، أو حتى عمليات التحدي الفدائية التي تزعج القوى المعادية، لكنها لا تغيّر من قتامة الصورة العربية، وإن كانت ضرورية حتى لا يستقر العدو، إلى أن تفرز الأمة مشاريع تحرير ونهضة تكون حاملاً حقيقياً لأحلام الأمة.

باختصار شديد، فإنه، واعتباراً من عام 1970 بدأت الهزائم الكمية تتحول إلى هزائم نوعية، وبات المجتمع العربي بكتلته الجماهيرية الواسعة يخرج من السياسة، أو تخرج السياسة منه، وتحولت المظاهرات الصاخبة الهادفة إلى النهضة والتنوير ومقاومة المعتدين، إلى مسيّرات محسوبة تنظمها السلطات الحاكمة بالملايين مما أدى إلى تفاقم الأزمة داخل المجتمع العربي، حيث لم يكتف المستبد بسلب المجتمع حقه في المشاركة في القرار السياسي، وإنما أمعن في تزوير إرادة المجتمع وإظهاره "ينطوط" هائماً هاتفاً لهذا الحاكم أو ذاك. وبدأت سطوة الاستبداد تأخذ شكلها المطلق. وبدأ تيار النهضة في الوطن العربي ينكسر كأحزاب وكقوى، وكمؤسسات، وحتى كثقافة، وعادت فكرة الحاكم المستبد الذي يملك البلاد والعباد تسود بالإكراه، أو بالرضوخ. أما في قاع المجتمع فقد تم تعميم سياسة اليأس والتيئيس، وأدى هذا كله إلى التراجع عن فكرة المواطنة التي كانت قد بدأت تتعزز في فترة النهوض. هذه المواطنة لم تعد مظلة مناسبة في ظل أوضاع التفتيت والشرذمة ومع اضمحلال المواطنة، عاد الانزواء إلى عباءة الانتماءات التي كانت سائدة ما قبل المواطنة من الانتماءات المحلية، إلى الانتماءات المذهبية، إلى الانتماءات القبلية، إلى الانتماءات الدينية. كل تلك الانتماءات باتت أقوى من فكرة المواطنة. وعندما تضمحل فكرة المواطنة، تفتقد المقدرة على مواجهة الاستبداد، فيتوطد الاستبداد بذلك على دعامتين أساسيتين، الأولى: تتمثل بالأجهزة القمعية، والثانية: تتمثل بتفتيت المجتمع، ودفعه إلى علاقات ما قبل المواطنة فيفقد المواطن مناعته الداخلية، وبالتالي يفتقد مقدرته على ممارسة حقوقه. نحن الآن عملياً في الواقع العربي، عند هذا المفترق، هناك مشكلة حقيقية تتمثل بعزوف الناس عن السياسة. أنا لا أرى أن المشكلة كامنة في الشرائح التحتية، وإنما كامنة في رواد النهضة أنفسهم، المشكلة ليست في الشعب العربي، المشكلة في الذين يحملون مشروع النهضة، الآن عليهم أن يجّددوا برامجهم، أن يجدّوا أساليبهم في العمل السياسي، أن يستعيدوا مصداقيتهم أمام الناس، أن ينطلقوا من جديد بأسلوب جديد تماماً، أن يعيدوا الثقة للناس. الناس تنتظر من تثق فيه. هذا العصر الطويل من الاستبداد ألغى الرجال الفاعلين في المجتمع. الحاكم المستبد وعن طريق أجهزته، فرض نفسه رمزاً وحيداً في البلاد، ولم يعد هناك من رموز، لأن الخوف والقمع دفع كل ما تبقى من أحزاب النهضة إلى العمل السري بعيداً عن الحاضنة الجماهيرية، وغابت فكرة النهضة أو غيبّت عن الناس، وولدت أجيال عربية لا تعرف إلا الحاكم وبطانته. هكذا نجد مشروع النهضة في الوطن العربي الآن بين فكي كماشة. الاستبداد الداخلي تحت مظلة الهيمنة الخارجية من جهة، والقاع المجتمعي الذي تراجع عن المواطنة، والتجأ إلى علاقات التخلف مدفوعاً باليأس، يلجأ إلى أحد أسلوبين: إما الانزواء، والبعد عن العمل العام والبحث عن النجاة الفردية، وإما أن يلجأ بردة الفعل إلى استخدام أساليب التوحش السلطوي ذاتها، فبات هو الآخر طرفاً في هذا العنف السلبي. هذا هو الواقع المر كما أراه، وبالتالي فإن المشكلة الأم الآن تتمثل في كيف يحدّد مشروع النهضة طريقه...؟ وكيف يجدد أساليبه للإفلات من فكي الكماشة هذه لينطلق من جديد...؟.

دعونا نقول: إن المجتمع العربي، بما في ذلك المجتمع في سورية، وبدون تخصيص، متشابه إلى حد بعيد حيث كل جزء من الوطن العربي محكوم بما يبعده عن السياسة. فهناك أجزاء محكومة بحاجات لا تعرف كيف تلبيها، وأجزاء محكومة بفائض لا تعرف ماذا تفعل به، وأجزاء ثالثة مسكونة بالخوف وهكذا...، حتى بتنا أمام مجتمع عربي لا مؤسسات فيه، وأمام دول عربية لا مؤسسات لها. وصارت المؤسسات على السطح، مجرد مؤسسات شكلية لا قرار لها، وصار القرار السياسي يفاجئها مثلها، مثل سواها.

 

ــ عارف دليلة(*):

1- العنوان المطروح: «عودة السياسة إلى المجتمع وعودة المجتمع إلى السياسة» يثير تساؤلا هاما: هل يمكن الفصل بين السياسة والمجتمع؟

في تاريخ الشعوب قد تمضي سنوات موات طويلة رتيبة لا تجد لها ذكراً في التاريخ، ثم تمر لحظات أو شهور أو أيام تترك بصمات لا تمحى في سجل التاريخ. وبصدد موضوعنا اليوم، أذكر من هذه اللحظات تلك الشهور التي أسمتها السلطة في سورية «ربيع دمشق»، رغبة في دمغها بتهمة «ربيع براغ»الذي مالبث التاريخ اللاحق له أن أدان الذين لم يتفهموا أسبابه ومغازيه، فراحوا ضحية القضاء عليه، بعد أن ضحوا بتجارب وبدول سكنت القرن العشرين بكامله. وجاءت الأحداث لاحقا لتبين أن هؤلاء "الاشاوس" أعداء "ربيع براغ" هم أول من قفزوا إلى الضفة الأخرى (إلى سدة النظام المضاد) بل وشكلوا أشرس المافيات التي استملكوا بوساطتها الكنوز والثروات الهائلة التي راكمها الشعب بجهوده وتضحياته الهائلة على مدى أجيال متتالية، ولتنبت مثل الفطر طبقة من أصحاب المليارات "العباقرة" على طراز الجهابذة العرب نهابي الدولة والشعب. في بلداننا العربية فعل "الاشاوس" مثلهم تماما ودون إضاعة الوقت في انتظار أي ربيع وعلى مدى عقود قبلهم! لعل أهم ما يلفت النظر في «ربيع دمشق»، (الذي امتد مابين شهر آب 2000 وآب 2001 أي حوالي العام)، هو، أولاً: أن المجتمع السوري لم يكن فضاء مفرغاً من السياسة، والمواطنون السوريون لم يكونوا هياكل جوفاء. رغم أن حوالي أربعة عقود مرت، يمكن القول أن جيلاً (أو شعباً) جديداً قد حل على مداها محل جيل (أو شعب) يفترض أنه غِيب أو (انقرض)، ورغم أن هذا الجيل (أو الشعب) الجديد قد تربى من المهد إلى اللحد على أصوات وكلمات وأجهزة ومؤسسات واحدة من حيث الشكل والمضمون تضع على رأس أولوياتها «خلق إنسان جديد» مقولب على قياس مصالحها ومشاغلها، معطل الحواس (العين والأذن واللسان والعقل..) عن تعلم أو رؤية أو سماع أو قول أو كتابة شيء «يخرج عن المرسوم»، إلا أن هذه السلطات تفاجأ دائما كما فوجئت السلطات السوفييتية أواخر أيام غورباتشيف، أوائل التسعينات، بان "الخراف"، المسمنة وكذلك المجَوعة تخرج في لحظة العصيان خروجا جماعيا عن "المرسوم"، ويبقى "الملك والأمراء" واقفين عراة في الساحة ليقولوا بعد ذلك في مذكراتهم، إن بقوا أحياء، "هذا حصاد مازرعنا". ولكن، وكنوع من الاستباق والتأمين، يكثر في سلطات كهذه الشطار الذين يتحسبون للحظة عصماء كهذه، والذين يعملون بدأب، تحت غيمة كثيفة ممجوجة مضللة من الشعارات الثورية التقليدية على كسب الوقت لحجز مقعد وثير جدا في علّية المنصة في النظام الجديد المضاد، مستخدمين، بشكل خاص، كل الوسائل الفاسدة في التجميع والتكديس وقمع كل من يفتح الأعين على هذا التجميع والتضليل والقمع المبرمج إلى أن يصبح الانتقال أمراً واقعاً، كما حصل على مدى العقود الأربعة الأخيرة في سورية وشقيقاتها الجملكيات العربية. وقد يكون هناك من يهيئ نفسه للقفز في اللحظة العصماء إلى ضفة النجاة أي إلى الديمقراطية ولكنه يتأخر وهو يضيع الوقت في جمع الكيس الأخير من الذهب فيقع في الفخ أو ينجو بجسده، دون عقله، ويصبح طريدا في الخارج. وهكذا، وبالمقابل، كان الشيء الثاني الملفت جداً أثناء "ربيع دمشق" هو ذلك المستوى العميق الذي بلغه تردي الوعي والتجربة السياسية لدى رجال استمرأوا السلطة، ولكنهم كانوا قبلها مراهقين أغرارا حديثي سياسة ؛ فنائب رئيس الجمهورية (الذي أصبح منشقاً في الخارج منذ عام 2005)، وكان قد أصبح ممتهن سلطة مزمن على مدى أربعة عقود، وصف بعض كتابات المثقفين الداعية إلى الديمقراطية بأنها (البلاغ رقم واحد)، وعندما نزل من عليائه إلى مدرج جامعة دمشق ليتحدث عما كان يدور في الأندية الثقافية خلال ذلك "الربيع" قال: «لقد كلفنا الرفاق أن ينزلوا إلى المنتديات ليردوا على المعارضين ويدخلوا معهم في حوار يدافعون من خلاله عن السلطة ولكنهم فشلوا في المهمة»، وفسر هذا الفشل بأنه «نتيجة انقطاعهم الطويل عن الحوار مع الرأي الآخر»، وهذا بحد ذاته فضيحة للنظام الأحادي. ونائب آخر لرئيس الجمهورية، وهو أيضاً وزير لأكثر من ثلاثة عقود قال: «لقد استولينا على السلطة بقوة السلاح، وسندافع عنها حتى النهاية بقوة السلاح». أما وزير الإعلام آنذاك فقد اتهم أصحاب الرأي الآخر بالخيانة، وإن كان اعتذر بعد ذلك وقال «إن المثقفين السوريين وطنيون»، ومثل هذه الضلالات مازالت تستخدم حتى الآن في التفريق بين «معارضة وطنية ومعارضة خائنة أو عميلة»، ويتم التجاهل أن صفة "خائن" أو"عميل" تطلق على فرد أو أفراد مدانين بوقائع محددة ولا تطلق جزافاً على «جمهور»، ونحن نعيش في عصر أصبحت فيه المعارضة تشكل نصف المجتمع، وتحظى بالاعتراف القانوني والاحترام المعنوي والمساواة في الحقوق والواجبات مع الموالاة، لأنها مؤهلة في أي انتخابات حرة للحلول محلها. وقد وصلت هذه الممارسة إلى العديد من الدول العربية، وإن كانت مازالت حتى الآن تتخبط في المخاض العسير.

أما أحد «مثقفي» السلطة المزمنين أيضاً في احتلال المواقع الخدمية، وبعد محاضرة جدية وعلمية جداً لأحد المثقفين المعارضين حول الإعلام السوري في منتدى الأتاسي، فقد وقف وسط القاعة وشمر عن زنديه وقال: «تريدون تشليحنا السلطة؟ ها أنا أتحداكم! تفضلوا وقابلوني في الشارع!»! أما الجرائد الحكومية وكتابها الذين يتمولون بمال الشعب فانهالوا بالتهم على أصحاب الرأي الحر والضمير الوطني،الذين يطالبون بتنقية البلاد من الاستبداد والفساد والعودة إلى الثقة بالشعب والمواطن والاعتماد عليه، بأنهم يعملون على «جزأرة سورية» (نسبة إلى الصراعات المأساوية الدامية التي وقعت في الجزائر في التسعينات) أو أنهم يريدون جر سورية إلى الطريق الكارثي الذي جر يلتسين (الرئيس الروسي الأول بعد سقوط الاتحاد السوفييتي في التسعينات) روسيا إليه حيث الانهيار والجوع والانحلال والتفسخ والفساد والاستسلام، وأنهم "يمنعون السلطة من ممارسة مهامها" والسير على الطريق الصيني أو الماليزي..إلخ». واضح مما سبق أن السلطة لوحدها يمكن أن تتوهم إمكانية تعقيم المجتمع سياسيا متناسية التعريف القديم للإنسان بأنه "حيوان اجتماعي، أي سياسي" وانه "حيوان ناطق".

 

ــ عبد العزيز الخير(*):

تواجه المجتمع السوريّ (والعربيّ عموماً) مجموعةٌ واسعةٌ من القضايا الكبرى التي تشكّل كل منها تحدّياً كبيراً. من قضيّة وحدة التراب الوطنيّ إلى قضيّة السيادة الوطنيّة على مقوّمات الوجود السياسيّ والاقتصاديّ للدّولة والمجتمع، إلى جملةٍ من القضايا القومية الكبرى: قضيّة فلسطين والخطر الصهيونيّ، قضيّة التجزئة القوميّة ومشكلة الوحدة العربيّة المنشودة. وهكذا وصولاً إلى تهديداتٍ تطال الهويّة الوطنيّة والقوميّة والثقافيّة، دون إغفال تحدّي التنمية والتخلّف بكلّ وجوهه، وقضيّة الاندماج الاجتماعي الداخلي للمجتمع وتجاوز الانقسامات أو الشروخ العموديّة في المجتمع (دينيّة، قوميّة، طائفيّة) بحيث لا تشكّل تهديداً للوحدة المجتمعيّة. وثمّة قضايا وتحديّاتٍ سياسيّةٍ من طبيعةٍ أخرى، تمتاز بحدّتها وضغطها الشديد على المجتمع، كقضيّة شكل الحكم الاستبدادي والدستور المفصّل بما يناسبه. وثمّة طغيان السلطة التنفيذيّة ولاسيّما الأمنيّة على السلطتين التشريعيّة والقضائيّةً. وثمّة الفساد الذي ينخر مؤسسات الدولة وأجهزتها المختلفة كما ينخر القوانين والقيم وبالتالي المجتمع. ولا بدّ من ذكر قضية تزايد وتسارع الفرز الطبقيّ الذي يؤدي إلى توليد نخبةٍ طبقيّةٍ ضيّقةٍ بالغةِ الثراء، في مقابل ازدياد تدهور الشروط المعيشيّة لقطاعاتٍ وطبقاتٍ اجتماعيّةٍ تزداد اتساعاً. وثمّة مشاكل أساسيّةٌ أخرى أيضاً، كأزمات الأجيال الشابّة المهدّدة بالبطالة والمضطرّة للهجرة، ووضع المرأة وعدم نيلها لحقوقها القانونيّة والاجتماعيّة التي تساويها بالرجل، ومشكلة تدهور البيئة المتفاقم وتهديد الجفاف والتصحّر والتلوّث، وغير ذلك. ورغم هذا الحشد الكبير من التحدّيات التاريخيّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة، ومن زاوية موضوع هذه الندوة تحديداً، فإنّ المفارقة كبيرةٌ حقاً، حين نرى أنه لا يترتب على ذلك حراكٌ سياسيٌّ واسعٌ ومتنوّعٌ ونشيطٌ، بما يتلاءم مع اتّساع وتنوّع وأهميّة القضايا ــ الأزمات المذكورة آنفاً. إذ يفترض المنطق البسيط والحسّ العامّ أن تؤدي هذه القضايا دور الدوافع القويّة والشديدة الفعاليّة لتوليد حراكٍ فكريٍ وسياسيٍّ واجتماعيٍّ لا ينقطع، وأن يرى المراقب زخماً كبيراً لتصوّراتٍ وأفكارٍ وبرامجَ ومشاريعَ تتصدّى لمحاولة معالجة وحلّ القضايا العالقة، وأن يرى محاولاتٍ ومساعيَ لا تنقطع لتنظيم واستقطاب الجماعات والعناصر ذات المصلحة، لتأطيرها سياسيّاً ونقابيّاً ومجتمعيّاً، وأن يرى اندفاعها إلى ساحة النشاط والممارسة اليوميّة الدؤوبة في فعاليّةٍ سياسيّةٍ لا تتوقّف، لتسهم في خلق وضع سياسيٍّ ومعالجات سياسيّةٍ وقانونيّةٍ وثقافيّةٍ واقتصاديّةٍ لمختلف الشؤون التي تهمّها. ولكنّ الوضع ليس كذلك أبداً، بل إنّ الحياة والفعاليّة في مختلف الحقول المذكورة تكاد تنحصر في دائرتين، إحداهما كبيرة بالمعنى النسبيّ، هي دائرة النظام والقوى الملحقة به، والأخرى صغيرةٌ جدّاً بالمقارنة، هي دائرة قوى المعارضة المنظّمة وشبه المنظّمة. ومن خصائص الوضع السوريّ أنّ العلاقة بين الدائرتين تكاد تكون معدومةً، وأهمّ أشكال هذه العلاقة وأكثرها استمراراً ودأباً، هو محاولة الدائرة الأولى ابتلاع الثانية وإلحاقها بها أو تقييدها.. أو إلغاء وجودها كليّاً! ولا بدّ من التنويه إلى أن الفعالية في أوساط النظام مؤطرة بصورة بيروقراطية إدارية، تخضع فيها المراتب الأدنى للمراتب الأعلى كلياً، ويقتصر دورها على التنفيذ والنشاط في إطار ما هو مرسوم ومقرر لها من فوق، وتنعدم بالتالي مبادرة الأفراد وفعاليتهم الحرة (سواء في الحزب الحاكم، أو القوى المتحالفة معه، أو النقابات والمؤسسات والهيئات المختلفة للجهاز السياسي، وللدولة، بالقدر نفسه! بما في ذلك هيئات الإعلام والثقافة). أما دائرة القوى والشخصيات المعارضة، بل وحتى غير المعارضة ولكن غير السلطوية في الوقت نفسه، فوجودها يكاد يكون رمزياً، وتكاد فعالياتها تقتصر على حدود دنيا تحفظ وجودها، وتمارس في إطارها بعض النشاطات التي تأخذ طابعاً رمزياً في كثير من الحالات، ويتم من خلالها تقديم أفكار وتصورات ومواقف بشأن هذه القضية أو تلك، ويصل الأمر إلى طرح برامج عامة لمعالجة مسألة أو مجموعة من المسائل السابقة الذكر. ويندر أن يتجسد النشاط في فعالية سياسية في الشارع أو النقابة أو الجامعة أو المعمل أو الحي، أو غيرها من ساحات الفعل السياسي العام والشعبي، أما النشاط خارج دائرتي السلطة والمعارضة، وأعني المبادرات الشعبية المستقلة عن هذين الطرفين، فهو يكاد يكون معدوماً تماماً! بالمحصلة فإن هذا التساؤل عن علاقة المجتمع السوري بالسياسة، تساؤل مشروع تماماً، بل وضروري. في ظل وجود هذا الحشد من القضايا والأزمات التي تتطلب وتستوجب قدراً هائلاً من الفعل والنشاط السياسي (بأوسع معاني السياسة).. في حين يكاد الواقع يقتصر على فعالية السلطة السياسية الحاكمة، وأدوات حكمها... حصراً!

 

ــ محمد عمار(*):

بحسب تصوري لا توجد سياسة في العالم العربي ولا في سورية. السياسة كعلم ولدت منذ وقت مبكر في تاريخ البشر، فقد كتب أرسطو كتابا في علم السياسة، ولكن أرسطو وإن تحدث عن السياسة كعلم إلا أنه نظّر لمهنة من اختصاص نخبة محدودة، كما يوضح ذلك كتاب الأمير لـ مكيافللي، الذي اختص بكتابه رجلاً بعينه من هذه الطبقة. والذي نريد قوله هو إن السياسة كفكرة وجدت منذ وقت مبكر، لكن هذه الفكرة لم توضع في الاستخدام العام، ولم تتحول السياسة إلى ممارسة عامة وعمل شعبي يقوم به الجمهور إلا في الآونة الأخيرة، لقد ولدت السياسة كما نعرفها اليوم مع الحداثة الغربية، وكانت الثورة الفرنسية منارة من مناراتها، وفي الحداثة الغربية اكتشف الناس أنفسهم، واكتشفوا أن النخب التي لها الأمر والحكم لا تفوقهم في شيء، ولا يجري في عروقها دم أزرق، وليس لها صلة بالمتعالي أو نسبا له، لقد اكتشف البشر في الحداثة الغربية العقل الإنساني، ووضعوه موضع الممارسة، وأخذوا يعبرون عن آرائهم فيما يحدث لهم وما يدور حولهم، وهكذا ولدت السياسة كممارسة جماهيرية وبدأت بالنمو، وبلغت تجليها الكبير في شكلها التنظيمي المعروف بالديمقراطية، والديمقراطية إلى الآن ليست مخلوقا مكتملا، وليست عملا ناجزاً، فما زالت النخب، في أعرق البلدان ديمقراطية، تجير مصالح الأمة وإمكاناتها، لخدمة مصالحها الخاصة الضيقة، ولذلك نشهد نوعا من العزوف عن السياسة في الديمقراطيات العريقة كما في بريطانيا، تفضحه نسبة المشاركة المتدنية في الانتخابات، فيما يشبه الاحتجاج على كفاءة هذا النظام، لكن هذه العيوب لا تقلل من قيمة الديمقراطية ولا تهون من شأنها، ولا تجعل الوضع السياسي في العالم الغربي، مدانا أو حتى يمكن مقارنته بالوضع السياسي في العالم العربي، فنحن في العالم العربي لم نعرف السياسة بمفهومها الحديث بعد، لأننا إلى الآن لم نكتشف العقل الإنساني ولم يولد عندنا الإنسان، والعقل العربي أداة غير موضوعة في الخدمة، وهي مقيدة بالمحرمات والممنوعات في الدين والسياسة، ولذلك نلاحظ نوعا من الإعاقة والشلل في إدارة الشأن العام، حيث تزمن القضايا، وتجدب الحياة العامة، وتسير الأوطان مسيرة تراجعية، ويتغنى الجميع بالتاريخ وأمجاد الماضي، وتزدهر السلفية في صورة عبادة الماضي وتقديسه، في اعتراف صريح بعقم الحاضر والعجز عن الانجاز، واليأس من مقاربة الواقع مقاربة حية مجدية، حتى أن المفكر الجزائري مالك بن نبي كتب ما معناه أننا منذ خمسين عاما نسير مبتعدين عن الأهداف التي أعلناها عشية الاستقلال من ربقة الاستعمار، فالأمل بالوحدة أصبح أبعد منالا، والاستقلال المنجز لم يتم الحفاظ عليه ولم يكن تطويره ممكنا، وها نحن بعد خمسين عاما نستدعي المستعمر الذي طردناه من قبل كما حدث في العراق، والحديث عن الحرية أسفر عن عالم واسع يمتد من المحيط إلى الخليج محكوم بالقوانين الاستثنائية، وتحولت الاشتراكية إلى حكومة أوليغاركية من أشد أنواع الحكومات فسادا في التاريخ، وهذه الصورة تدمغ الوطن العربي بجميع نظم الحكم فيه، دون أن ننكر إمكانية وجود تفاوتات ملمترية بين أقطاره المختلفة، وما زال المواطن العربي محجورا عليه ممارسة السياسة في ما يشبه الحجر القانوني على السفهاء وفاقد الأهلية القانونية والشرعية، حتى أن عالمنا الثقافي والسياسي، تحكمه مسلّمة يؤمن بها جميع المواطنين إيمانهم بالله أو أشد من ذلك، وهي مقولة (نحن لا نتدخل في السياسة)، وكأنها رجس من عمل الشيطان، وتسود هذه المسلّمة، حتى في المؤسسات التي تشتغل في السياسة، كالأحزاب والنقابات، حيث أدمنت هذه المؤسسات الممسوخة على أن تكون مؤسسات استلاب وهي تعمل باتجاه واحد فقط، من أعلى إلى أسفل، حيث يردد الجميع مرعوبين ما يقال لهم، دون أن يملكوا أدنى رغبة أو قدرة على الاجتهاد أو التفكير، أو المراجعة أو حتى الاستفسار، وكأن الكائنات الآدمية تحولت إلى آلات تسجيل فقط، ويمكن قراءة ذلك بوضوح في ملامح المدافعين عن النظم العربية في الفضائيات!

في الواقع إلى الآن نحن لم ندخل في الحداثة، حتى يمكن أن ندخل في السياسة، لأن السياسة كما أشرنا هي بنت الحداثة، ولا بد من الإشارة إلى أن زمن النبي محمد، شهد محاولات لتدشين السياسة كممارسة جماهيرية، رغم وجود النبي والوحي، والحوادث عديدة ومشهورة، وفي تصوري أن هذا مبرر ومشروع لأن القرآن شكل حينها حداثة كبيرة، فهو يلح على العقل إلحاحاً منقطع النظير، ويؤكد المسؤولية الإنسانية في صناعة التاريخ، لكن الأحداث التي تلت عهد النبوة وعهد الراشدين، أعادت القيمة للقوة، فتحولت الخلافة الراشدة إلى إمبراطورية قومية على يد الأمويين، وأعيدت السياسة كي تصبح من اختصاص النخب أو بحسب مصطلح فقهاء السلطان الذي جيروا القرآن لخدمة السلطان (أولي الأمر)، وتم القفز على الرأي العام وتجاوزه، وأصبحت الممالك تدار كما تدار الآن، على طريقة المزارع الخاصة، حيث هناك بعض الموظفين التكنوقراط، الامتثاليين في المواقع التنفيذية الصغرى، يسهرون على تنفيذ مقتضيات الإرادة (السامية المتعالية) غير القابلة للنقاش والمراجعة، وجموع من الدهماء يخضعون لهذه الإرادة، وليس لهم من حق سوى السمع والطاعة، رغم أنهم يدفعون الأثمان الكارثية للسياسة الناتجة عن هذه الإرادة (السامية).

 

السؤال الثاني: العزوف عن السياسة ظاهرة متفق عليها بين معظم المهتمين بالشأن السياسي السوري، متى بدأت هذه الظاهرة برأيكم؟

 

ــ جودت سعيد:

هذه الظاهرة بدأت مع ابني آدم، مع الذي يؤمن بالعضل {لأقتلنك}، والذي يؤمن بالعقل {لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك}.

وقد بدأت أيضاً قبل عشرة آلاف سنة، حين تعلم الإنسان الزراعة، وأنا أفهم الشجرة المحرمة في القصة الرمزية في القرآن، رمزاً لدخول الإنسان الحياة الزراعية، لأن الإنسان كان كبقية الكائنات الحية لا ينتج غذاءه، ويعيش مع الالتقاط والصيد، ولما تعلم الزراعة وجدت الشجرة المحرمة الشجرة التي زرعها الإنسان صارت ملكاً له، وهنا ولد القانون والعدل والمسؤولية وولدت أولى مكتسبات العقل، وضرورة القانون، والدخول من القانون إلى الحرام، وصارت السرقة وصارت ضرورة الزكاة، وولد الفساد وسفك الدماء، وكان عدم وضوح معنى الحرام سبباً لولادة شريعة الغاب. القوي يأكل الضعيف، وإلى الآن يسود شعورنا أن القوي له الحق في الأموال والأنفس. هذا الاستسلام للقوة سبب العزوف عن بحث المشكلة بشكل عقلاني. فمثلاً نحن في سوريا أهدافنا: وحدة حرية اشتراكية. ولو رتبناها حسب الأولويات نقول: الاشتراكية، ثم الحرية، ثم الوحدة.

1 ـ العدالة مع الأموال

2 ـ الحرية مع الأفكار

3 ـ التعاون على إقامة العدل العام بين البشر جميعاً {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل}.

{كان الناس أمة واحدة (ولايزالون)، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين}، مبشرين بالعدل، ومنذرين عن الظلم، والبشر يائسون من إمكانية التغيير من الظلم والاستلاب إلى العدل والإحسان، فالأنبياء جاؤوا للتنافس في العدل والإحسان، والناس يائسون وقانطون من إمكانية إقامة العدل والإحسان من أصغر دولة حتى الأمم المتحدة. القوة هي المرجع وليس العقل، ولكن التاريخ يعلمنا أن الزبد يذهب جفاء وما ينفع الناس يمكث في الأرض. لقد أمسك الإنسان النار بعقله ثم تعلم إيقادها، وبعد زمن طويل صارت النار بخاراً وقطاراً وطائراً. وتعلم الإنسان الزراعة وتربية الحيوان، ثم بدأ يتعلم معنى العدل والظلم، فابتكر الديمقراطية بشكل محدود، ولكن كل شيء ينفع الناس سيمكث في الأرض، النار صارت في كل مطبخ، وأمسك الإنسان الرعد والبرق، وبدأت الكهرباء تدخل في كل الدول وإن لم تصل إلى كل البشر، والديمقراطية ستعم البشر، وستصل إلى الأمم المتحدة، والديمقراطية من ابتكار العقل وهي الرشد الذي فقده المسلمون بسرعة، وجاءهم كأمر خارق وليس على أساس العقل، وكل ما يبتكره العقل مما ينفع الناس جميعاً سيمكث في الأرض.

ورصيد الديمقراطية هو وعي الشعوب وإيصال المعلومات إلى كل الناس والذين لا يبذلون أقصى الجهود في إيصال المعلومات الضرورية ولم تصبح آلية توعية الناس بيدنا تامة الوضوح، وهذا هو الذي يجعلنا نتساءل بهذه الأسئلة، ونحاول الإجابة بأكبر الوضوح وأسهل الطرق وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، والأنبياء جاؤوا للتنافس في هداية الناس واستباق الخيرات والذين يستلبون عقول الناس بالتخويف حريصون على كتم الأنفاس، ولا يزال أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون، وفي مواجهة هذا التحدي نعمل ضد من يريدون أن يطفئوا نور الله، والله متم نوره ولو كره الكافرون.

 

ــ حبيب عيسى:

سأجيب بسرعة هذه المرة، فأنا أختلف مع الذين قالوا إن المجتمع العربي عامةً، أو المجتمع العربي في سورية بشكل خاص، لم يكن في يوم من الأيام مجتمعاً سياسياً، أو أنه لم تكن هناك محاولات لإقامة دولة مؤسسات في سورية، وفي غير سورية من الأجزاء العربية. ذلك أن هناك محاولات جادة فعلاً ترافقت مع مرحلة النهوض، سواء على صعيد بناء دولة مؤسسات، أو على صعيد بناء مجتمع مؤسسات مدنية. إن جهوداً مضنية بذلها أبطال وروّاد لبناء مؤسسات دولة، أو لإقامة أحزاب سياسية، ومؤسسات مجتمع مدني في سورية، وفي الوطن العربي، والدليل أن الاستبداد لم يتمكن من بسط سطوته على المجتمع العربي، إلا بعد أن دمّر مؤسسات الدول، كما دمّر مؤسسات المجتمع، وقد قدّم المجتمع العربي ضحايا هائلة، إن كان على صعيد المعتقلين السياسيين، أو على صعيد الشهداء، وإن كان على مختلف الأصعدة الاجتماعية، والاقتصادية. وإذا كان الاستبداد قد كسب المعركة لأسباب تتعلق بخلل خطير في ميزان القوى، فإن الأمة لم ترفع الراية البيضاء، بدليل قوافل الشهداء التي لم تتوقف، وبدليل آلاف المناضلين من أجل الحرية في سجون السلطات "العربية"، وبدليل أننا هنا على هذه الطاولة نبحث في أسباب ابتعاد المجتمع العربي عن السياسة، وكيف يعود؟. وهذا دليل على أن المجتمع العربي كان سياسياً أو على الأقل، كان بالاتجاه الصحيح ليكون كذلك. صحيح أن الدولة كمؤسسات لم تصل إلى المستوى الرفيع الذي يجب أن تكون عليه، وصحيح أيضاً أن الأحزاب لم تتقيد بالمفهوم العام للبناء المؤسساتي كما يجب أن تكون، ولكن المجتمع العربي بالكامل كان يسير بهذا الاتجاه، إلى أن قطع الاستبداد الطريق، الآن، وبعد أن أمسك الاستبداد بمفاصل الدولة والمجتمع، باتت مؤسسات المجتمع المخترقة، ومؤسسات الدولة المستلبة، تسير بالاتجاه المعاكس، وبما يتعلق بالسؤال عن مؤسسات الدولة، وحالتها الراهنة، فإن تلك المؤسسات كانت في طليعة المؤسسات التي ذُبحت بعملية الاستبداد. الآن، لم يعد هناك مؤسسات دولة في الوطن العربي، وإنما دولة فلان الفلاني، كما لم يعد هناك مؤسسات حزبية، في الوطن العربي، وإنما حزب فلان الفلاني، كما لم يعد هناك مؤسسات مجتمع في الوطن العربي، حتى المؤسسات الدينية، والمذهبية باتت جماعة الشيخ الفلاني، أو المطران... الفلاني. كذلك فكرة الموظف العام، الممثل للهيئة الاعتبارية المكتفي من دخله المشروع، ُضربت في الصميم، وبات يستجدي الرشوة من أي مصدر..، وانتفت معايير الكفاءة في شغل المناصب الهامة، وحل محلها معيار الولاء للأجهزة المتنفذة، بمعنى أن أكبر موظف عام في الدولة، يتم تقرير مصيره بعيداً عن معيار الكفاءة، وبالتالي، باتت المناصب الرسمية، مناصب شكلية، وإشكالية، فالموظف العام، مجرد واجهة بينما القرار الحقيقي في مكان آخر، وبالتالي بات الموظف العام مهما كان منصبه رفيعاً، مجرد عامل سكرتاريا لقوى خفية. ... نحن الآن حقيقة، في الوطن العربي نفتقد مؤسسات دولة، بالمعنى الحقيقي، فالمستبد في الوطن العربي، يتصرف بالبلاد والعباد، تصرف المالك بملكه، بالمقابل ردة الفعل على ذلك تمثلت في تغييب مؤسسات المجتمع الحزبية، وغير الحزبية، فغاب الفعل الإيجابي، وبات المجتمع أسير ردود الأفعال السلبية من هذا الطرف، أو ذاك. فإذا كانت السلطة متهمة بالطائفية، تقابل بطائفية أخرى، والطائفية هي الطائفية، سواء جاءت من فوق، أو جاءت من تحت، وإذا كانت السلطة تمارس العنف على المجتمع، فإنها تواجه أيضاً بعنف مضاد، من تحت، والعنف هو العنف من أي مصدر كان. باختصار شديد، فقد افتقد المجتمع العربي القوى المجتمعية، المؤسساتية الفاعلة. لا أحزاب مؤسساتية، لا منتديات، لا حريات عامة، لم تعد هناك قوى حية في المجتمع العربي. الآن مطلوب أن يعود ذلك المشروع النهضوي بحلة عصرية إلى التفعيل، ليستعيد المجتمع العربي حيويته، وهذا يبدأ من المراجعة الجدية. الكل مطالب، الآن، بهذه المراجعة، فمن الهام أن نعرف لماذا انتصروا علينا في الجولة السابقة ؟ لكن الأهم أن نعرف لماذا هزمنا تلك الهزيمة النكراء؟. لماذا نحن في هذا الموقع؟ لماذا وصلنا إلى هنا؟ والأهم كيف يمكن أن نخرج مما نحن فيه؟.

ــ عارف دليلة:

هل هناك عزوف عن السياسة في الوطن العربي؟ ظاهر الأمر يقول: نعم.

أما في حقيقة الأمر فهناك، برأيي، جوع حبيس إلى السياسة أي إلى المشاركة في الشأن العام، ويصل احتباس هذا الجوع حد التفجر، كما يظهر للعيان، هنا أو هناك، بين وقت وآخر.

فبما أن السياسة هي الاهتمام بكل ما يحكم حياة الفرد والمجتمع والدولة، فلا يختلف الناس في نزوعهم السياسي، وإنما يختلفون في أساليب ممارساتهم السياسية التي تتأثر بمستوى نضج الوعي والتجربة والتنظيم، وتتوقف على الظروف التي تتحكم بهذه الممارسات: إن السلطات التي تعتبر أن مهمتها الأولى هي منع عامة المواطنين (الشعب) من أي مشاركة أو نشاط حر يعكس اهتمامهم بشؤونهم العامة (الخاصة، في الحقيقة)، لكي يتفرغ أفرادها بأمن وسلام (أو ما تسميه: استقرار) لشؤونهم الخاصة، التي يأتي على رأسها إشباع الحاجات، بل الشهوات الناشزة، غير القابلة للإشباع، تحقق في الواقع شيئين:الأول، هو تعميق وتكريس الواقع البائس الفاسد وتأبيد الانحطاط والتخلف وتثبيت الهزائم وإدامتها، لأنها، لوحدها، حتى لو أخلصت لواجباتها على أفضل شكل (وهو ليس واقع الحال بالضرورة)، لا تستطيع تحقيق شيء بدون مشاركة الشعب الحيوية الجماعية الحرة، والتي تتناسب طرداً مع استعدادات وإمكانات كل فرد، والثاني، تضخيم شدة الاحتباس حتى يأتي الانفجار شاملاً مدمراً لكل شيء، مما يسهل على القوى الخارجية المعادية تحقيق انتصارات باهرة بشكل مجاني مستفيدة من شمول حالة الإحباط والانحلال وانصراف الناس عن واجباتهم الوطنية تحت ضغط الإكراه والقمع والإرعاب والتهميش.

في عالمنا المعاصر تعتبر المشاركة السياسية هي أنجع الوسائل لإحياء طاقات الناس الفردية والجماعية واتجاهها نحو تحقيق تطورات إيجابية ملموسة في حياتهم العامة والخاصة. ولا يستطيع الناس أن يشاركوا في الشأن العام إلا في ظروف الاعتراف بالآخر واحترام حرية الرأي والتعبير والتنظيم والإعلام وتنشيط المجتمع الأهلي والمدني والمساواة أمام القانون، ويحتاج ذلك قبل كل شيء إلى تكريس استقلال السلطات واعتماد مبدأ تداول السلطة. وتعتبر تجربة معظم شعوب أمريكا اللاتينية خلال ربع القرن الماضي في التحول من "جمهوريات موز ديكتاتورية" و"حديقة خلفية للبيت الأبيض" إلى جمهوريات وطنية ديمقراطية تعددية حرة مثلاً ناجعاً أمام الأمة العربية يؤكد على إمكانية نهوض الشعوب نحو بناء ديمقراطيتها بأيديها، وبالأخص تلك الني برهنت بالأمس على قدرتها على التحرر من الاحتلال المباشر. كما يؤكد على الأثر الإيجابي لذلك على التعاون الإقليمي، والذي نعبر نحن العرب عنه بالوحدة العربية، التي ما تزال إمكاناتها واحتمالاتها تتراجع لدينا منذ ظهور شعارها في العقد الأول من القرن العشرين، مرورا بالتجربة الوحدوية المخيبة للآمال القومية في أواسطه. إن السلطات العربية تتسابق اليوم لإقامة مناطق التجارة الحرة مع دول غير عربية ومع الاتحاد الأوربي وللدخول في منظمة التجارة العالمية، ولكن، ورغم دخول منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى حيز التنفيذ منذ سنوات عدة، فإن التجارة العربية البينية ما زالت محدودة جداً. ودون أي تحسن يذكر، لأن الحركة الأهم بين الدول، وهي حركة البشر، ما زالت هي الأكثر صعوبة عبر الحدود العربية التي كانت قد رسمتها (على الرمال، حسب تعبير الروائي السوري الراحل هاني الراهب) القوى الإمبريالية والصهيونية في مطلع القرن العشرين، هذا في وقت تفتح فيه هذه الحدود على مصراعيها أمام غير العرب، بمن فيهم، بل وعلى رأسهم، الذين يحملون في حقائبهم ورؤوسهم خطط الهيمنة والاحتلال والنهب والتخريب والتجزئة والإفساد. والسؤال: هل يعتبر هذا كله بعيداً عن مسالة السلطة السياسية، أم على العكس، يشكل صلب هذه المسالة، جنباً إلى جنب مع السياسات التنموية الاقتصادية والاجتماعية الداخلية؟

إذن، لا يختلف الادعاء بالعزوف عن السياسة عن ادعاء الأنظمة بنقص نضج الشعوب والمواطنين لممارسة الديمقراطية. والادعاءان يضعان المسؤولية على كتف السلطات الحاكمة التي، بدلاً من أن تسمح بالتنمية السياسية أو تحرر التجربة، على الأقل، ليتعلم الناس من خلال التجربة والخطأ المشاركة الصحيحة في الشأن العام، تقوم، على العكس، بإنشاء عشرات أجهزة القمع التي توظف ربع القوة العاملة في البلاد لينفق عليها من الدخل القومي ما كان كفيلاً بإلغاء الفقر نهائياً خلال سنوات قليلة. ثم نتساءل: هل هناك عزوف عن السياسة؟

 

ــ عبد العزيز الخير:

لا بد أولاً من تسجيل التحفظ على تعبير (العزوف عن السياسة) الذي أرى أنه يعطي انطباعاً خاطئاً عن الواقع، فالشعب السوري يميل بطبيعته إلى السياسة ويشكل الحديث عن الشأن العام والوضع السياسي مادة أساسية مرغوبة دائماً في مختلف اللقاءات الاجتماعية، أو هكذا كان الأمر على مدى عقود على الأقل (العقود السادس والسابع والثامن من القرن الماضي). والحقيقة بالتالي هي أن هناك إقصاءً عن السياسة، وتضييقاً شديداً على ممارستها، وليس عزوفاً طوعياًُ عنها، وهو ما سيتضح لاحقاً عند التطرق إلى أسباب الواقع الراهن. بدأت ملامح اللوحة الراهنة تتأسس عام /1958/، حين اشترط نظام جمال عبد الناصر حل الأحزاب السياسية لإقامة الوحدة المصرية ــ السورية، فقضى بذلك على "الجهاز السياسي" للمجتمع السوري الذي يختلف عن شقيقه المصري بأن الحركة فيه تأخذ شكل حركة مؤطرة ومنظمة في أحزاب تقود جماهيرها، وليس شكل حركة عفوية شعبية واسعة يقودها زعيم فرد كما هو غالباً في التاريخ المصري. وزاد من خطورة هذه الخطوة وآثارها السلبية تعرض الحزب الشيوعي الذي رفض حل نفسه، لقمع معمم أودى بالآلاف من أعضائه وأنصاره إلى السجون حيث تعرضوا لتعذيب وحشي وصل حد الاغتيال (الشهيد فرج الله الحلو)، كما تعرض الإخوان المسلمون للتضييق والملاحقة بدورهم، مما أرسى بالمحصلة السابقة الأولى الواسعة للقمع الاستثنائي (الذي سيصير هو القاعدة في مرحلة الثمانينات من القرن نفسه). وللإنصاف التاريخي، لا بد من الإشارة إلى أن قمعاً واسعاً كان قد مورس بحق الحزب القومي السوري الاجتماعي عام /1954/، إثر اغتيال عدنان المالكي، إلا أنه كان أقل قسوة وشمولاً مما عرف إبان الوحدة السورية ــ المصرية.
في عام /1962/، أعلن حكم الانفصال الأحكام العرفية في البلاد، ومنذ ذلك الوقت حرصت أنظمة الحكم المتعاقبة، حتى اليوم، على تجديد هذا الإعلان، وممارسة سلطتها بالاستناد إلى حالة الطوارئ الدائمة والشاملة! ومنذ ذلك الحين، أصبح سيف التوقيف العرفي والتعذيب والسجن مسلطاً على رقاب كل المواطنين والمجموعات والقوى والأحزاب والجمعيات، في حال الإقدام على أي نشاط اجتماعي أو ثقافي أو سياسي أو نقابي أو غير ذلك، إذا رأى النظام القائم في ذلك النشاط ما لا يروق له! وصار كل تجمع يصل إلى ثلاثة أشخاص ممنوعاً بحكم منع (التجمعات) ويمكن أن يعرض المشاركين فيه للمساءلة والمنع، وربما ما هو أكثر من ذلك!! وقد عزز الحكم العرفي لاحقاً بمجموعة من المراسيم والقوانين الاستثنائية التي تندرج فيها تهم ضبابية قابلة للتأويل وفق هوى السلطة ومصالحها (مثل: إضعاف الشعور القومي، إيهان عزيمة الأمة، تسريب معلومات إلى الخارج – أياً يكن هذا الخارج، عربياً أو غير عربي، وأيا تكن تلك المعلومات تافهة وعديمة القيمة، حتى ولو كانت منشورة في صحافة النظام وجرى إرسالها إلى صحيفة عربية في لبنان أو الخليج!!!-) وتؤدي إلى الحكم بمدد سجن تطول وتقصر (من عدة شهور إلى بضعة سنوات)، إثر محاكمات شكلية أمام محاكم استثنائية معتمدة (المحاكم الميدانية ــ محكمة أمن الدولة ــ المحكمة الاقتصادية) دون توفر فرصة فعلية للتقاضي العادل، والدفاع وتوثيق التهم وتعليل الأحكام!! وبلغت هذه الأوضاع الاستثنائية ذروتها في العقد التاسع /1980-1990/حيث صار القمع المعمم والاستثنائي هو القاعدة. وحيث بات ينظر إلى كل فكرة أو مبادرة أو رأي أو نشاط شخصي أو عام، سياسي أو ثقافي أو أدبي أو فني أو شبابي أو حتى رياضي، بصفته نشاطاً مشبوهاً ومعادياً يستوجب التحقيق والمساءلة (وما قد يتبعها)، ما دام قد انطلق من مبادرة أتت من خارج مؤسسات السلطة وأجهزتها. وحيث بلغ عدد المواطنين الذين تعرضوا للمساءلة والتوقيف والتحقيق أرقاماً مرعبة بالنسبة للمجتمع السوري (لا تقل أكثر التقديرات تفاؤلاً عن مئة ألف مواطن، ويذهب بعضها إلى أكثر من ضعف هذا الرقم)، وتعرض عشرات الآلاف لتجربة التحقيق والتعذيب والسجن المديد. وقد حدثت هذه القفزة الواسعة في شمولية القمع وقسوته جراء الصراع المسلح والدموي بين الإخوان المسلمين والسلطة (1977-1982) والذي أودى بالمحصلة بحياة آلاف المواطنين، وفتح أبواب القمع المعمم على مصاريعها، أثناء وبعد المواجهات المسلحة، ليشمل لا الإخوان المسلمين ومن تحالف معهم فحسب، ولكن أيضاً كل القوى والاتجاهات والمواطنين الذين اعتبرهم النظام (غير موالين)، بما فيهم أولئك الذين كان لهم مواقف مناهضة معلنة للإخوان المسلمين ومشروعهم، ولكنهم رفضوا أن يندرجوا في حلف النظام ويخضعوا لآلياته في التطويع والإلحاق (حزب العمل الشيوعي مثلاً). وجراء ذلك، وفي مرحلة الثمانينات بالذات، تجمدت الحركة السياسية والثقافية والنقابية السورية تماماً، وأقصي الشارع والمجتمع بكل أطيافه وفعالياته عن ساحات النشاط المستقلة، واحتكرت الساحة تماماً من قبل النظام ومؤسساته، وتركت للقوى الملحقة به هوامش شديدة الضيق والهزال، تتحرك فيها، بالانسجام والتوافق مع ما يقرره النظام ويرسمه، حصراً! وما تزال نتائج وتبعات تلك المرحلة الدامية ترخي ظلالها الثقيلة إلى اليوم على واقع المجتمع السوري وعلى علاقته بالسياسة، رغم أن مياهاً كثيرة قد مرت تحت الجسر خلال ربع القرن الماضي، لاسيما في السنوات العشر الأخيرة، إلا أن عافية المجتمع ومبادرته المفترضة، لم تُستعد بعد، وما زالت عودته إلى حيويته السياسية بحاجة إلى جهود كبرى، وتطويرات كبرى في الواقع الملموس، وفي الإطار الدستوري والقانوني الناظم للحياة السياسية، لاسيما أن الحكم العرفي ما زال على حاله (دستورياً وقانونياً)... وإلى حد بعيد، في الممارسة!

 

ــ محمد عمّار:

أرجو أن تقبلوا تسجيل تحفظي على صيغة هذا السؤال، إن ما يوجد عندنا في الواقع العربي أو في الواقع السوري، ليس عزوفاً عن السياسة، إنما هو انعدام للحالة السياسية، وهذا ما حاولت قوله في إجابتي على السؤال الأول، إن لفظ عزوف عن العمل السياسي يصلح لتوصيف الوضع في بلدان عاشت الحالة السياسية كما هو حال البلدان الأوربية، حيث يشاهد فيها اليوم نوع من العزوف عن المشاركة السياسية، تفصح عنه نسبة المشاركة المتدنية في العملية الانتخابية، كما ألمحت إليه في جوابي عن السؤال الأول، أما عندنا فالوضع مختلف تماما.

إن الحالة السياسية لم تولد في مجتمعاتنا، حتى نقول أن المجتمعات قد عزفت اليوم عن المشاركة السياسة، ربما أفرزت حرب الاستقلال التي صنعتها الجماهير نوعا من الإحساس غير الواعي بدور الجماهير وتأثيرها في الحالة العامة، لكن النخب السياسية والعسكرية التي أدارت البلاد بعد رحيل المستعمر، لم تتصرف بالتركة الاستعمارية حتى لا نقول الموارد الوطنية بطريقة مسؤولة، فحتى المؤسسات التي ورثناها عن المستعمر بدل أن تطور لتخدم الكل الوطني، تم تدميرها لتصبح مؤسسات ميتة كالمستحاثات التاريخية، ليس لها من وظيفة إلا تأمين شرعية منقوصة للمستبد! لقد ورثّنا المستعمر جميع مؤسسات الدولة، ورثنا القضاء، والجامعة، والبرلمان، ومؤسسات العمل السياسي كالأحزاب والتشكيلات النقابية والأندية والاتحادات، لكن لم نتمكن من المحافظة على هذه المؤسسات ناهيك عن تطويرها، ولذلك أنا أقول في السياسة خلاف ما يقوله الدكتور عبد العزيز. السياسة كما أتصور فعل ثقافي بالدرجة الأولى، والحالة السياسية هي وليد شرعي للحالة الثقافية، والإنسان الذي لا يعي إنسانيته، لا يعرف ماله من حقوق ولا ما عليه من واجبات، لن يفلح في تحصيل حقوقه، ولن يتمكن من إنجاز واجباته.

والمواطنة كما أفهمها هي نظام من الواجبات والحقوق، بغير ذلك يضيع معنى المواطنة، ومن ثم يضيع معنى الوطن، كما هو حاصل الآن في واقعنا، لذلك أعيد وأكرر أن الحالة السياسية لم تولد في مجتمعاتنا، ربما بعد خروج المستعمر حدث شيء وهو ما يلمح إليه الأخوة، على اعتبار أنه حالة سياسية! لكنه من وجهة نظري شيء يشبه تماما ما يحدث في أحد الصفوف المدرسية، حيث يحافظ الصف على انضباطه حتى بعد مغادرة المعلم الصف، ولكن ليس لوقت طويل، هذا لا أستطيع أن أسلم أنه حالة سياسية واعية، ولو كانت الحياة السياسية قد بدأت عندنا لما أمكن لها أن تنطفئ بهذه الطريقة، ليس لدي دراسة دقيقة للواقع السياسي، لسوريا قبل الحكم العسكري، الذي دشنه الجنرالات، لكن من معلوماتي القليلة أذكر أن الحزبين الأكثر شعبية في تلك الفترة، والذين تداولا السلطة بعد الاستقلال (حزب الشعب والحزب الوطني) كانا تجمعين إقليميين إلى حد بعيد، (واحد للحلبية وآخر للشوام)، والبعثيون القوميون لم يبلغوا الأربعة آلاف حتى الانقلاب العسكري في الثامن من آذار، ربما تمكن عبد الناصر بمهاراته الخطابية، ومواقفه الشعبوية التي لعبت بعواطف الجماهير الملتهبة بتأثير ملابسات الاستقلال، والاستشارات التي كان يقدمها ساحر الملك محمد حسنين هيكل من اكتساب شعبية كبيرة بين الجماهير، لكنه بكل أسف ومرارة وظف ذلك في إلغاء السياسة في مصر وبعد ذلك في سوريا، وتدشين حكم الطغاة والمستبدين في فترة ما بعد الاستقلال، فتحول ممثل الشعب في البرلمان الذي أصبح مجلس شعب إلى شاهد زور لا يملك إلا حق الموافقة، وأصبحت هذه المؤسسة كما هي اليوم، مخلوقا طفيليا ليس له وظيفة وليس أكثر من ديكور شكلي لا يتدخل في الحياة العامة من قريب أو بعيد إلا إذا أوحى إليه الطاغية بذلك كما شاهدنا في البرلمان العراقي بعد احتلال الكويت، وتم السطو على الجامعة والجامع ليتحولا إلى شاهدي زور بلا شكر ولا أجر للاستبداد، فيما سمي يومها زورا بإصلاح التعليم، وكذلك حدث في مؤسسة القضاء وسلطة القضاء، فقد شهدت مصر مثلما شهدت باقي الدولة العربية تحطيم هذا الإرث الاستعماري فتم في مصر العبث بمؤسسة القضاء، فيا يسميه الأخوة في مصر بمذبحة القضاء، هذه المذبحة التي حدثت مثلها مذابح للقضاء في كل بلد ورث نظاما قضائيا من عهد الاستعمار.

ولعلكم تابعتم ما يحدث الآن في باكستان من صراع بين الطاغية والقاضي، بين المؤسسة العسكرية والمؤسسة القضائية، بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، بين القوة والقانون، بين شودري وبين مشرّف، إن المؤسسة العريقة التي تدعم شودري ــ هي في الواقع ــ وريثة التقليد الأنجلو ساكسوني العريق في القضاء، والدكتاتور الذي هو منتج الثقافة المحلية، يحاول أن يتخلص من آخر بقايا الإرث الاستعماري، ليتحول إلى حاكم بأمر الله، وهذا المعركة حدثت في كل البلاد العربية وحسمت لصالح الطاغية، فقد ابتلعت السلطة التنفيذية كل السلطات أو كما يقولون استولت السلطة على الدولة والمجتمع! ماذا بقي من الجمهوريات في العالم العربي؟ لم يبق منها إلا الاسم، ولم يعد للجمهور مكان في الجمهوريات، في الحقيقة لا توجد جمهوريات في العالم العربي، الذي يوجد في العالم العربي، هو نوع من حكم المماليك التاريخي يتجدد الآن، أنا أسميه حكم المماليك الجدد، في الواقع النموذج الملكي العربي المطلق السلطات هو امتداد طبيعي لنموذج الخليفة المطلق السلطات القديم، أما الحاكم العسكري الجديد الذي يستولي على الحكم بقوة الجيش ويحافظ عليه بقوة العسكر والمخابرات فهو النموذج الجديد المعاصر من حكم المماليك التاريخي المعروف.

فنحن في العالم العربي لم نتمكن من صناعة عالم ثقافي ينتج حالة سياسية، تفرز بدورها سلطة تؤمن بالسياسة أو تفهم السياسة أو تعرف التنافس السياسي، وكل القوانين مثلاً حتى الدستور في سورية مثلا، الدستور الذي وضعه الجنرالات الانقلابيون أنفسهم، لم يوضع موضع التطبيق وما زال معلقا لصالح الأحكام العرفية حتى تاريخه، ورغم أن كل من يقرأ هذا الدستور يشعر أن دستور الجمهورية نكوص عن دستور حزب البعث، الذي وضعه المثقفون قبل أن يتورطوا بالتحالف مع قوة الجيش التي كانوا أول ضحاياها، فالدستور الذي وضعه المثقفون البعثيون، له آفاق إنسانية، وفكرية، وسياسية واجتماعية أرحب كثيرا من دستور الجمهورية، ويمكن أن نستشف بيسر أن دستور الجمهورية صُمم لصناعة الاستبداد، فقد تم تحجيم جميع السلطات لمصلحة رأس السلطة التنفيذية، الذي أعطي صلاحيات لا مثيل لها، وحتى هذا الدستور الذي فصل على القياس ورغم قابليته للقص واللصق والحذف والإضافة كلما دعت حاجة النخب، ورغم ذلك لم يعط الفرصة كي يوضع في التنفيذ، لقد عجزت النخبة العسكرية التي فصلته ومواده بما يلائم وضعها ويلبي احتياجاتها، لم تتمكن من وضعه في الممارسة العملية، وفيما يتعلق بمنظمات المجتمع المدني والأحزاب، أعتقد أنه لا توجد فعلاً مثل هذه المؤسسات عندنا، وإن وجدت أجسامها، حتى أعرق الأحزاب وأكثرها (تقدمية) في لحظة من اللحظات، الحزب الشيوعي السوري.

 

ــ ناصر الغزالي (مقاطعاً):

أنا قصدي، دكتور محمد، ليس إذا كانت تلك المؤسسات موجودة أو غير موجودة، السؤال: كيف تؤدي هذه الأحزاب إن وجدت أو منظمات المجتمع المدني والأهلي دورها في تفعيل العمل السياسي أو إقناع المواطن بعودته للسياسة؟

 

ــ محمد عمار:

أنا بتصوري هذا متوقف على وعي المؤسسات والقائمين عليها لمعنى المواطنة ودورهم كمواطنين، وموقعهم في الوطن، هذا الفهم وحده هو القادر على أن يحدد الآفاق التي يتطلعون إليها، ويمّكنهم من القيام بواجباتهم، وممارسة أدوارهم، يجب أن يفهم المواطن أن معنى المواطنة يعطيه حقوقا أصيلة، فوجوده في بلده، ليس نوعا من اللجوء، وما يحصل عليه من حقوق ليس منحة ولا مكرمة، يجب أن يفهم الجميع أن الدستور رغم تحفظنا على بعض مواده، يعطي الجميع حقوقا متساوية، من أبسط إنسان إلى رئيس الجمهورية، فمعنى الجمهورية: نظام الحكم الذي يقدر الجماهير ويقدس مصالحهم، الجمهورية هي دولة الجمهور الحر، وليست دولة النخب والأمن والمواطن المقموع المرعوب الذي يمشي الحيط الحيط ويقول يا ربي الستر، يجب أن نملأ هذه الكلمة الخاوية بالمعنى، وذلك عبر الممارسة، وليس مجرد الحديث، يجب أن يفهم المواطن العربي أن السلطة ليست مصدر الشرعية، بل هي تحتاج منه أن يمنحها الشرعية، ولذلك عليه أن يكون له موقف غير النفاق والاستجداء، في كل مرة يطلب منه رأي، وهذا يحتاج لوعي دستوري حقوقي مختلف غير متوفر في واقعنا الحالي، ولذلك أقول: علينا أن ننتج حالة ثقافية تنتج الحالة السياسية التي نرغب فيها، قرأت في الجزيرة نت أن منظمات حقوق الإنسان في مصر رغم الأجواء الخانقة التي تعمل فيها تمكنت من أن تجعل ثقافة حقوق الإنسان، أو مصطلح حقوق الإنسان، أكثر المصطلحات شعبية في مصر، وهي خطوة باتجاه انجاز ثقافة يمكن أن تنتج حالة سياسية، وهذا أفق مختلف عمن يعيش عهد مكرمات السلطان وعطاياه، وإن كنت في جميع الأحوال أحب أن نعمل على إنتاج ثقافة تقدس وتعظم واجبات الإنسان، أكثر مما تقدس حقوقه، لأننا في لحظة بناء، ولحظات البناء تحتاج للبذل التضحية والعطاء، وليس للاستحواذ والمحاصصة كما حدث في بعض مؤسسات المعارضة، وكما حدث في فلسطين والعراق، حيث يضيع الوطن تحت وطأة الامتيازات الفصائلية والشخصية في الأحوال كلها أرجو أن تقبلوا تحفظي الشديد على أننا مارسنا السياسة أو عشنا حالة سياسية، أعيد وأكرر وأنا متمسك بهذا الموقف، نحن لم نمارس السياسة بل نحن لم نذق طعم السياسة ولم نشم رائحتها. البعثيون أكثر من مارس (السياسة) في المنطقة! وكيف مارسوها؟ وصلوا إلى القصر الجمهوري بالدبابة، وتحدوا على لسان وزير الدفاع السابق أن يخرجهم أحد من القصر بالدبابة! هذه ليست سياسة، وجميع الفرقاء كانت لهم نفس الطموحات ونفس الخطط، لكن ميزة البعثيين أنهم سبقوا فما لحقهم أحد، هذه ليست سياسة إطلاقاً، وليست سياسة أن نؤسس أحزابا لها أذرع عسكرية، ربما لم تكن حالة الجميع، ولكنها حالة الغالبية، ومن لم يشكل جناحا عسكريا فلعجزه ونقص موارده، وليس لوضوح في الرؤية والقدرة النظرية والعملية على الفصل بين العنف والسياسة. كل من يؤمن أن الحكم يمكن صناعته بالقوة لم يشم رائحة السياسة ولن يشمها أيضا، وعندما تصل بالعسكر إلى الحكم، لن تستطيع الاحتفاظ بالحكم من غير العسكر، وعندها ستصبح أسيرهم وأسير قوتهم، فالحراب كما يقول توينبي (لا تصلح أن نجلس عليها)، وهذه الحالة ليست سياسة بل إلغاء للسياسة وتكريس لغيابها لمصلحة العنف، مصطلح سياسة في اللغة مصطلح فني أقرب إلى الجهد العقلي منه إلى الجهد العضلي، لكننا إلى الآن لم نتمكن من صناعة مناخ عقلي يسمح لنا بالمراجعة وإعادة النظر، والتطلع إلى آفاق جديدة في العمل الوطني. ما زلنا مسكونين بآلام الماضي وأثمان العنف الذي لم تكن السلطة المتورط الوحيد فيها، وإن تكن قد مارست أسوأه، واستغلت الأوضاع لتبطش بالجميع، لكن علينا أن نعترف أننا لم نتمكن من صناعة مناخ نظيف ينتج السياسة ويقصي العنف والعسكر.

 

 لقد تنفست السلطة الصعداء لما حولنا ساحة العمل السياسي إلى ساحة حرب، فهي التي تمتلك السلاح الشرعي الجيد، وتمتلك الجيش المدرب والمؤسسات والموارد، وجميع ذلك تم وضعه في خدمة النظم، بحجة الدفاع عن الوطن، وتركت حدود الوطن وأجواؤه هملا مشاعا، ونحن جميعا شاركنا في صناعة هذه الحالة غير الوطنية عندما قدمنا للنظم، كل الحجج والمبررات، في غير مكان من وطننا العربي الكبير.

 

السؤال الثالث: إلى ماذا يٌعزى هذا العزوف بنظركم؟

أ- على مستوى السلطة ومؤسساتها كقوة حاكمة، والدستور والقوانين الناظمة للمشاركة السياسية.

ب ــ الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والأهلي.

ــ جودت سعيد:

بحسب مصطلحات القرآن: 1 ـ أهل الصراط المستقيم، 2 ـ والمغضوب عليهم، 3 ـ والضالون.

فإذا كان أهل العقل والعلم في خدمة المتسلطين أصحاب السلطان فعامة الناس ييأسون ويستسلمون. والمسيح يقول في الإنجيل:

"إذا كان النور الذي فيك ظلاماً فالظلام كم يكون؟" معناه إذا كان أهل العقل والعلم في خدمة المتسلطين على رقاب الناس، فكيف يستيقظ الناس، ويقول أيضا في الإنجيل: "أيها القادة العميان"، ويقول: "إذا قاد الأعمى الأعمى سقط كلاهما في المهوى"، ويقول: "إذا كان الملح الذي يصلح به الفاسد فاسداً فكيف يصلح الفاسد".

وفي حوار في مجلة اليونسكو "الرسالة"، مع الكاتب باتسلاف هافل، لما كان رئيساً في تشيكوسلوفاكيا وسئل هل للمثقف سلطة، قال: المثقفون أقوى من كل الجيوش، إذا كان إيمانهم بالعقل وحده، ولم يؤمنوا بقوة الكتائب المجندة، وأنطون مقدسي قال في ندوة من الندوات، "إن المثقف إما راكع أمام السلطان، أو طريده ومشنوقه"، كأنه يقول داعم للسلطان أو يتحول إلى إرهابي.

كان يفهم أن هناك طريقاً ثالثاً نحن عاجزون عن كشفه، العلم والعقل ينتصران، كما قال باتسلاف هافل، إذا لم يتلوث العلم والعقل باللجوء إلى العضل: وهذه الفكرة ظاهرة وخفية في آن واحد، والأنبياء كانوا جميعاً يعتبرون اللجوء إلى العنف حتى للدفاع عن النفس شرك لا يغتفر {وإن الشرك لظلم عظيم}.

والدفاع عن النفس مشكلة غامضة، لهذا فإن الإخوان الذين لجؤوا إلى العنف فسروه أنه كان دفاعاً عن النفس.

وصعب علينا أن نفهم أننا إذا دافعنا عن نفسنا نكون أعطينا القيادة للعنف، لهذا ابن آدم قال لأخيه: {لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلنك}، فلسفة الإنسان كله في هذا الموقف، والأنبياء جميعاً، يقول القرآن أنهم قالوا: {لنصبرن على ما آذيتمونا، فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين}.

ومن هنا أقول إن الأمم المتحدة لما تصير ديمقراطية تكون أمنية الأنبياء والآمرين بالقسط الذين هم ورثة الأنبياء قد تحققت، وهذا صار قريباً أيضاً، والاتحاد الأوروبي حلقة متوسطة إلى الأمم المتحدة في إلغاء الإعدام والحروب من هنا قلت في برنامج الشريعة والحياة، الحرب ماتت ولا يمارسها إلا الجهلة والخبثاء الذين يستغلون جهل الجاهلين.

علينا أن نكثر الحديث، ويكثر المتحدثون عن هذه الأمور المخبأة.

إن الباطل يموت ولا يقتل إذا جاء الحق، وفي القرآن {وقل جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا} زهق من غير قتل وغير مأسوف عليه، كما إذا جاء النور ذهب الظلام.

 

ــ حبيب عيسى:

أريد أن أقارب هذا الموضوع من زاويتين مختلفتين شكلاً، مترابطتين موضوعاً الأولى: تتعلق بمؤسسات الدولة، كمؤسسات اعتبارية بالمفهوم القانوني، تلك المؤسسات هي التي عنيتها، بأن السلطات المستبدة التهمتها كمقدمة لالتهام المجتمع في الوطن العرب،. بمعنى أن مؤسسات الدولة من السلطة التنفيذية، إلى السلطة التشريعية، إلى السلطة القضائية، فقدت كينونتها الذاتية، وبالتالي زالت الفواصل بين السلطات، وزالت الفوارق، فالسلطة التنفيذية ممثلة بالوزراء ورئيس مجلس الوزراء، والسلطة التشريعية ممثلة بالنواب ورئيسهم، والسلطة القضائية ممثلة بالقضاة ورئيسهم، كل هؤلاء على الاتحاد والانفراد يرددون ذات المقولات، ويتسابقون في الانبطاح تحت نعال من يعتقدون أنه يمتلك القوة الفعلية. وبالتالي زالت الفوارق بين السلطات، ولم يعد هناك أي فرق بين هذه، أو تلك. ففقدت تلك السلطات مكانتها في المجتمع، وبات السؤال عن "المعلم الحقيقي"، وباتت تلك المؤسسات ذات مهام شكلية في المجتمع، لم يعد مجلس الوزراء حاكماً، لم يعد مجلس الشعب مؤسسة تشريعية، لم يعد القضاء مستقلاً كمؤسسات، أليست تلك المؤسسات هي الدولة؟ التي افترستها الأجهزة الخفية رسمياً، المعروفة واقعياً والتي ما أن فرغت من التهام مؤسسات الدولة، حتى تفرغت لالتهام مؤسسات المجتمع، من أول المؤسسات الحزبية، إلى المؤسسات النقابية، إلى المؤسسات الاقتصادية، إلى الجمعيات، إلى المنتديات، إلى المؤسسات الرياضية، والكشفية. إنه اجتياح شامل للطلاب، والعمال، والرأسماليين، والمهنيين، والفلاحين، والإقطاعيين، والمثقفين، وسائر قطاعات المجتمع. وبهذا الإطباق على المجتمع، تم إغلاق الدائرة تماماً على المجتمع والدولة، وبات النقابي والحزبي الذي من المفترض أن يكون مختلفاً، وإلى آخرهم، يتحدثون ذات الخطاب، ويتسابقون في النفاق، وتقديم الولاء، وتلك كانت الزاوية الثانية التي من خلالها أنجز المستبدون الاجتياح للدولة وللمجتمع في الوطن العربي، والتي ترتب عليها تسرب اليأس إلى المجتمع فهجر السياسة، وهجرته السياسة بالإكراه.

 

ــ ناصر الغزالي:

أستاذ حبيب... نفس السؤال عن الإرادة السياسية. أريد أن نتحدث عن الإرادة السياسية، كرجل قانون، كيف تفهمها؟ كأنني فهمت مما قلت أنه ليس لدينا إرادة سلطة، ولا إرادة سياسية، ولا إرادة عمل سياسي، يعني إرادة السلطة مرتبطة بإرادة خارجية، ونحن العاملين بالسياسة ليس لدينا إرادة سياسية، ولا أحد عنده إرادة، ما هو رأيك؟.

 

ــ حبيب عيسى:

حقيقة، هذه المسألة تتعلق من الناحية الموضوعية بأن الإرادة السياسية للمجتمع يتم التعبير عنها من خلال مؤسسات المجتمع السياسية، والنقابية، والثقافية، والاجتماعية، بينما الإرادة السياسية للدولة يتم التعبير عنها من خلال مؤسسات الدولة المتخصصة في مختلف المجالات تنفيذية، وتشريعية، وقضائية.

فالإرادة السياسية للمجتمع الآن، وفي العصر الحديث، لا يمكن التعبير عنها بشكل فردي، أو نخبوي، فلا بد من حامل اجتماعي يكون بدوره حاملا لمؤسسات سياسية، تلك المؤسسات التي تسمى الأحزاب. للأسف الشديد، فإن الأحزاب، ومؤسسات المجتمع المدني المعنية بإنتاج وبلورة الإرادة السياسية للمجتمع، مغيبّة، أو في أحسن الأحوال معطلة نتيجة عقود مديدة من الاستبداد، حيث يمكن تصنيفها في ثلاثة مصنفات. المصنف الأول: يضم الأحزاب المدجّنة التي تنافق السلطات المستبدة، وهي أخطر على المجتمع من الأحزاب الحاكمة من ناحية تزوير الإرادة السياسية للمجتمع. المصنف الثاني: ويتضمن الأحزاب التي تعرضّت للملاحقة، والقمع، فلجأت إلى النشاط السري، وتم حشر كوادرها في السجون، حيث تعرضوا للتنكيل الوحشي في ظل تعتيم شبه كامل، ففقدت تلك الأحزاب حاضنتها المجتمعية، وباتت خارج دائرة الفعل والتأثير. المصنف الثالث: ويضم العديد من كوادر أحزاب المصنفين السابقين الذين لم يطيقوا نفاق أحزاب المصنف الأول، والذين لم يتحملوا الأهوال التي تعرضت لها أحزاب المصنف الثاني، وأولئك أيضاً باتوا بلا فاعلية لأسباب تتعلق بأوضاعهم الفردية أو الشللية من جهة، أو لانجرافهم وراء التبرير، وتضخيم المخاطر، وقوة الخصوم، وأن الأفق مسدود تماماً، وأن محاولات المقاومة والتغيير محاولات دنكشوتية فاشلة، وأن أقصى ما يمكن فعله هو الالتفات عن الشأن العام، وتطليق السياسة بالثلاثة، والاهتمام بالشأن الخاص، والتعويض عن الفشل في الشأن العام بتحقيق نجاحات على الصعيد الخاص، والتنافس في مظاهر الثراء. لهذا كله نقول بدون تردد: إن المجتمع العربي يفتقد الآن الإرادة السياسية، بمعنى أنه لا يمتلك المؤسسات الحاملة للإرادة السياسية، وبالتالي فإن الخطوة الأولى لإعادة المجتمع إلى السياسة تمهيداً لإنتاج إرادة سياسية، تتمثل في بناء مؤسسات المجتمع العربي من جديد، وتلك هي الخطوة الأساس لاستعادة المجتمع مقدرته، لإنجاب إرادة سياسية. وتلك المقدرة لن تتوفر للمجتمع إلا بإعادة تشييد بنية ثقافية، وفكرية، واجتماعية صلبة. أنا أقول إن الحديث عن إعادة المجتمع العربي إلى السياسة يستدعي قبل ذلك، البحث في إعادة المجتمع العربي إلى الحياة. فالمجتمع الحي هو وحده المجتمع القادر على إنتاج السياسة، وغير السياسة. وهذه مسألة في غاية الأهمية، لأن الاستبداد المديد دمر النسيج الاجتماعي للأمة العربية، وأعاد الناس فعلاً إلى عصر ما قبل المواطنة، فبتنا أمام مجتمع ميت فعلاً، بمعنى أن العبث فيه بات ممكناً.

الآن، عندما نكون أمام الإنسان، الفرد، الذي من المفترض أنه العنصر الأساسي في البناء المجتمعي، والمؤسساتي، ونرى أن هذا الفرد قد دفع مكرهاً للتخلي عن الانتماء الوطني الحقيقي، بمعنى أن انتماءه الطائفي، أو المذهبي، أو القبلي، أو الأثني، أو الإقليمي لم يعد يمر عبر انتماءه الوطني، وإنما أصبحت العملية مقلوبة الآن، وهذا أدى إلى أن المواطنة، ومؤسسات المواطنة بما في ذلك المؤسسات الحزبية السياسية، باتت مؤسسات شكلية لا فاعلية لها، تخفي تحت عباءتها علاقات التفتيت، والفتن، فإن هذا يعني، أن الشرط الموضوعي لعودة المجتمع إلى السياسة لم يتحقق، لأنه لا يتحقق إلا بمواطنة المواطن الفعلية، حيث يتمتع بسائر الحقوق الأساسية دون انتقاص، فبهذا الانتماء الوطني يخرج المواطن العربي من سائر المستنقعات التي صنعها الاستبداد في الواقع، وبهذا يبني المواطن المؤسسات السياسية التي تعبّر وحدها عن إرادة المجتمع السياسية.

أما على صعيد "الدول الفعلية" القائمة في الوطن العربي، فإن الإرادة السياسية في الحقيقة، باتت تصدر عن قوى خفية لا يعرف أحد معاييرها، فسلطات تلكً الدول لم تعد تعتمد اعتماداً حقيقياً على الحامل الشعبي، أو الداخلي في الاستمرار في السلطة، وبالتالي افتقدت مؤسسات تلك الدول المقدرة على إنتاج الإرادة السياسية، بعد أن أفرغها الاستبداد من مضامينها، وحيث بات مصدر القرار السياسي خفي يعتمد على معادلات، وموازنات، وتوازنات خارجية، ودولية تتعلق فقط باستمرار سطوة الاستبداد، عن طريق تحصيل شهادة حسن السلوك لهذا النظام، أو ذاك وبقدر ما تحسّن الأنظمة من سلوكها تجاه الخارج المهيمن بقدر ما يقتضي ذلك أن يكون سلوكها سيء اتجاه الداخل، واتجاه المجتمع بمنع أي نشاط يشوّه حسن السلوك، وهذا يقتضي تعزيز التسلط على المجتمع، واغتصاب مؤسسات المجتمع والدولة، الخ. لهذا، نلاحظ أن مؤسسات الدولة، ومؤسسات المجتمع تكون آخر من يعلم بتوجهات القرار السياسي الذي قد يتأرجح بين التسويات، وبين الحروب، وعلى تلك المؤسسات أن تكون جاهزة لتنساق باتجاه الحرب إذا طلب إليها ذلك، أو تنساق باتجاه التسويات إذا طلب إليها ذلك، وعليها أن تكون جاهزة لتسيّير، مسيرات التأييد، والولاء في الاتجاهين المتعاكسين في الوقت ذاته. وهذا ما عبرنا عنه حين قلنا بأن مؤسسات المجتمع، ومؤسسات الدولة جميعاً باتت بفعل الاستبداد المديد خارج دائرة الإرادة السياسية....

ــ عارف دليلة:

أعود وأقول ليس العزوف عن السياسة ممكناً. فلنتساءل، أولاً، ما هي السياسة وكيف تجلت تاريخياً؟ السياسة (Policy) جاءت من الكلمة اليونانية (Polic) وتعني (مدينة أو دولة). فالسياسة هي شؤون الدولة والمجتمع. إنها مجال النشاط الإنساني المرتبط بالعلاقات بين الجماعات أو بين الطبقات، والمتمركزة حول السلطة الحكومية: الإمساك بها واستعمالها، بهذا القدر أو ذاك من الاحتكار أو المشاركة، بهدف تحقيق هذه المصالح أو تلك. وبالتالي، فإن أي مسألة اجتماعية تمتلك طابعاً سياسياً، إذا كان حلها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة يرتبط بمصالح اجتماعية معينة، أي بمشكلة السلطة.

حاول البعض البحث عن حوافز النشاط السياسي والحركة السياسية في الطبيعة المجردة للإنسان، وحاول البعض الآخر إرجاعها إلى الدين أو الفلسفة، وغير ذلك. ولكن ذلك كله لا يفسر لماذا تتغير الطبيعة المجردة للإنسان، ويتغير دور الدين والأخلاق والفلسفة ومضامينها بين وقت وآخر، وبين مكان وآخر.

وهنا ظهر المفهوم العلمي للسياسة. فالمصالح الاجتماعية، وعلى رأسها المصالح والمؤسسات التي يجري النشاط السياسي في إطارها، وبالأخص من بينها الدولة، ثم، لاحقاً، الأحزاب السياسية هي المحدد الرئيس للمواقف السياسية، والسياسة كعلاقات عملية وكإيديولوجيا تتحدد بالمصالح الاقتصادية، وتحددها وتحركها بدورها، بصفتها أحد أهم مكونات البنية الفوقية للقاعدة الاقتصادية للمجتمع. والمصالح الاقتصادية، في نهاية المطاف، تظهر كسبب اجتماعي للأفعال السياسية. قد يغيب الاقتصاد عن الأعين ولا تظهر إلا الأفعال السياسية على السطح، ولكن التحليل العلمي هو الذي يكشف الغائب ويفسر الظاهر. إن حل المشكلات الاقتصادية رهن بالسلطة السياسية. ولذلك فإن الاهتمام بالسلطة ليس اعتداءاً على الدولة وخروجاً عن القانون، أو "الخطوط الحمراء"، كما يقول المتسلطون الذين لمع في ذهنهم ، باعتبارهم ألمعيين جداً، أن يملأوا الفراغ، الذي نشا عن إزالة آلاف الإقطاعيين، بتخصيص الدولة، أي بتحويلها إلى إقطاعة واحدة مملوكة من قبلهم ملكية تشمل مافوق الأرض وما تحتها من موارد طبيعية وبشرية، وبدون هذه المقاربة لا يمكن تفسير الأحداث السياسية والصراعات المكلفة حول السلطة، وبالأحرى لا نستطيع تفسير حركة التقدم والتخلف المعاصرة.

هناك أيضا السياسة الداخلية والسياسة الخارجية اللتان تتحدد كل منهما بالأخرى وتحددها. في نهاية المطاف، الاثنتان تعالجان مهمة واحدة وهي حماية وتدعيم منظومة العلاقات الاجتماعية القائمة في الدولة، ولكن لكل منهما خاصية مميزة. ففي الشؤون الداخلية، حتى في الأنظمة التي توجد فيها معارضة منظمة قوية، تحتكر السلطة السياسية القرار في المجتمع. أما على الساحة الدولية فلا يوجد مركز موحد للسلطة. هناك دول متساوية نظرياً وقانونياً، تتحدد العلاقات بينها من خلال الصراع وعبر المفاوضات والاتفاقيات والتسويات المختلفة، هذا إذا استثينا القوة، التي ما زالت حتى الآن تلعب دوراً هاماً في العلاقات الدولية، في السياسة الداخلية يمكن الحديث عن السياسة الاقتصادية، أو الاجتماعية أو السكانية، أو الثقافية، أو التقنية، وغيرها. ويدور الصراع بين مختلف القوى والفئات الاجتماعية حول الهيمنة على السلطة، وبالأحرى حول استخدامها لخدمة هذه المصالح أو تلك في مختلف مجالات النشاط الاجتماعي.

إذا كانت السياسة هي ممارسة الشأن العام فإنها يمكن أن تختلف من حيث الشكل والمضمون. فمن حيث الشكل السياسة هي الحركة التي تدور حول الاستيلاء على السلطة والتمسك بها واستخدامها. أما من حيث المضمون فالسياسة هي الأهداف والنتائج الفعلية لممارسات هذه السلطة في الواقع الاجتماعي التاريخي. حيث أن السلطة ليست الغاية النهائية للنشاط السياسي بل هي، مجرد سبب ووسيلة تستخدم لتحقيق مصالح محددة. وهذا ما يفسر الحراك والصراع الاجتماعي حول السلطة والحكم، على مستوى الواقع ـ عند العامة، وعلى مستوى الوعي: فقد غلب على كتابة التاريخ البشري "تاريخ البلاط" وأغفل ما حوله وما تحته في الواقع من تاريخ البشر بمختلف فئاتهم وطبقاتهم، اللهم إلا مايهم القلة المحتكرة للسلطة السياسية أو يؤثر عليها. ومن اكبر الكتاب المبدعين، غير المؤرخين، في هذا المجال الكاتب الانكليزي شكسبير الذي كشف في مسرحياته عن الأبعاد النفسية والذاتية لدى الرجال والنساء الذين يتحركون داخل أروقة البلاط وما ينتج عن حركتهم من مؤامرات وانقلابات. وكذلك فعل صاحب كتاب "الأمير" السياسي الإيطالي مكيافيلي في فضح الأخلاقيات في هذا الوسط. وبالمقابل كان هنالك اهتمام فكري دائب بالبحث عن "الجمهورية الفاضلة"، أي عن النظام المثالي الذي يعتبر الشكل الاجتماعي الأفضل لحياة الناس، بدءاً من جمهورية أفلاطون، حتى جمهورية (أو مدينة) الفارابي الفاضلة، و"اليوتوبيا" لتوماس مور، و"مدينة الشمس" لتوماسو كامبانيلا. وكان يبرز هنا وهناك بعض القادة العملانيين، إما الجماهيريين، مثل العبد المتمرد على النظام في روما القديمة سبارتاكوس، الذي هجر روما إلى أطرافها ليلتحق به الآلاف من عبيد روما ليعيشوا معاً حياة الحرية والمساواة ويتدربوا على الحرب بهدف إسقاط النظام القيصري في روما، ولكن نظام الطغاة يهزمهم أخيراً. وأما المتمردين الفرديين مثل المتمرد الذي بحث بمفرده عن العدالة وأصبح رمزاً تاريخياً وهو روبن هود الانكليزي الذي كان يجرد الأغنياء النهابين من الأموال التي نهبوها من الفقراء ليعيدها لهؤلاء. وفي عصرنا الحديث جمع الثائر تشي غيفارا بين النماذج جميعاً، فقد طمح إلى ثورة جماهيرية تحرر كل شعوب أمريكا اللاتينية مثلما فعل مع رفيق نضاله كاسترو في كوبا، وكان يتحرك بناء على وعي معين بحركة التاريخ والمجتمع، ودور العوامل الداخلية والخارجية. صحيح أنه فشل عملياً أمام القوى الإمبريالية العاتية واستشهد مناضلاً في سبيل مبادئه وأفكاره الثورية ولكنه تحول إلى رمز تحرري عالمي لا يمحى.

ــ عبد العزيز الخير:

أوضحنا في ما سبق الأسباب التاريخية الحديثة لظاهرة ابتعاد المجتمع السوري عن السياسة (ولا تختلف المجتمعات العربية عنه كواقع حال، وإن يكن ثمة خلاف في الصيرورات التي أوصلت إلى هذا الواقع، إلى هذا الحد أو ذاك). أما إذا طورنا السؤال الثالث ليصير سؤالاً عن أسباب استمرار هذا الواقع أو البطء الشديد في تطوره، فإن جوابنا يكون كما يلي:على مستوى السلطة ومؤسساتها كقوة حاكمة، والقوانين الناظمة للمشاركة السياسية.

1- إن استمرار العمل بقانون الطوارئ والحكم العرفي منذ أكثر من خمسة وأربعين عاماً يعني عملياً استمرار تعليق مواد الدستور المتعلقة بالحقوق السياسية والثقافية وحرية الرأي والتعبير للمواطن، ومثلها حقوق التجمع والتحشد والإضراب وتأسيس الجمعيات... إلخ، في حين أن إسناد السماح بالتمتع بهذه الحقوق إلى السلطة التنفيذية، وبشكل خاص، إلى أجهزة الأمن السياسي. يؤدي فعلياً إلى مصادرة هذه الحقوق وعدم السماح بها إلا (لنماذج منتقاة) من المواطنين الذين تطمئن الأجهزة المذكورة إلى (ولائهم) وتجاوبهم معها. الأمر الذي يضيّق إلى حد بعيد جداً، حتى يكاد يلغي، النشاط السياسي والنقابي والثقافي والمجتمعي للمواطنين، فيقتصر كما هو واقع الحال تقريباً على تبادل الزيارات العائلية والحديث عن الرياضة والفنون، وعلى الشكوى والتذمر من الهموم المعيشية والأوضاع السياسية، ضمن ما يقدر المواطن أنه مسموح! وهذا كله دون أن نتعرض لنصوص الدستور القائم نفسه، وما ينص عليه من كون حزب البعث هو الحزب القائد للدولة والمجتمع وغير ذلك من البنود التي تكرس احتكار السلطة السياسية وشكل الحكم القائم بكل خصائصه المعروفة.

2- عدم إقدام النظام على خطوات ملموسة ومؤسسة قانونياً لفتح الأبواب أمام حياة سياسية غنية ونشطة، عبر إصدار قانون أحزاب ديمقراطي، يجعل وجود الحركة السياسية محمياً بالقانون، ويوضح ضوابط قيامها ونشاطها، إلخ. ويصدق الأمر نفسه على قانون للإعلام يترك فسحة فعلية للمصالح الاجتماعية المتنوعة والآراء المتعددة المنبثقة عنها، لتعبر عن نفسها ضمن ضوابط محددة وواضحة (لا بد من الإشارة هنا إلى أن النظام أصدر منذ سنوات قانوناً للمطبوعات، يجسد أسوأ مافي الحكم العرفي ويكرسه!).. كذلك الأمر فيما يخص قوانين تشكيل الجمعيات والنوادي الثقافية والفنية المتنوعة، إلخ، والتي يشترط النافذ منها اليوم موافقة الأجهزة الأمنية المسبقة على قيامها!

3- تجاهل النظام لضرورة المعالجة العميقة والمسؤولة لإرث مرحلة الثمانينات الثقيل، عبر فتح ملفاته وتصفية متعلقاته المؤلمة والمستمرة حتى اليوم، ومعالجة الجراح والكوارث التي ترتبت عليه وتصحيح الأوضاع القانونية والإنسانية لضحاياه، كما جرى في المغرب مثلاً (حركة الإنصاف والمصالحة)، وهو أمر دعت إليه أصوات عديدة، فلم تقابل دعواتها بغير الشك والارتياب الشديد، ولعل ما هو أسوأ من هذا إقدام النظام بين فينة وأخرى على ممارسات تكاد وظيفتها تقتصر على التذكير بحضور وسطوة أجهزة القمع، واستعدادها لتجاوز كل القوانين والأنظمة والحقوق المنصوص عليها في الدستور، إذا ما وجدت ذلك مناسباً.

4- ما زالت السلطة تتعامل مع السلطة التشريعية والسلطة القضائية كملحقات للسلطة التنفيذية، دون احترام لاستقلاليتهما المفترضة ودون محاولة جدية لتوفير المناخ والشروط الملازمة لتمكينهما من ممارسة دورهما باستقلال، بل يمكن القول بأن العكس هو الذي جرى ويجري، أي العمل لضمان "انضباط" كل من هاتين السلطتين بإرادة السلطة التنفيذية. وما دام الأمر هكذا فإن قناعة المواطن وثقته بإمكانية وجدوى النشاط السياسي ستظل معدومة أو ضعيفة جداً، بما فيها قناعة المواطنين المنتمين لحزب البعث نفسه، أو الأحزاب المتحالفة معه في إطار (الجبهة الوطنية التقدمية).. ويزيد المسألة تعقيداً تعامل النظام مع جهازه السياسي والإعلامي والثقافي نفسه (البعث والجبهة، شتى أدوات الإعلام الرسمي، مختلف المؤسسات والشخصيات الثقافية التابعة للسلطة)، حيث يقتصر المسموح لكل المواطنين في هذه المؤسسات، على التحرك لتنفيذ الخطط والتوجهات المقررة لهم، ضمن خطوط حمراء يعرفونها جيداً، وأهمها وأكثرها وضوحاً، هو تناول سياسات النظام بالنقد الجدي، أو طرح تصورات بديلة من موقع مختلف معها، وفي حين يعرف هؤلاء أنه من المسموح ممارسة النقد والاقتراح والاختلاف في ما يخص الشأن الاجتماعي أو الاقتصادي (ضمن حدود فضفاضة نسبياً) فإنه من المحظور تماماً فعل ذلك في الشأن السياسي. وفي الحقيقة فإن مواطناً ما، لن يستطيع أن يقتنع أو حتى أن يأمل بأن شيئاَ مهماً قد اختلف عن الماضي، وأنه يمكن له أن ينخرط في نشاط سياسي ما، دون أن يعرض نفسه (للمهالك)، ما دام النظام لا يسمح، بل ويحاسب ويعاقب المواطنين في أجهزته السياسية والإعلامية والثقافية والنقابية (وهم المضموني الولاء) إذا هم تجاوزوا الحدود المقررة لهم. ورغم أن هوامش الحركة قد باتت أوسع من الماضي بعض الشيء، والعقوبات باتت أقل قسوةً، إلا أن المبدأ ما زال هو نفسه. فالمبادرة الحرة للمواطن في التفكير والنشاط ما تزال خطرة، لأن الخطوط الحمراء المقررة من فوق، ما تزال ترسم من فوق عرفياً، وليس بموجب القانون، ولأن تحديد هوامش الحركة، يتم وفق الحاجات السياسية الراهنة للنظام، بصرف النظر عن ما ينص عليه الدستور والقانون من حقوق للمواطن. وما يزال تجاوز تلك الخطوط يعرض المواطن بصورة أكيدة للمساءلة والتحقيق، وربما بعد ذلك للسجن أو التسريح من العمل أو غير ذلك من الاعتداءات على حقوقه...بمثل هذه الآليات والمناخات القائمة، يستمر إقصاء المواطن عن السياسة، أو "دفعه للعزوف عنها".

أما فيما يخص دور الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والأهلي في استمرار "عزوف المواطن عن السياسة"، فيمكن قول ما يلي:

1- سحق القمع المعمم في الثمانينات البنى التنظيمية للأحزاب وحولها إلى حطام واسع. قسم كبير في السجون، والبقية انكفأت عن النشاط شاكرة الله على نجاتها من الاعتقال!، وطال تأثير ذلك القمع عموم المواطنين، فتحول المجتمع السوري إلى مجتمع للخوف، لا يقدم مواطنوه على أي فعل أو نشاط قبل أن يسأل أحدهم نفسه مرات كثيرة إن كان ذلك سيعرضه للاعتقال أو للضغوط الأمنية. وقد أصبحت هذه هي القاعدة أيضاً بالنسبة لغالبية من عاشوا تجربة السجن وأفرج عنهم في تسعينات القرن المنصرم. عموماً، أصبحت "ثقافة الخوف" سيّدة الموقف وقدم كثير من المناضلين السابقين "قدوة سلبية" للأجيال الجديدة بعد أن انقلبوا على ماضيهم وقناعاتهم، بما فيها القناعة بضرورة النشاط السياسي، لاسيما المنظم منه أياً يكن شكل هذا التنظيم، للمساهمة في محاولة تغيير الواقع الاجتماعي والسياسي نجو الأفضل، بل إن عديدين من هؤلاء باتوا يحذرون الأجيال الجديدة صراحةً من مغبة النشاط السياسي "ونتائجه الكارثية" على من يشارك فيه! وفي ظل "ثقافة الخوف"، فإن ضعف المبادرة لإنشاء جمعيات ومؤسسات للعمل المدني، هو إحدى النتائج الأكيدة، وتجنب طرح الأسئلة الجادة عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في النقابات والمؤسسات والجامعات والمعامل، بل وحتى في اللقاءات الاجتماعية، هو نتيجة أكيدة أيضاً. وبالمحصلة، فإن المجتمع يتشظى، وتفتقد فيه الروابط الحقيقية والعميقة بين الأفراد، وتتعطل فيه الآلية الاجتماعية-التلقائية والواعية لتشكيل الجماعات. هذا هو واقع الحال في المجتمع السوري حتى الأمس القريب، وما يزال هو الواقع إلى حد بعيد، ولكن ليس إطلاقاً، حيث إن مظاهر التعافي من هذا الواقع المَرَضي تتراكم ببطء، عبر الأجيال الجديدة، رغم كل العوامل المولدة للخوف واليأس والإحباط، سواء جاءت من النظام أم من الأحزاب والقوى والنماذج المعارضة أو التي كانت معارضة.

2- إن مسؤولية الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والأهلي في "عزوف المواطن عن السياسة" تكمن بصورة رئيسية في أنها خسرت معركتها ضد القمع الساعي لإقصاء المواطن عن السياسة وتدجينه، وأن بعضها الآخر قد هزم في معركته الفكرية والسياسية إضافة لذلك، وسواء وقعت هذه الهزيمة بسبب أخطاء فكرية أو سياسية أو برنامجية، أو بسبب الفشل في مقاومة القمع، أو لأي سبب آخر، فإن النتيجة الملموسة تظل كما هي. وقد ولّدت هذه الهزيمة يأساً وإحباطاً كبيراً، تكفل القمع بتحويله إلى خوف ويأس مقيم. ولا يمكن أن نأمل بالخروج من مناخ الخوف واليأس ما لم يتم بطريقة ما، خلق أمل جديد، وحلم جديد، مقنع للجمهور والمجتمع المعني به، إلى الدرجة التي تدفعه للانخراط مجدداً في ميدان النشاط السياسي سعياً وراء تحقيق هذا الحلم، رغم كل الصعوبات والتحديات المحيطة به، ومن ضمنها تحدي "الخوف"! وبالطبع، فإنه يحق لمن يرغب أن يقول، إنه خسر معركة ولم يخسر الحرب، وعليه في هذه الحال أن يثبت بنشاطه وفاعليته والنتائج التي يحققها على الأرض، صحة ما يذهب إليه في قوله هذا.

3- يمكن القول بأن الاتجاهات الأيديولوجية – السياسية الأساسية في المجتمع السوري (قومية – شيوعية – إسلامية – ليبرالية)، فشلت، أو هي لم تنجح حتى اليوم على الأقل، في تحقيق أي من الأهداف والمهام الأساسية التي رسمتها لنفسها وللمجتمع. ولعل هذا ما يسمح بالقول بأن ثمة أزمة فكر سياسي-اجتماعي عميقة، تعترض طريق تطور المجتمع السوري. فما كان مطروحاً بالأمس لم يعد مقنعاً للمجتمع، ولاسيما للأجيال الشابة، اليوم. ولا بد لاستعادة الفاعلية السياسية للمجتمع وقواه الحية من نقد المرحلة السابقة نقداً معمقاً وشجاعاً ومسؤولاً، وتعميم هذا النقد على كل قوى المجتمع المعنية، والتي يتعين العمل لاستقطابها مجدداً إلى ساحة الفاعلية السياسية – الاجتماعية. ولا بد أيضاً من بعد هذا، أو بالترافق معه، من استنباط الحلول والمعالجات والبرامج اللازمة في كل ميدان، للإفادة من تجربة الماضي، وتجاوزها، والتأسيس للمرحلة اللاحقة في النشاط والفاعلية السياسية والاجتماعية المنشودة. ورغم أن الحكم بفشل التجارب السابقة قد يكون فيه قدر من الظلم والتعميم المجحف، حيث أن في تلك التجارب أو بعضها، جوانب أساسية ومهمة، ما تزال تحتفظ بقدرات كامنة، فكرية وسياسية وتاريخية، فإن الحاجة إلى إعادة إنتاجها من جديد، في سياق ومفاهيم ولغة وأدوات، تخلصها مما علق بها من أخطاء وعثرات وتواكب مستجدات الحياة والتاريخ، هي ضرورة لا بديل عنها، إذا ما أريد لها أن تستعيد حيويتها وقدرتها على الفعل الاجتماعي والسياسي.

4- أدى القمع المديد، فيما أدى إليه من نتائج، إلى حرمان الأحزاب من استمرارية عملها فعلياً، وقد حافظ معظمها على وجود رمزي تماماً خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضي. مما جعل الجيل الشاب يتكون بعيداً تماماً عن تأثيرها، بل وعن معرفة أسمائها في كثير من الحالات. وها نحن في العقد الجاري أمام لوحة تتمثل فيها بعض الأحزاب بيافطات يقف خلفها أفراد قليلون يعدون على أصابع اليدين، في حين يقف بضع عشرات، أو بضع مئات في أحسن الأحوال، خلف يافطات أخرى. وتمتاز الكتلة الكبرى من هؤلاء جميعاً بتقدمها في السن، وافتقادها للدماء الشابة، الأمر الذي يشكل نتيجة مفهومة على ضوء كل ما سبق، لكنه يعبر عن مشكلة عميقة في الآن نفسه. وما لم تجد هذه الأحزاب معالجة جذرية لهذه المشكلة، عبر تطوير وتجديد طروحاتها وتصوراتها ومفاهيمها وأدوات نشاطها، بحيث تتمكن من إقناع وجذب أجيال جديدة إلى ميدان النشاط السياسي، فلا شك بأن التاريخ سيطوي صفحتها بأشكالها الراهنة، وسيتعين على المجتمع أن ينتظر حتى تتطور فيه وتتبلور حركات جديدة تلبي حاجاته وطموحاته بصورة أفضل.

 

ــ محمد عمار:

أولاً: أحب أن أذكر بتحفظي على مصطلح عزوف، وأنه توصيف غير دقيق لانعدام الحياة السياسية في مجتمعات لم تولد فيها السياسة، ولم تبدأ فيها حالة سياسية، حتى نتحدث عن عزوف عن السياسة فيها.

أ – وإجابة على سؤالكم أقول: إن انعدام السياسة على مستوى السلطة ومؤسساتها يرجع إلى طبيعة السلطة، فهي في العمق سلطة غير سياسية كما أسلفنا، وهي لا تستمد شرعيتها من توافقات سياسية معينة قابلة للزحزحة والتفاوض والتغيير، بل من احتكارها المطلق للقوة، وهذا الموضوع الذي لا يتحدث عنه أحد، ممارس ومعاش في العمق وهو يسكننا جميعا، السلطة في الحكم فقط كاستحقاق لاستحواذها على القوة التي لا قبل لأحد في الداخل بها، فهي لا تعيش حالة سياسة بل حالة سيطرة محروسة بالقوة، ولا شرعية لها إلا الشرعية التي تحدث عنها الليث بن يعقوب الصفار في التاريخ([1]*)، ولذلك تسير الأمور في كل البلدان العربية باتجاه وحيد، من أعلى إلى أسفل، وفي كل قطر شمس تمد الجميع بالخير والنور والدفء والعطاء والبركة، كالآلهة لا يسأل عما يفعل، لا مبدل لكلماته، ولا راد لحكمه، ولا معقب لأمره، وليس له كفوا أحد، ولا يمكن أن يذكر اسمه إلا ممدوحا منزها مبجلا، وكل من يدخل حقل السياسة يدخلها بالمديح والثناء والتقرب باسمه وذكره زلفى، ويستمر إن استمر بالامتثال والولاء المطلق، وهذا الموضوع ترسخه كل المؤسسات أو الأجسام المؤسسية بلغة أدق، بما فيها الجامع والجامعة، فجميعها تتعاضد لإثبات شرعية تستعصي على الشرعنة، وهذه البنية مغلقة من الناحية العملية على أقلية قليلة تعد على رؤوس الأصابع، القاسم المشترك بينها القرابة القريبة، وهي مغلقة من الناحية النظرية ببعض الاعتبارات القانونية كالمادة الثامنة في الدستور السوري، وبعض القوانين والأعراف القبلية في الممالك والإمارات، فالنخبة التي تحتكر القوة، تحتكر البلد وسياسة البلد الداخلية والخارجية، وتتصرف بحرية واعتباط مطلقين، ولذلك تنتكس الأوضاع في كل البلدان العربية بمرور الوقت، وكأننا نسير للوراء كما قدمنا، والقوانين التي تنظم الحياة السياسية إما غير موجودة كما في سوريا، حيث يعيش الجميع بسياسة غض النظر، ويعمل الجميع تحت سقف الرقيب ورهن رضاه، أو في غفلة عن عينيه، أو يتم تفصيل القوانين وتثقيلها بالشروط التي تبقي على تمثيلية سياسية تحافظ على الوضع القائم، وتضمن عدم ولادة منافس سياسي حقيقي للنظام كما في مصر وأكثر من بلد عربي.

ب – فيما يتعلق بالأحزاب والمنظمات، فالأحزاب "الشرعية" تعيش على هامش الحياة، وهي في معظم البلدان التي فيها نوع من الحياة السياسية، تعيش في عزلة عن الشارع، للحفاظ على الشرعية التي يمنحها النظام كما في أحزاب الجبهة في وسوريا وبعض المستحاثات الحزبية في مصر، وكل حزب يمكن أن يشكل تحديا حقيقيا يمكن أن يجري له ما جرى لحزب العمل في مصر، وتمنع كل القوى الحية الفاعلة من المشاركة في الحياة السياسية، بمختلف الذرائع، كما في حظر الإخوان المسلمين في مصر، أو القانون تسع وأربعين لعام الثمانين في سورية، وفيما يتعلق بمنظمات المجتمع المدني فهي منظمات وليدة لم يشتد عودها، وهي في الغالب تعمل في ظل انعدام الشرعية القانونية، فمعظمها إن لم يكن جميعها لم تتمكن من الحصول على الغطاء القانوني من خلال الترخيص كما في سوريا، وحتى المرخصة والتي اكتسبت نوعا من الشرعية ليس من الصعب تجريمها عندما يشعر النظام بأنها بدأت تشوش عليه أو تسبب له نوعا من الحرج كما حدث مع رئيس مركز ابن خلدون في مصر، ذلك أنه في ظل الفوضى القانونية وتداخل السلطات يدخل نشطاء حقوق الإنسان المعركة مثل الانتحاريين، مجردين من أي دعم رسمي أو شعبي فالجمهور في العالم العربي مثل جمهور الحسين في كربلاء بحسب ماعبر عنه الفرزدق حين قال للحسين (ودعك الله من شهيد، قلوب الناس معك وسيوفهم عليك). حتى أكبر الحلفاء يمكن تقديمهم كقرابين على مذبح بعض المكاسب التي يمكن تحقيقها كما حدث لمدير المركز الأوربي لحقوق الإنسان في سوريا.

 

السؤال الرابع: ماهو الدور الذي يلعبه الاقتصاد في ظاهرة العزوف عن السياسة أو المشاركة السياسية؟

 

ــ جودت سعيد:

الاقتصاد هو العقل الذي يسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه، وهو روح الله المنفوخ في الإنسان، وهي الأمانة التي عرضها الله على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، (خلافة الله في الأرض للإنسان)، بهذا الدماغ أداة الفهم وفي سفر الأمثال في التوراة "أنا الفهم لي القدرة، وغلتي خير من الذهب الإبريز والفضة المختارة، وكل جواهرك لا قيمة لها".

وأنا ختمت كتابي (اقرأ وربك الأكرم) بطرفة تروى في كتب الأدب، أن الأصمعي رأى غلاماً ظن فيه النباهة، فقال له مختبراً: يا غلام، هل يعجبك أن يكون عندك مائة ألف دينار وأنت أحمق؟ قال الغلام: لا والله، إن حمقي يضيع علي المائة ألف دينار، وأبقى أحمقاً.

 

ــ حبيب عيسى:

في موضوع الاقتصاد، فإن ما قلناه في اجتياح الاستبداد لمؤسسات الدولة والمجتمع، ينسحب على الاقتصاد، ورغم أن الأساتذة قالوا في هذا الموضوع كل ما يمكن أن يقال فيه. فإنني أضيف وجهة نظري وباختصار شديد، فأقول: إن السلطات المستبدة في الواقع العربي لم تنطلق في موضوع الاقتصاد من منهج اشتراكي، أو رأسمالي، أو من أي منهج اقتصادي محدد، وإنما كان همها إغلاق دائرة الحصار على المجتمع، فضربت الاقتصاد الخاص في الزراعة ثم ضربته في الصناعة، وقد تم ذلك على ثلاث مراحل، المرحلة الأولى: إصلاح زراعي وتأميم. أما المرحلة الثانية: فتمثلت بمزارع دولة وقطاع عام تم تفريغه من محتواه، فتحول من ملكية للشعب إلى إقطاع ورأسمالية يقدم لزبانية السلطات كجوائز ترضية، وتحول إلى مجال مفتوح للمحسوبية، والنهب، والفساد وكان من الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى خراب الاقتصاد، وإفلاس مؤسسات القطاع العام، وحتى عندما اضطرت سلطات الاستبداد في الوطن العربي إلى أن تتخلص من عبء القطاع العام بعد نهبه، لم تترك الأمور للتخطيط الاقتصادي، وإنما أفرزت سلطات الاستبداد من داخلها شرائح من عائلات الأنظمة لا يعرف أحد مصدر ثرواتهم، ولا من أين؟. طفت تلك الأشباح الثرية على سطح الحياة العربية هذه الأيام، ليست برجوازية، وليست رأسمالية، وليست إقطاعية بالمعنى المفهوم للبرجوازية، والإقطاع. فالبرجوازية العصامية التي بنت المصانع في أوروبا أو غير أوروبا كانت برجوازية منتجة، أما ما أنتجته سلطات الاستبداد في الوطن العربي فقد كان نموذجاً فريداً من الكائنات الطفيلية التي يطلق عليها الشعب العربي لقب "شبيّحة"، أو حديثي النعمة، وباتت تلك الشريحة ذراعاً جديدة أضيفت للخراطيم الأخطبوطية للسلطات المستبدة ممسوكة من بطانة السلطات نفسها، وواحدة من أدواتها، حيث تم خصخصة القطاع العام لمصلحتها، وصدرت قوانين الانفتاح على مقاسها، بحيث تحتكر اقتصاد السوق، وتكون أداة بيد السلطات، فتكمل البعد السياسي لالتهام المجتمع وثرواته، أي تكمل الجانب السياسي بهذا الالتهام الاقتصادي للمجتمع، فتبقى فعاليات المجتمع بكليتها ممسوكة بقوة من سلطات الاستبداد. هذا من وجهة نظري، ما يحصل الآن في الواقع العربي، مع الاعتذار الشديد من الاقتصاديين، فنحن الآن في الوطن العربي لسنا أمام قوى اقتصادية تهيمن على المجتمع سياسياً، وإنما بمواجهة استبداد سياسي يخرج من تحت عباءته "اقتصاديون طفيليون" يستخدمهم في السيطرة على المجتمع، حتى بتنا لا نعرف من يستخدم من!

إنني أؤكد في الختام على أن عجلة الاستبداد لم تترك مجالاً من مجالات الحياة في المجتمع العربي إلا ووضعت يدها عليه، بما في ذلك الاقتصاد، ليس بهدف إتباع سياسة اقتصادية معينة، ولكن حتى لا تنشأ طبقة، أو فئة، أو شريحة اجتماعية خارج منظومة الاستبداد تنافس على السلطة، وهذا أدى فيما أدى إليه إلى عزوف المجتمع عن السياسة، بالانغماس في لعبة اقتصادية تشبه المقامرة.

 

ــ عارف دليلة:

الاقتصاد يوفر لنا كثيرا من الاجوبة. فكيف نفهم فساد النية والطوية من الردود والاتهامات التي انصبت على المنتقدين إذا عرفنا ما كان يدور من نقاشات في المنتديات التي كان يشارك فيها ممثلو السلطة بكل ثقلهم وبتكليف رسمي وامني، حسب اعتراف نائب رئيس الجمهورية، وما كان يلقى فيها من محاضرات ثقافية رفيعة المستوى، وأسماء المفكرين الوطنيين الذين كانوا يحاضرون ويناقشون في الشأن العام ممن انهالت عليهم هذه الاتهامات وبعضهم دخلوا السجون بعد ذلك لسنوات طويلة، ويمكن الاطلاع على ذلك مما نشر حول ذلك "الربيع"، ولكن، وقد مضى حوالي عشر سنوات عليه (وإن كان أحداً في وطننا العربي لا يستوقفه ماذا تعني عشر سنوات من مطلع القرن الواحد والعشرين، بل ماذا تعني عشرة أيام، ومازلنا نردد العبارة الخطابية الشهيرة : "وماذا تعني عشر سنوات في عمر الشعوب" وننسى أن معارف البشرية تتضاعف خلال أقل من سبعة أعوام، بينما نحن يضمحل حجمنا المعرفي، الضئيل أصلا، إلى النصف) فإننا نستطيع الآن أن نتلمس الواقع الذي نعيش، ونقرأ الأرقام والإحصاءات الرسمية والدولية عن مختلف التغيرات الاقتصادية والاجتماعية، لنتأكد أن سورية أضاعت أخطر عشر سنوات من عمرها ولم تسر لا على الطريق الصيني، ولا على الطريق الماليزي الموعودين، بل ولا على الطريق الأمريكي اللاتيني (لولا داسيلفا في البرازيل، وشافيز في فنزويلا، وايفوموراليس في بوليفيا واورتيغا في نيكاراغوا وغيرهم)، بل ولا حتى على الطريق الروسي بعد أن حل الرئيس الروسي بوتين محل يلتسين. ولا تستطيع الظواهر المستحدثة ان تزين صورة الواقع المعاش، الذي يسير نحو المزيد من الضعف والتراجع والفقر والبطالة والفساد وتخصيص الدولة وما تبقى من مقدرات الشعب والوطن دون مقابل وفق مخطط هادف وواع، كما كنت أصفه في محاضراتي على مدى العقود الثلاثة الماضية مع الارتياح الكامل لغياب النقد والمعارضة، ويكفي للتأكد من صحة هذا التقويم لحصيلة السنوات العشر الأخيرة الرجوع إلى جميع المحاضرات والندوات الأخيرة لمختلف المثقفين السوريين عام 2009 -2010 حول الأوضاع العامة في سورية، حول النمو الاقتصادي ومستوى المعيشة والفقر والبطالة والهجرة والسكن والصحة والتعليم والإنتاج الزراعي والصناعي والاستخراجي والإنتاجية والتنافسية وعجز الميزانية الحكومية والعجز التجاري الخارجي، وغيرها. والمأساة هي اعتقال العشرات من أصحاب الرأي والضمير وسجنهم السنوات الطوال بتهمة (نشر إخبار كاذبة توهن نفسية الأمة زمن الحرب)، عندما يتحدثون عن 1% فقط مما يعرفه الخارج (العدو منه قبل الصديق) ومما تنشره المنظمات الدولية، الأمر الذي يتندر به الخارج باعتباره "آخر نكتة" عن مستوى سلطاتنا الراهنة العقلي والحضاري . وللمقارنة فقط، ليس مع دول متقدمة بل مع دول محيطة بنا لدينا ما ليس لديها، نذكر أن مداخيل الخزينة اللبنانية من الهاتف الخليوي (وعدد خطوطه يقل عن خمس عدد الخطوط في سورية) قد بلغ، حسب الرئيس اللبناني السابق، 1300 مليون دولار (2009) مع امكانية الحصول على 7-8 مليار دولار لو أرادت الحكومة تخصيصه، بعد ان قامت باسترجاعه من القطاع الخاص (من حديث له على قناة الجزيرة). أما في سورية "الاشتراكية!" فالحكومة تخلت عن حقوق الدولة والشعب في الخليوي والذي يسمى في لبنان "بديل النفط"، عندما أهدته مجاناً للخواص وبالطبع لم تقم باستعادته لاحقا كما فعلت الحكومة اللبنانية "لرأسمالية!"، وبالتالي لا أمل في الحصول على دولار واحد من تخصيصه رغم المخالفات التي ارتكبتها الحكومة والشركتين، حتى لنص العقود البائسة، مثل التواطؤ على عدم إدخال مشغل ثالث وعلى الإبقاء على أسوأ الشروط بالنسبة للمستخدمين. ورغم ذلك كله فان دخل الخزينة منه لم يزد عن نصف دخل الخزينة اللبنانية، ولكن من خمسة أضعاف عدد الخطوط!

أما دخل الخزينة اللبنانية من الجمارك فقد بلغ (منذ أكثر من أربع سنوات) مايزيد عن ملياري دولار،مقابل مالايزيد عن 400-450 مليون دولار حاليا في سورية! والامر اكثر سوءا في الضرائب، وبالأخص الضرائب على التبغ (يمكن الاطلاع على مناقشتي المفصلة لهذه المسألة الخطيرة مع مؤسسة التبغ عام 2001 على صفحات جريدة "الثورة"، وهي منشورة على الانترنت)، وغير ذلك وأمثاله الكثير، مما جعل الدولة مثل البقرة العكشية (البلدية) العجفاء بينما أصبح القراد الذي يمتص دمها مثل البقر الهولندي المستورد. ومن الجدير بالمقارنة أيضاً تحويلات المغتربين،فقد بلغت في الأردن عام 2008 حوالي 4500 مليون دولار و3600 مليون دولار عام 2009 من 600 ألف مغترب بينما لم تزد تحويلات المغتربين السوريين وعددهم يفوق المليونين ونصف المليون عن700 – 900 مليون دولار حسب أكثر تقديرات البنك الدولي تفاؤلا، وتزيد هذه التحويلات في لبنان عن 6-7 مليار دولار. وبالتأكيد لا نقصد أن يكون النظام في سورية نسخة عن النظام في الأردن أو لبنان، أو العكس، وإنما أن يكون نسخة صادقة لسورية. وإلا، فلماذا تستمر سورية بلدا طاردا للبشر والأموال، رغم التكاليف الضخمة التي أنفقت لتحويلها إلى بلد جاذب ولكن دون اثر يذكر حتى الآن. أليس لذلك علاقة قوية بطبيعة النظام وسياساته الداخلية، كما قلت لهم أثناء "التحقيق" في اليوم الأول لاعتقالي في 9-9-2001؟ كنا حتى أواسط السبعينات تقريبا نفخر بالاعتماد على الذات، رغم قصور ذات اليد، كنا نستورد ونبني بأموالنا ونادراً مانقترض. لكن السلطات بعد ذلك اتبعت قاعدة أن ماهو متوفر من أموال وثروات عامة، بالإضافة إلى ماتستطيع "قرضه" من الرواتب والمداخيل الحقيقية بالتضخم الناتج عن الإصدار النقدي المفتوح (الذي خفض الليرة السورية من أربع ليرات للدولار إلى خمسين ليرة للدولار وهي السياسة التي جعلت وزير الاقتصاد هو الوزير الثالث المزمن على مدى ثلاثة عقود مستفيدا من تعطيل مجلس النقد والتسليف وإلغاء استقلالية البنك المركزي ووضعه تحت وصايته) أن هذه الأموال والثروات هي لها (وليست للشعب)، تشتري بها مستلزمات الحكم وأجهزته ورجاله العصيين على أي مساءلة، الذين بقدر ماتوسع بهم قاعدة كرسي السلطة بقدر ما تستطيع الاستغناء عن الشعب أو تستطيع الاستقواء عليه. أما مايحتاجه الاقتصاد والشعب، مثل الإنفاق على تحسين نوعية حياته وحفظ نصيبه العادل في ثروته الوطنية وفي نتاج عمله والإنفاق الاستثماري على تجديد وسائل الإنتاج وبناء المشروعات الجديدة وتطوير البنية التحتية اللازمة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، فهو مسؤولية الخارج، أي الاقتراض!! بدءا من شراء بلدوزر للزراعة حتى شراء أنابيب معدنية لتغيير شبكات مياه الشرب القديمة لخفض الضياع الهائل في مياه الشرب أو منع اختلاطها بالمياه العادمة! وليس من الصعب أبداً في مثل هذه الحالات إيجاد الخادمين "الأمناء" لتولي هكذا سياسات، والخارج يعج بآلاف المتقاعدين من هؤلاء الذين رفدوا، (مع رفاقهم الممسكين بما تبقى في الداخل)، وما زالوا يرفدون اقتصاديات الدول الأجنبية حتى آخر رغيف خبز عند آخر جائع سوري!! وبينما تشجع الدول الرأسمالية مواطنيها على تصدير رأس المال لأن أموالهم المستثمرة في الخارج تعيد إلى الاقتصاد الوطني ثلاثة أضعاف رأس المال الأصلي الذي خرج، بالإضافة إلى استخدامه كقوة ضغط في تنفيذ سياساتها الخارجية، مثلما تفعل الولايات المتحدة عندما تمنع أي شركة في العالم يساهم الأمريكيون بأكثر من 10% في رأسمالها من بيع منتجاتها إلى دول ترغب في حصارها (مثل منع شركة آيرباص الأوربية من بيع طائرات إلى سورية)، فإن الأموال السورية في الخارج تعمل كجاذب للأموال السورية من الداخل وباتجاه واحد! وعلى هذا ميزت (في احدى محاضراتي في ندوة الثلاثاء الاقتصادي) بين رأس المال والمال، فالأول في يد صاحبه قوة، بينما الآخر في يد صاحبه ضعف، الأول هو رأس المال في الدول المتقدمة، والثاني هو المال العربي، في الدول التابعة. والآن أضيف: لم يبرز بين العرب من يستخدم ماله الخاص كقوة في السياسة، أي كرأسمال، رغم أنهم ينافسون غيرهم في العالم كأصحاب أموال، واستثني ثلاثة فقط (بغض النظر عن الموقف من الرأسمالية أصلا): طلعت حرب في مصر( مطلع القرن العشرين) ورفيق الحريري في لبنان (الثمانينات من القرن العشرين وما بعد)، ونعرف الآن ان تجربة التصنيع التي قادها الأول في مصر أفشلت قسرا، بينما اغتيل الثاني عام 2005. اما في سورية فيمكن القول ان خالد العظم كان نموذجا مميزا في تطور صاحب المال إلى رأسمالي، اي يستخدم المال كمشروع سياسي،ولكنه، مثل السابق طلعت حرب واللاحق رفيق الحريري، راح ضحية مشروعه الراسمالي.هذا بينما أصحاب الأموال العرب، الذين ليس لديهم اي مشروع رأسمالي وانما مجرد مشاريع استهلاكية فلا غبار عليهم أن تنمو أموالهم بلا حدود ماداموا لايمتلكون منها الا القيود التي على الورق وما يستهلكونه منها مما يساهم في تدوير عجلة الاقتصادات الرأسمالية الراكدة. المعنى مما سبق هو أن أنظمة الفساد تستطيع ان تخلق أصحاب المليارات ولكنها لا تستطيع ان تخلق الرأسماليين، وان أثرياءها وهم يحملون أكياسهم على ظهورهم يهيمون كالجرذان المذعورة يبحثون عن سرداب يلجأون إليه علهم ينجون من إمكانات الحصار، وكما جمعوا أموالهم باستغلال السلطة وبالتشليح وبالخوات فانها تذهب تشليحا وخوات، ويكونون، هم وانظمتهم، قد خسروا الدنيا والاخرة، الداخل والخارج!!

وحسب تقرير المؤسسة العربية لضمان الاستثمار فان الأموال الخارجة من سورية للاستثمار في الدول العربية خلال 28 عاماً الاخيرة بلغت 4.5 مليار دولار،مقابل 3 مليار دولار الأموال العربية الداخلة للاستثمار في سورية بعجز مقداره 1.5 مليار دولار ويجب أن لا ننسى أن سورية تستمر ومنذ الخمسينات طاردة ومصدرة لرأس المال رغم أن سياسات تشجيع الاستثمار منذ التسعينات كلفت الدولة والاقتصاد أكثر حتى من كل الاستثمارات الداخلة، ودون أن تنجح في تحويل سورية إلى دولة جاذبة.

 

ــ عبد العزيز الخير:

يلعب الاقتصاد دوراً أساسياً في انخراط المجتمع أو أجزاء منه في النشاط السياسي أو الانكفاء عنه، والمفتاح في فهم هذا الدور يكمن في كيفية تقاسم أو توزيع الثروة الاجتماعية، فمن يحظون بالحصة الوافرة من الثروة، يحرصون على الاحتفاظ بحصتهم هذه، وزيادتها ما استطاعوا. ومن يحظون بالحصة الأقل، يجدون أنفسهم ملزمين بالدفاع عن لقمة عيشهم والكفاح ضد تدهور شروط حياتهم، حين يصل هذا التدهور إلى درجة لا يطيقونها. وفي الحالتين، يدفع "الاقتصاد" قوى المجتمع للانخراط في العمل السياسي، كل من موقعه وخدمة لمصالحه.

ويشكل التطور الرأسمالي المتسارع للاقتصاد السوري اليوم أحد العوامل المهمة في رسم لوحة النشاط السياسي. حيث أن قطاعات واسعة جداً من الطبقات الشعبية تجد نفسها مضطرة للعمل ساعات أطول فأطول من يومها، اكسب لقمة عيشها، أو للحفاظ على مستواها المعيشي في ظل تضخم متفاقم يرفع أسعار السلع بأسرع كثيراً مما ترتفع الأجور. وبالنتيجة فإن ملايين السوريين يتحولون إلى بشر لا وقت لديهم لغير العمل، على حساب مختلف اهتماماتهم وحاجاتهم الإنسانية والاجتماعية والثقافية... ومنها اهتماماتهم السياسية، وثمة حقيقة ملموسة في المجتمع السوري اليوم، وهي أن النسبة الكبرى ممن كانوا ناشطين سياسيين واجتماعيين في الثمانينات والتسعينات، ما عادوا يجدون الوقت حتى للمتابعة الجادة للإعلام وللثقافة، ناهيك عن الفعالية السياسية.

وبالطبع، فإن الوضع لم يصل بعد في البلاد إلى حالة الأزمة الاقتصادية المستفحلة التي يمكن للطبقات الشعبية أن تشعر فيها بتهديد الجوع لحياتها بحيث يدفعها دفعاً إلى الفعل السياسي، رغم أن مظاهر الفقر تتسع بصورة ملحوظة، ويصل بعضها إلى مرتبة الفقر المدقع على هوامش المجتمع.

وعلى المقلب الآخر، فإن أصحاب الثروات في المجتمع السوري اختاروا منذ زمن طويل مشاركة السلطة والتعايش معها، ودفع ما يترتب عليهم من "حصص" لشركائهم، وتحمل "أشواك" هذه الشراكة (التي يشتكون من ظلمها!)، ولم يبدر منهم ما يدل على اهتمامهم باستعادة المجتمع لفاعليته السياسية، أو اهتمامهم بممارسة هذه الفعالية من قبلهم هم بالذات، لصنع تغيير ما في الواقع! والحقيقة أن الثقافة التقليدية في أوساط أصحاب الثروات السوريين، تنظر إلى الانخراط في النشاط السياسي بصفته مفتاحاً لخراب البيوت، ولا يكتفي هؤلاء بتبني ثقافة كهذه، بل هم يكرسونها في أوساطهم على أوسع نطاق يصلون إليه، وهو ما يخدم تماماً ذات الوظيفة التي يخدمها القمع: إبعاد المجتمع عن السياسة.

 

ــ محمد عمار:

لاشك أن الاقتصاد له دور حيوي في حياة البشر، لكن ربما ليس للدرجة التي ذهب إليها البعض، عندما أعدموا أبعاد الإنسان الأخرى لصالح البعد الاقتصادي، ليصبح الإنسان مخلوقا وحيد البعد أو حيوان اقتصادي، لكن لا شك أن للاقتصاد دور مهم، لو عملنا مسحا للناشطين في الحقل السياسي لن نجد أنهم من الطبقات المشبعة أو المترفة (الطبقات العليا)، كما أنهم لن يكونوا من الفقراء المعدمين في الغالب وإن وجد بينهم الفقراء، وسيكونون غالباً من الطبقات الوسطى، إذ يبدو أن إشباع الإنسان إلى حدود كبيرة يفسده، وربما يعرقل تطوره الإنساني، ولا يعود يفكر في آفاق أعلى من عالم الأشياء، وكأنه يستغرق أو يغرق فيها، كما هو حال المجتمعات الاستهلاكية اليوم، حيث يسيطر هاجس الاستحواذ والتملك والجديد على الناس، لكن إفقار الإنسان بحيث يستهلك جهده اليومي في تأمين حاجاته الأساسية في المأكل والمشرب والملبس يشله ويعيق نموه الإنساني أيضا، والحالة التي ترتبط بدور إيجابي للاقتصاد في الحياة، هي حالة إنسان الطبقة الوسطى، الذي تحرر في سعيه اليومي من سيطرة الحاجات الأساسية، ولم يبلغ عالم الأِشياء عنده درجة الإغراق التي تشله وتقعده عن السعي، والذي يحدوه الأمل بأن عالمه غير مستنفذ بل هو قابل للتنمية والتطوير.

وفي الواقع فقد كانت الحالة الاقتصادية التي ارتبطت بتحرر الفرد من سعيه اليومي لتأمين احتياجاته الأساسية، منطلقا لدخول الإنسان عالمه الحق، عالم الآمال والأشواق، عالم النظر في السماء والتأمل في الأرض، فقد كان اكتشاف الزراعة وتمكن الإنسان من تأمين مصدر مستقر لهذه الحاجات، بداية دخول الإنسان عهد الإنسان، عهد المجتمع والحضارة.

إن العمل العام يحتاج الوقت والجهد، ويكون الوقت والجهد المطلوب أكبر في المجتمعات الناشئة، لكن هذه الجهود مقيدة بمخاطر العمل العام وضريبته، وهذا ربما يشكل قيدا يعيق الكثيرين عن الانخراط في الحياة العامة، فقد أرسلت إلي إحدى الأخوات بريدا الكترونيا أشعر أنه يمثل إجابة عميقة الغور على السؤال رغم بساطته المضحكة:

كان هناك خطيب مشهور في مصر(الشيخ عبد الحميد كشك)، وكان ممن يتدخلون في الشأن العام، ويقوم بما يعتقد أنه رسالة المنبر الحقيقية، وكان مصدر صداع دائم للسلطة، فقررت السلطة عزله، فغضب الناس لذلك وقرروا التظاهر للإعراب عن رفضهم للقرار، وفعلا فقد حدثت تظاهرة كبيرة، وتفاجأ المتظاهرون بقدوم سيارات ضخمة تبيع البيض بسعر رمزي جدا، فقال كثير من المواطنين إن هذا البيض رخيص جداً، وهذا لا يمكن أن نحصل عليه كل يوم، غداً يمكن أن نتظاهر فترك قسم كبير من الناس المظاهرة، ليحصلوا على صحن بيض بسعر (لقطة) وهكذا كان، وبعد لحظات حضرت سيارات الأمن المركزي، فانفض الذين اشتروا بيضا حفاظا على صحون البيض أن تتكسر في المواجهات، وذهب سواد المتظاهرين وهكذا انفضت المظاهرة بأهون السبل، فهذه الصورة الكاريكاتورية موجودة بعمق في كل من يفكر في المشاركة في العمل العام في عالمنا. أنا في الواقع كلما قمت وقعدت ورحت وأتيت، كلما استُدعيت من قبل الأجهزة أو شاركت في نشاط عام، أو عبرت عن رفضي واحتجاجي على واقع معين، لا تغيب عن ذهني صحون البيض التي تخصني، واحتمال أن تتعرض للتكسير، فليس أكثر هشاشة من الإنسان ومصالحه، أمام سلطة تملك كل القوة ومطلق الحرية في استخدامها من غير ضوابط. أعتقد أن الجميع لهم مثل هذا الهاجس وأمامهم مثل هذا التحدي وإن اختلفت النسب.

 

السؤال الخامس: ماهو دور حرية الرأي والتعبير في ظاهرة العزوف عن السياسة أو المشاركة السياسية؟

 

ــ جودت سعيد:

الجواب المختصر:  أن يكون لنا رأي، وعبارة تعبر عن الرأي.

إن كشف الآراء والأهداف إليها صعبة، وحتى بعد أن يتولد الفكر في الدماغ نجد صعوبة في العبارات التي نعبر بها عنه، والذين يعلمون اللغات لمن لا يعرفونها يقولون لأن تنطق بالعبارة مرة واحدة بلسانك يقرب إليك أكثر من أن تسمعها عشر مرات.

إلى الآن لا ثقة لنا بالعقل الذي هو مصدر الرأي، والعقل يخاف من صاحب العضلات. لهذا إبراهيم عليه السلام قال: {أفتعبدون ما تنحتون} القنبلة النووية صنم منحوت، الإنسان أمسكها بعقله ونحتها بيده.

كان مالك بن نبي يقول بلغت القوة إلى إمكان تدمير العالم فوقف منحوت الإنسان يهدد الإنسان: إذا لم تكف سأبيد الإنسانية كلها.

 

ــ حبيب عيسى:

أعتقد أن هذه المسألة نتيجة من جهة، وسبب من جهة أخرى، فالحظر على حرية الرأي والتعبير، هو نتيجة حتمية للاستبداد، لأن الاستبداد لا يمكن أن يستمر مع حرية الرأي والتعبير، ثم إن هذا التقييد على حرية الرأي والتعبير يشكل بدوره المناخ المناسب لعزوف المجتمع عن السياسة. ذلك أن مساهمة المجتمع في السياسة وتطوير فاعلية تلك المساهمة إلى حد إنتاج إرادة سياسية للمجتمع، لا يمكن أن يتحقق إلا في أجواء من الحرية تؤدي موضوعياً إلى بلورة الأفكار والرؤى في مؤسسات سياسية هي الأحزاب، تعبر عن نفسها من خلال وسائل إعلام تحمل وجهات نظرها من كافة المسائل المطروحة، وتواجه في الوقت ذاته الأفكار المضادة، ثم وبإتاحة تلك الأفكار المختلفة للاطلاع عليها بحرية من قبل الرأي العام، يفاضل المواطن بين تلك الأفكار ويختار ما يعتقد أنه الخط السياسي الصحيح، والذي يجسده الحزب الفلاني، وبدون تلك الحرية في المعرفة تنتفي الحرية في الاختيار، وبالتالي يجد المجتمع نفسه مكرهاً خارج السياسة، وخارج أي إرادة سياسية.

في الوطن العربي وبدون تخصيص كان الحظر على حرية الرأي والتعبير أمضى سلاح لسحب السياسة من المجتمع وتجريده من مؤسساته السياسية. والأجهزة المستبدة في الوطن العربي تسّخر جلّ إمكانياتها حتى هذه اللحظة لحجب الأفكار والمعلومات عن الناس، فالاستبداد لا يستمر ويستقر إلا على مجتمعات عمياء، خرساء، بكماء.

الآن، ومع تقدم الاتصالات باتت مهمة أجهزة الاستبداد أصعب، ومع ذلك مازال المستبدون ينفقون ميزانيات هائلة لحجب المعلومات عن المجتمع العربي، إنهم يحاولون، إنهم يسيرون بعكس اتجاه التطور، وبالتالي يتجهون إلى هاوية الماضي، غير المأسوف عليه، طال الزمان، أو قصر.

باختصار شديد أقول: إن العزوف عن السياسة في الواقع العربي ظاهرة. هذا صحيح، لكنه في واقع الأمر ليس عزوفاً إرادياً، وإنما هو عزوف بالإكراه المادي، أو بالعجز الذاتي، وأن تلك الظاهرة بدأت مع هزيمة مشاريع النهضة والتحرير في الوطن العربي، وانغماس بعض كوادر تلك المشاريع في أمراض الواقع عوضاً عن تغيير الواقع ومعالجة مشاكله. وإذا كنت تريد تاريخاً محدداً، فيمكن أن نحدد بداية عقد السبعينات من القرن المنصرم، والأزمة تتفاقم مع كل يوم، وستبقى تتفاقم إلى أن يمتلك جيل عربي قادم معالجة المشكلة...

 

ــ عارف دليلة:

يتأثر نصيب الإنسان العربي من حرية الرأي والتعبير قبل كل شيء بطبيعة الأنظمة المتحكمة به. فالأنظمة العربية المعاصرة لا عمل لها إلا تأليه وتخليد الحكام (بحجة عدم نضج شعوبهم بعد إلى مستوى القدرة والوعي على اختيار ممثليها المؤهلين لإدارة شؤونها بما يخدم مصالحها في النهوض والتقدم)، وباعتبارهم هم الذين اختارتهم العناية الإلهية لأداء هذه المهمة بفضل ما يفضلون به جميع أبناء الأمة من قدرات خارقة، بدليل الانحطاط والتخلف والهزائم المستمرة والفقر والبؤس والقمع والتهجير القسري مما تشير إليه بشكل فاقع تقارير التنمية الإنسانية العربية، من "إنجازاتهم الباهرة" التي أوصلت العرب إلى احتلال المكان الذي صنفهم فيه هتلر، (بالأحرى أنظمتهم السياسية) في آخر قائمة الشعوب، وذلك في كتابه العنصري "كفاحي"، وليجعلوا من أنفسهم بهذه "الإنجازات" آخر الملتزمين بنظرية هتلر هذه، عملياً، بعد هزيمتها عالمياً!!

ولابد من الوقوف عند حدث ميز الوطن العربي الحديث، ألا وهو زرع كيان استيطاني غريب معاد في مكان القلب من الجسم العربي، وهو “إسرائيل"، لتقوم بمساعدة الإمبريالية العالمية وربيبتها الصهيونية على تقسيم الوطن العربي إلى إقطاعات على قياس المصالح المشتركة بينهما لتحول بشكل خاص دون نهوض الشعوب وارتقاء ممارسات البشر إلى إقامة النظام العربي الديمقراطي وليبقى الادعاء بالديمقراطية حكراً على النظام الصهيوني وحده، وهو الأبعد عنه. فقد كانت الثورات التحررية العربية التي قدمت تضحيات هائلة للتحرر من الاحتلال الخارجي بدءاً من الانتصار على الغزوات الصليبية وحتى طرد الاستعمار الحديث مصدر قلق دائم لأصحاب النزعات العدوانية الامبريالية للهيمنة على العالم.

ويؤكد التاريخ على التزامن بين النهوض والانتصار وبين الحرية والعدالة، والعكس بالعكس، بين الانحطاط والانهزام وبين الاضطهاد والاستغلال. إن الحليف الأكبر للقوى الخارجية المعادية لتحرر الأمة العربية ووحدتها وتقدمها، والذي يمكّن تلك القوى من تحقيق الانتصارات المجانية الكبرى على الأمة العربية هي العوامل والقوى الداخلية المبددة لقدرات الأمة البشرية والمادية والمعنوية، مهما تسترت بالخطابات والشعارات القومية والوطنية التحررية. إن الميزات الكبرى للوطن العربي، من موقع جغرافي وثروات طبيعية وبشرية تحولت في ظروف التحالف الداخلي ـ الخارجي على قمع وإفقار الوطن والإنسان العربي إلى نقاط ضعف مهددة للشعب العربي تزيد تحالف الطغمة عليه قوة وشراسة.

عام 2000 دعيت إلى لقاء مع المفكر العربي القومي الدكتور نديم البيطار في مبنى "اتحاد الكتاب العرب" مع عدد من المثقفين القوميين الديمقراطيين للحوار معه في قضية الوحدة العربية التي خصص لها كتابات موسعة ومما قلته في ذلك النقاش للدكتور البيطار: "إنك تبني نظريتك في الوحدة العربية على أساس "القطر- القاعدة" الذي يجذب الأقطار (أو الشعوب) العربية الأخرى إلى الوحدة فقط انطلاقاً من كونه الأضخم والأكبر سكانياً، وهو مصر. ولكنني أعتقد أن القوة الجاذبة إلى الوحدة لا تتبع بالضرورة الحجم أو الكم، وفق القانون السائد في الطبيعة (الكتلة ـ الطاقة)، بل تتبع النوع. فنوع النظام، سواء كان حجمه هو الأكبر أو الأصغر، هو الذي يشكل القوة الجاذبة للجماهير العربية إلى الالتفاف حول النموذج الأفضل أو الابتعاد عن النموذج الأسوأ". وفي الحقيقة "إن النوع هو "القوة الناعمة" التي فقدتها مصر، حسب تعبير الأستاذ محمد حسنين هيكل، أي قوة الجذب والتأثير المعنوية. ويلاحظ ذلك الآن، في طريقة التغيير الديمقراطي في موريتانيا، مثلاً، والتي تابعها بشغف جميع المواطنين العرب بقدر ماقاطعها باشمئزاز وخوف جميع الحكام العرب رغم أنها أدت إلى قطع العلاقات الدبلوماسية التى كان النظام الديكتاتوري السابق المحتضن من قبل جميع الحكام العرب قد اقامها مع الكيان الصهيوني، بل وفي انجذاب العرب نحو نموذجين غير عربيين هما إيران وتركيا، نظراً للمزايا النوعية ــ على اختلافهاـ التي ظهرت لديهما سواء في البناء الداخلي أو في المواقف الإقليمية.

إن ثلاثمائة مليون عربي متلهفون لرؤية "النموذج العربي" الجاذب نوعياً ليلتفوا حوله بدلاً من النماذج الأخرى غير العربية، أو إلى جانبها على الأقل.ويتلخص التميز النوعي في الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان سياسياً والصدق في العمل من اجل الوحدة العربية قوميا والنجاح في تحقيق التنمية الاقتصادية الاجتماعية الشاملة التي تنتشل الإنسان العربي من وهدة التخلف والهزيمة والفقر والجهل والمرض أولا وأخيراً.

 

ــ محمد عمار:

إن السياسة كما أسلفنا هي وليدة الثقافة، ومن ثم فإن إنجاز حالة سياسية ما، يقتضي منا إنجاز وضع ثقافي يمكن فيه ولادة مناخ يسمح بالتفكير الحر، الذي ينتج الآراء التي يمكن أن توضع في التداول، وإذا كان المناخ الثقافي السائد إلى الآن في المنطقة العربية أسير مقولتي القوة والسلف، فكيف يمكن أن يولد الرأي؟ وما لم يولد الرأي فلن نعرف للحرية معنى، ولذلك قلت وأكرر الآن أن العقل السياسي في المنطقة العربية لم يولد حتى اليوم، وأنه لم يوضع في الخدمة حتى الآن، ما زالت السياسة محكومة بالقوة، وما زال العقل بعيدا عنها، وحيث لا عقل فلا مجال للرأي ولا معنى لحرية الرأي، وما زال العالم الثقافي أسير القراءة القروسطية للنص، محكوما بنموذج السلف، حيث كل الأشياء ذات القيمة قد قيلت وكل ما يمكن أن يقال هو لغو أو في أحسن الأحوال فضول من القول، إن لم تضر فهي لن تنفع شيئا، فما ترك الأول للآخر شيئا، وفي تصوري فإن بحث مشكلة السياسة يتطلب بحث مشكلة الثقافة، وهذا يقتضي أن نضع المثقف في دائرة الاتهام بدل أن نضع السياسي، فالسياسي حفيد المثقف، وإخفاق السياسة في العالم العربي هو وثيقة إدانة للجامع والجامعة، كما يقول الأستاذ جودت سعيد، إن ولادة مثقف حقيقي يأخذ المبادرة، ينحاز للوطن والإنسان، كفيل بكسر الحلقة المعيبة، وعندما نتمكن من صناعة هذا النموذج نكون قد وضعنا حجر الزاوية في صناعة السياسة في المجتمعات العربية، فولادة الحالة السياسية رهن بولادة الرأي الذي يصنع حريته.

 

السؤال السادس: ما هو دور الدين والثقافة والعادات والتقاليد في ظاهرة العزوف عن السياسة؟

 

ــ جودت سعيد:

الدين والثقافة مصدر الأفكار سواء كانت سماوية أو أرضية. وهذا كله مرتبط بالإنسان صاحب العقل، وأكرم بالعقل، وأمسك النار وتعلم الزراعة واستأنس الحيوان، ولما أعطي العقل أعطي اللسان ليعبر عن معقولاته، وحول ما ينطق به إلى رموز فابتكر الكتابة فأصبحت الأفكار خالدة بعد أن كانت تموت بموت أصحابها. والكتابة عمرها خمسة آلاف عام فقط في حياة الإنسان، أما الورق للكتابة عليه فمنذ ألف سنة أو أكثر قليلاً، أما الطباعة فمنذ خمسمائة عام، أما الكتابة الإلكترونية فمنذ عقود. اللغة عادة وتقليد، والإنسان يخرج من بطن أمه، بدون لغة، بالتقليد يتعلم اللغة، وتصير عادة، وتترسخ بعمق. لم يقل الله أنه أنزل كتاباً على آدم، وإنما قال، وعلم آدم الأسماء. لما تلكم الإنسان خرج من عالم الحيوان بنقل الخبرات بالكلام بالسماع، ولهذا كان الناس ينكرون ما لم يسمعوا به من آبائهم ولكن فهمنا للدين والثقافة تغير كثيراً.

فعلاقتنا مع الدين والثقافة لم تتكيف بعد ولهذا نعيش نحن في عهد الخوارق، ولم نكتسب المعرفة بعد، ونحن في مرحلة مخاض عسير لفهم الدين على أساس العلم، والقرآن حول الدين إلى علم بعد أن ختم النبوات، لأن كل شيء يصير علماً يصير عالمياً، والإيمان باليوم الآخر جعله القرآن علماً حينما قال: {إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون، وترجون من الله ما لا يرجون}، والإيمان باليوم الآخر والله والأنبياء جعله الإنجيل أيضاً علماً، لما قال المسيح عن الأنبياء الكذبة أنهم في الظاهر كالحملان ولكن في الباطن ذئاب خاطفة، لما سألوه كيف نميز بين الحملان والذئاب، قال: "من ثمارهم تعرفونهم"، هذا أسلوب علمي، كلما جاء ثمر أفضل ينسخ ما هو أدنى.

لم نتكيف بعد مع العالم الجديد، إنه ليس من صنعنا والعادات والتقاليد الراسخة لا تزال تتحكم فينا، مثلاً لما هدد الأمريكان إيران، تطوع 40 ألفاً أنهم مستعدون أن يكونوا انتحاريين، ولكن فهمنا للدين وعاداتنا وتقاليدنا لا تستطيع أن تكشف قيمة المظاهرات السلمية الصامتة، الذين لا يردون على العدوان، هذه الأمور غير واضحة، ولا مدروسة، ولا مفهومة، بالكاد بدأ بعضنا يفكر فيها باستحياء، وكل ما كان مبعث قوة تحول إلى غثاء، قال إقبال:         علة يصبح ما مس العليل.

 

ــ  حبيب عيسى:

إن الخوض، في هذا الموضوع، بالغ التعقيد، ولا أعتقد أنه يمكن الإحاطة بجوانبه المتداخلة، في هذه العجالة، لكن، وكإطار عام، نقول إن الدين، والثقافة، والعادات، والتقاليد، والموروث الحضاري، لأي، أمة، من الأمم، يتضمن، في ذاته، الإيجاب، والسلب، ففي مراحل النهوض، والتنوير، والمقاومة، والبناء، يبرز الجانب الإيجابي، الكامن، في، كل عنصر، من تلك العناصر، فيستحضر المجتمع، من ذلك النسغ التاريخي، كافة أشكال، المضادات الحيوية، ليتعافى المجتمع، وتتعزز عناصر القوة، والمنعة، والوحدة، والتسامح، وتدخل المصالح الخاصة، للناس، في إطار المصلحة العامة، للأمة، ويتحول المجتمع، إلى مجتمع سياسي، بالمعنى، الذي تحدثنا عنه، أما، في مراحل الانحطاط، والاستبداد، والفساد، والإفساد، فإن المجتمع، وتحت ضغط، القوى السلبية، وممارساتها، وردود الأفعال، تبرز إلى السطح، العناصر السلبية، من تلك المكونات، الدينية، والثقافية، وتسود أفكار التكفير، والإلغاء، والتصفية، والقتل، والتفرد، وإلغاء الآخر.

وللأسف الشديد، فإن، الاستبداد المديد، في الوطن العربي، أنتج، كل، ذلك السلب، الذي طغى، على ما سواه، وتم تغييّب الإيجابي، من الدين، ومن الثقافة، ومن الحضارة، وهذا بدوره، شكل، أحد أهّم عناصر، ترسيخ الاستبداد، والفساد، والفتن، والتخريب، بحيث، لا يبحث المواطن، في الآخر، إلا، عن، ما يكفي، لإلغائه، والتخلص منه، وبالتالي، فقد حلتّ عناصر الفتن، مكان عناصر، المساواة، في المواطنة، وهذا، أدى بدوره إلى المشكلة، التي، نحن، بصددها، وهي مشكلة، عزوف الناس، عن السياسة.

 

ــ عارف دليلة:

تميزت في التاريخ الحركة التي أطلقها الأنبياء وبالأخص عيسى ومحمد، فقد بدأت من الواقع الغارق بالبؤس والتمايز والاضطهاد من أجل قلب كل البنى الاجتماعية الطاغية: الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية والنفسية والأخلاقية، لترسم حداً فاصلاً بين الخير والشر في رسالة من الخالق إلى أفضل ماخلق، إلى الإنسان الذي تميز عن الحيوان بالعقل والنطق، بالتفكير واللغة، ليحمله تكليف ومسؤولية خلافته في الأرض وإعمارها على أساس الخير والعدل والحق والمساواة. أما الأنظمة السياسية الواقعية الديكتاتورية فتجعل على رأس مهامها إلغاء ميزتي العقل والنطق، التفكير والكلام والكتابة والنشر، في أوساط شعوبها لتعيدها إلى مجتمع القطيع! دون أن تفوت لحظة إلا وتكرر فيها أنها بالقطيع، وبالقطيع وحده،ستواجه التحديات والأعداء وستنتصر.

بنتيجة هذه الحركة كلها تميز نطاق السياسة في التاريخ مابين احتكار السلطة السياسية والاستئثار بها الذي كان يتراوح بين فرد أو مجموعة من الأفراد أو نخبة أوسع إلى هذا القدر أو ذاك، وبين إتاحة الاهتمام بالشأن العام وممارسته لجميع الناس على قدم المساواة.

في الصين القديمة، مثلاً، كانت السلطة الإمبراطورية تجري مسابقات يشترك فيها أي مواطن لاختيار الأفضل من بينهم من حيث القدرات والميزات الشخصية لتولي شؤون الإدارة العامة. أما في أثنيا الديمقراطية قبل ألفين وخمسمائة عام فكان المواطنون (الأحرار!) يجتمعون في الساحة (الأغورا) لينتخبوا من بينهم، دون أي تمييز من يشغل المواقع الهامة في إدارة الشؤون العامة، ولمدة محددة (سنة) ليعودوا بعدها لانتخاب آخرين من بينهم يخلفونهم. وكان النبي محمد قد ساوى بين الناس كأسنان المشط فأزال سلطة الأصنام والوجهاء والأغنياء وأطلق طاقات المستضعفين والمعدمين، وكان يستوقفه الناس، بما في ذلك النسوة، في الطريق ليسألونه عن شؤون دينهم ودنياهم الجديدة فيفصل لهم فيها، حتى أمكن خلال سنوات قلب نظام الحياة الذي كان سائداً في ذلك العالم. ولكن الشأن العام (الذي أصبح ومنذ الثورة الفرنسية عام 1789 اسمه Res-public أي الشيء العام، أو الجمهورية) والذي دعا الإسلام لأن يكون "شورى بينهم"، أي بالمصطلح الحديث _ القديم: ديمقراطية تساوي بين الجميع في القرار والمسؤولية (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) ويكون فيها أولو الأمر "منكم"، أي أن عامة الناس يختارون من بينهم على قدم المساواة من يتولون شؤونهم، ما لبث أن أصبح بعد وفاة النبي مباشرة حكراً على الخاصة، قبلياً، ثم طبقياً، وانقلب رأساً على عقب المعنى الذي حملته "ميم الجمع" في "بينهم" و"منكم" طيلة التاريخ الإسلامي اللاحق الذي أصبح باميتاز، باستثناء لحظات خاطفة، تاريخ "الملك العضوض"، تاريخ الغلبة، والذي كان مسرحاً شكسبيرياً تآمرياً على نطاق عالمي شاسع، ولم يتخذ مفهوم" البيعة" الشكل العملي الذي مارسه الأحرار في أثنينا الديمقراطية، بل استخدم بشكل مسرحي شكسبيري على أفظع ما يكون لتكريس الملك العضوض، الأمر الذي حكم بانحطاط وتخلف العالم الإسلامي. ولكن هذا العالم أخذ اليوم يتحرك باتجاه الديمقراطية والتقدم، باستثناء العالم العربي منه، الذي وصل فيه الملك العضوض الظالم الفاسد المتخلف إلى تأليه وتخليد البشر الأبعد، غالباً، عن أخلاق العدالة والمساواة الإنسانية والتقدم الاجتماعي.

 

ــ عبد العزيز الخير:

يلعب الدين دوراً أكيداً في دفع قطاعات من المؤمنين للمشاركة في النشاط السياسي أو الانكفاء عنه. فالثقافة الدينية بالغة القدم، ولطالما استخدمتها السلطات الحاكمة أو القوى التي تمردت عليها، لتكوين قناعات معينة عند المؤمنين، تخدم هذا الخندق أو ذاك: الخضوع والاستكانة للحاكم وتثبيت سلطته بالتالي، أو العكس: التمرد عليه والإطاحة به.

ويسري الأمر نفسه على المجتمع السوري. فلقد نشر في العهد العثماني فهم للدين، دفع المجتمع العربي للاستكانة لحكم السلطة آنذاك، وأنتج أسوأ النماذج الاجتماعية السلبية والمستقيلة من مسؤوليتها السياسية تجاه المجتمع. لكن اللوحة تغيرت بعض الشيء لاحقاً، بعد أن حاربت الثقافة الوطنية والقومية والماركسية هذا الفهم. ووصل الأمر إلى إحدى ذراه حين استخدم الإخوان المسلمون فهماً معيناً للدين لدفع قطاعاتٍ من المجتمع إلى النشاط الفاعل في مواجهة السلطة، بما في ذلك العنف الدموي. وقد لعبت المؤسسات الدينية ولا تزال تلعب، دوراً ملموساً في التوجيه السياسي لقطاعات من المجتمع، يدفع غالباً إلى الانكفاء عن النشاط السياسي المباشر، والتعايش مع الأوضاع القائمة، وتوجيه الفاعلية الاجتماعية نحو نشاطاتٍ ثقافية أو إنسانية أو فنية (لا تلقى معارضة رسمية) تؤدي وظيفة حفظ التماسك الداخلي للجماعة الدينية أو الطائفية، مما يمكن رجال الدين من قيادتها والتحدث باسمها وإدعاء التعبير عن مصالحها. وتتوسع النشاطات الاجتماعية للمؤسسات الدينية في السنوات الأخيرة لتشغل حيزاً متزايداً من حقول النشاط التي يفترض أن تملأها المؤسسات والجمعيات والنوادي العائدة للمجتمع المدني ككل، وليس لدين أو طائفة منه فحسب. وقد شملت النشاطات المذكورة لتلك المؤسسات جزءاً من مهمات التعليم العام بمختلف مراحله ومن مهمات اجتماعية أخرى كالرعاية الصحية مثلاً.

كذلك فإن شخصيات دينية تنشط ليكون لها دائماً أتباع ومريدون يخضعون لنفوذها ويشكلون أداةً تستخدمها لحيازة نفوذٍ اجتماعي-اقتصادي-إيديولوجي، وبالتالي نفوذ سياسي أو شبه سياسي. وهي لذلك تحرص على "ضبط" نشاط هؤلاء المريدين في حدود توجيهاتها حصراً.

وقد تشكلت جماعات عديدة على هذه الشاكلة في سوريا على امتداد العقود الماضية، وتكاثرت الظاهرة واتسعت في العقد الأخير خاصةً، حتى وصل تعداد بعض الجماعات إلى عدة آلاف، يشكل أفرادها مجتمعاً صغيراً خاصاً، له طقوسه وتقاليده وأزياؤه ونشاطاته الاجتماعية، وأساليب تضامنه الخاصة.

ووصل الأمر إلى ظهور رجال دين يستخدمون وسائل الإعلام العامة بصورةٍ يوميةٍ أو شبه يومية (ساعات بث إذاعي وأحياناً تلفزيوني، مواقع على الانترنت، أشرطة مسجلة) يقدمون عبرها فهمهم للدين والمجتمع والإنسان، وللعديد من القضايا التي تشغل الرأي العام، بما فيها بعض القضايا السياسية. ويتم كل هذا بعلم السلطة وأحياناً بتشجيعها، مقابل تفاهم الشيخ أو الداعية وتجاوبه معها في ما تراه ضرورياً من توجيه اجتماعي وسياسي للجماعة. في حين يجري التضييق على رجال الدين الذين لا يظهرون مثل هذا التجاوب، لاسيما إذا ظهر في طروحاتهم وفهمهم للدين ما تتوجس السلطة منه.

بالمحصلة، يشكل الدعاة الإسلاميون، وجماعات المريدين جزءاً مهماً وبارزاً من لوحة الفاعلية الإيديولوجية والسياسية والاجتماعية في المجتمع السوري في السنوات الأخيرة، وهو يحتل حيزاً أوسع وأكثر ديناميكية من الحيز التي تشغله القوى والأحزاب العلمانية عموماً (باستثناء حزب البعث)، ويلعبون حتى اليوم (إلى متى؟ ثمة تساؤل مقلق حول الآفاق الممكنة لتطور هذه الظواهر والجماعات) دوراً معززاً للسلطة، إن لم يكن عبر دعمها بفاعلية مباشرة، (وهذا يتم من قبل بعضها)، فعبر منافسة الاتجاهات الدينية التكفيرية والعنفية وعدم ترك الميدان لها وحدها (علماً أن وجودها سري ومحدود جداً).

لابد من الإشارة إلى أن كلاً من السعودية وإيران تعملان لكسب تعاطف بعض المجتمع السوري، عبر تمويل إقامة مساجد ومقامات دينية، والسعي لاستمالة أو تشجيع عناصر من المجتمع لاعتناق المذهب الوهابي والمذهب الشيعي، حيثما يتاح ذلك. ويثير هذا النشاط، على ضآلة فعاليته ومردوده، ردود فعل غاضبة، وإن تكن مكبوتة، نظراً لحساسيته الطائفية.

أخيراً، فإن الفعاليات الدينية المذكورة آنفاً، مضافاً إليها الفاعلية التقليدية للجهاز الديني الرسمي (وزارة الأوقاف وجهاز الإفتاء، المعاهد والمدارس الدينية، المساجد والكنائس والخطباء والأئمة ورجال الإكليروس المسيحي، وما يلحق بها من جمعيات خيرية ونواد)، تضفي صبغة تقليدية محافظة على قطاعاتٍ من المجتمع السوري، تطفو على السطح، وتبدو معادية أو منافسة للبنى الاجتماعية الحديثة والثقافة المعاصرة، وهي إذ تلعب دوراً متنامياً في الفاعلية الإيديولوجية والسياسية والثقافية والاجتماعية، بقبول وتسهيل من السلطة، فإنها تثير قلقاً عميقاً على مستقبل المجتمع والبلاد، نظراً لما تستبطنه من احتمالات خطرة على التطور الاجتماعي، ولاسيما على الاندماج الاجتماعي الداخلي والوحدة الوطنية. ويشكل ضعف النزعات التحديثية في الفكر الديني، وعدم إنتاج فهم معاصر وتجديدي للدين، أحد المكونات المهمة في أزمة الفكر السياسي والاجتماعي السوري، والعربي عموماً، وهو ما يترتب عليه استمرار الفهم والدور الماضوي السلفي للدين، واستمرار ما يترتب على ذلك من نتائج اجتماعية وسياسية مناهضة أو معيقة لتطور المجتمع وتقدمه وبناء الأمة الحديثة.

 

ــ محمد عمار:

كنا قد أجبنا عن طرف من هذا السؤال، في سياق الإجابة عن الأسئلة السابقة، عندما تحدثنا عن علاقة الثقافة بالسياسة، وأضيف أن الدين بالأساس دعوة تحرير وسبيل حرية، وفي اعتقادي كمسلم أن المبادئ القرآنية الكبرى ما زالت راهنة، لكن الذي يحدث في القراءة الشائعة، أن المبادئ الكبرى يتم تجاوزها لصالح أحكام تاريخية صغيرة مهما عظموها، مقارنة بالهدف القرآني الأساسي الذي هو إخراج من شاء من العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد، وتحريرهم من التراث، بنزع الآثار والأغلال التي تنسجها البيئة الثقافية التاريخية (المخلدة) حول عقول البشر، لكن وبكل أسف ومرارة فإن الدين بخضوعه للعقل الفقهي، وابتعاده عن روح القرآن يتحول إلى سلطة لا تقبل إلا بالخضوع الكامل، ويتحول التدين إلى حالة من الاستلاب التي لا تليق بالإنسان المكرم، وفي تصوري فإن هذا تدين ضد الدين إن صح التعبير، فهو ينزع آدمية البشر عندما يسد الطريق أمام العقل الإنساني أو يستبعده أو يشكك في مصداقيته، كما أنه يخلق وعيا زائفا عندما يصرف اهتمامات الناس عن إدارة شؤونهم الحياتية اليومية، ليسلط طاقاتهم على تحصيل حياة افتراضية منقطعة عن الواقع المعاش، رغم صراحة القرآن في ارتباطهما، بحيث أن الحياة الدنيا هي مقدمة الحياة الأخرى (من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا).

ورغم كل ما قدمناه، لا أعتقد أن الدين عموما والإسلام خصوصا مما يمكن تجاوزه أو تجاهله في بحث المشكلة الإنسانية، أي مشكلة السلطة في هذه المنطقة أو في أي منطقة أخرى من العالم، ولذلك أعتقد أن الإصلاح السياسي في العالم العربي رهن بنوع من الإصلاح الديني، إصلاح ديني لا يقوم على إقصاء الدين وعزله كما في التجربة الغربية التي ثبت فشلها بما لا مجال للشك فيه، حيث بدأ الدين يستعيد حيويته فيها، لكن دون أن تمسه أضواء عصر الأنوار، وهذا يهدد بتقويض كل مكتسبات الإنسان المعاصر، وكل منجزات عصر الأنوار، وقد ظهرت هذه الروح في الغزو الإمبراطوري الأمريكي الذي ينتهك كل مقدسات عصر الأنوار لصالح فكر ديني متخلف، يدعمه اتجاه فكري تعبر عنه بعض التصريحات التي جاءت على لسان بعض القادة السياسيين والدينين كما في حديث البابا في جامعة روزنبرغ، أو في حديثه التالي عن الكنيسة الوحيدة الناجية التي هي كنيسته، والتي تثبت أن هذه العقول لم تمسسها فتوح عصر الأنوار.

 

السؤال السابع: المدخل الرئيسي للحكم الرشيد مرهون بالإرادة السياسية. كيف ومن الجهة التي تملك هذه الإدارة؟

 

ــ جودت سعيد:

الإرادة تتولد من المعلومات والمعلومات غائبة عنا نحن المعلمين لا قدرة لنا على فهمها والذين لا يعتبرون من التاريخ إن التاريخ معلم صبور طريق تعليمه الآلام، الأوربيون تعلموا من الآلام أمام أعيننا هذا نبصره ولا نكاد نفهمه ومن يتحدث عن هذا ينظر إليه كأنه خيانة لعاداتنا المقدسة وتقاليدنا التي أغلقت علينا أبواب الفهم.

ــ حبيب عيسى:

دعني أقول معك، أن المدخل الرئيسي، للحكم الرشيد، لأي دولة، مرهون بالإرادة السياسية، لكن، دعني أضيف، أن المدخل الرئيسي للحكم، غير، الرشيد مرهون، أيضاً بالإرادة السياسية، والإرادة السياسية، تعبر عن الجهة التي تمتلكها، ففي المجتمعات الحية، حيث مؤسسات المجتمع السياسية، وغير السياسية، تمارس دورها، فإن مؤسسات السلطة، تكمل هذا الدور، وتحوله، إلى قرارات تنفيذية، تحت رقابة المجتمع، الذي، ومن خلال مؤسساته، يراقب، ويحاسب، وبالتالي، فإن مؤسسات المجتمع، ومؤسسات الدولة، بالتكافل، والتكامل، تكون، هي، من، يمتلك الإرادة السياسية، وهذا يعني أن المعارضة لا تكون غائبة، عن الإرادة السياسية، وإنما تكون في صلبها..، أما، في الحكم غير الرشيد، حيث مؤسسات المجتمع، ومؤسسات الدولة، في حالة من الموات، أو الغيبوبة، في أحسن الأحوال، فإن الإرادة السياسية، تكون غائبة، عن مؤسسات الدولة، وعن مؤسسات المجتمع، في الوقت ذاته، وتتمركز، في مكان، ما، معني، بأمر واحد، ووحيد، هو تأمين حالة الاستبداد، بفرض حالة الموات، على المجتمع، والدولة، لأن حالة الرشد في مؤسسات الدولة، والمجتمع، تنفي استمرار الاستبداد، غير الراشد، وغير الرشيد.

للأسف الشديد، مرة أخرى، فإن الحكم، في الوطن العربي، أبعد ما يكون، عن الحكم الرشيد، ومما يزيد الحالة سوءاً، أن قوى الهيمنة الخارجية، التي تبسط إرادتها السياسية، على الوطن العربي، من خلال أنظمة الاستبداد، ليس لها، أية، مصلحة، بقيام أي شكل، من أشكال الحكم الرشيد، حيث، ستكون الإرادة السياسية، بيد مؤسسات المجتمع، ومؤسسات الدولة، ومن الصعب على قوى الهيمنة الخارجية، السيطرة على تلك المؤسسات، المكشوفة للمجتمع، والتي، لا يمكن ارتهانها، بسبب تعددها، للإرادة السياسية للخارج، بينما، إذا كانت الإرادة السياسية، بيد المستبد، الفرد، في الحكم غير الرشيد، فإن المساومة، تكون أكثر من ممكنة، فارتهان إرادة الفرد، كائناً، من كان، أسهل، بما، لا يقاس، من ارتهان إرادة مجتمع، يمتلك الحيوية، وينتج مؤسسات دولة، حية. أكثر من ذلك، نقول، أن المستبد غير الراشد، وغير الرشيد، هو الذي يسعى للارتهان للخارج، ليطلق ذلك الخارج يد المستبد في الاستبداد بمجتمعه، هكذا يمكن أن نحدد، دون مواربة، أن تفريغ مؤسسات الدولة من مضامينها، ينعكس تفريغاً لمؤسسات المجتمع، والحد من مقدرتها على التغيير، وهذا يدفع بالمجتمع إلى الإحساس باليأس، واللاجدوى، وبالتالي التمترس وراء الفردية، والاهتمامات الخاصة...، حتى النخب العربية، باتت تردد القول الشائع، "الشاطر، في هذه الظروف، من يحفظ رأسه، وأسرته، ومصالحه الخاصة، ويربي أولاده..."

 

ــ عارف دليلة:

إن السياسات التنموية المضادة للفقر، مع الديمقراطية السياسية، هي الكفيلة بتقوية السلطات الوطنية وإغنائها عن القمع والقهر المعمم وإلغاء القوى والسياسات المخربة والمفسدة والمستنزفة للاقتصاد والمجتمع، إن السياسة التي تتمثل في الاستيلاء على السلطة واستخدامها لتحقيق مصالح خاصة، أو ما يعني "تخصيص الدولة" بما يجعلها تختفي كلياً كمؤسسة عامة، لن تتحقق لو أمكن حرمان أجهزة القمع من منابعها البشرية والمادية، وبالأحرى، لا مصلحة لمثل هذه السياسة اللاوطنية في إحلال مؤسسات التنمية السياسية محل "الأمن السياسي" لأن الأولى تحمي مصالح المجتمع، بينما الأخير هو الذي يحرس الامتيازات غير القانونية للسلطة المتغولة غير الشرعية أصلاً، صاحبة هكذا سياسة، ويوفر لها الحصانة المدعمة لممارساتها في وجه أي مساءلة محتملة!

يجب أن نكون أوعى من أن ننجر إلى تحميل الدين، أو الثقافة والعادات والتقاليد، أو الأخلاق والقيم.. الخ المسؤولية عن الإيجابيات أو السلبيات، ففي جميع هذه العناصر جوانب مختلفة مما يجعلها تخدم التقدم أو التخلف، التحرر أو القهر، السعادة أو الشقاء، الوحدة الوطنية والقومية او التجزئة والاقتتال، وذلك تبعاً لمصالح واختيارات من يستخدم ويوجه هذه العناصر. وهذا يتبع للوضعية السائدة في المجتمع في كل مرحلة. الآن في مجتمعاتنا العربية تنحصر هذه الوضعية، للأسف، بين "اخوة أعداء" يسخرون سلبياً جميع هذه القوى والعناصر ضد التقدم الاجتماعي. والإخوة الأعداء يتمثلون في طرفين متطرفين متعاديين شكلياً متحالفين موضوعياً وهما السلطة الفاسدة وقوى التخلف الاجتماعي، وهما وجها عملة واحدة، عام 1998 شارك في الأسبوع الفلسفي (الذي كانت تقيمه كلية الآداب بجامعة دمشق ـ قسم الفلسفة الذي كان يرأسه الدكتور صادق جلال العظم، ومن أعضائه عميد الكلية آنذاك المرحوم الدكتور حامد خليل) المفكر المصري الراحل محمود أمين العالم، وكانت محاضرته حول دور المثقفين العرب، قلت أثناء النقاش: «وضع المثقفين العرب اليوم يشبه وضع حبات القمح التي تدور عليها حجرا الرحى. الحجر السفلي ثابت ويمثل القاع الاجتماعي المحلي الراكد، والحجر العلوي متحرك ويمثل السلطة. ولكن هذا الحجر يتحرك بقوة تدير ذراعه من الخارج. أما حبات القمح، وهم المثقفون العضويون، حسب تعبير غرامشي، فينسحقون تحت ضغط هذه الحركة بين هذين الحجرين» (يجدر بالذكر أن هذا الأسبوع الفلسفي الذي كان يقام سنوياً ألغي بعد هذا الموسم، بعد أن أصبح له جماهيره الواسعة كمنبر وحيد للتفكير والتعبير الحر على مستوى الجامعات السورية! كما أنني تلقيت خلاله من أحد "المخبرين" نبأ توقيع رئيس الوزراء لقرار صرفي من الخدمة (بعد أكثر من ربع قرن من العمل كأستاذ في كلية الاقتصاد) ضارباً عرض الحائط بنص قانون تنظيم الجامعات الصادر عام 1975 الذي يحصن الحرية الفكرية في الجامعة ويتطلب لجنة خاصة للتحقيق ومحكمة خاصة لإصدار أي عقوبة على أي أستاذ جامعي، أما القرار المذكور فكان إحدى "شطحات القلم" اليومية التي تمارس في "ديمقراطيتنا الخاصة بنا غير المستوردة" كما يصفها الإعلام الرسمي!!).

يقول المفكر العربي الراحل إدوار سعيد: «المثقف الحقيقي هو المثقف الذي يستطيع قول كلمة "لا"». أما المثل العربي القائل «تموت الحرة ولا تأكل بثدييها» فيدعونا لأن نشد على أيدي المثقفين الأحرار الذين يرفضون إغراءات سلطات الانحلال والفساد، التي تريدهم أن «يأكلوا بأي شيء»، وإلا، فمصيرهم الموت سجناً أو جوعاً أو تهجيراً قسرياً حتى الموت بعيداً عن أهلهم ووطنهم. إن إجراءات القمع التي لا تجد سلطات الفساد غيرها وسيلة للدفاع عن نفسها وهي تظن أنها تشيع بوساطتها الهيبة والقوة والرهبة، ليست في واقع الأمر، وكما يفهم الخارج ذلك جيداً، سوى دليلاً دامغاً على الحاجة الماسة لستر الضعف والعجز والخوف، الخوف ليس من الشعب فحسب، وهذا أمر طبيعي بالنسبة لسلطات كهذه، بل ومن المواطن الأعزل المسالم، ومن الكلمة العلنية المنطوقة أو المكتوبة التي يعتبرونها اخطر من المتفجرات ! وكثيراً ما يمثل القمع الداخلي المتنفس للسلطة في مواجهة ما يمارس ظاهرياً على أنه قمع خارجي، ولكن في معظم الحالات يكون هناك تواطؤ معلن أو ضمني بين "القمعين"، بحيث يكون القمع الخارجي مصمماً لتغطية القمع الداخلي منعاً للأمة من النهوض، أو لدفع السلطات المحلية إلى تقديم تنازلات عن السيادة الوطنية ما كانت لتقدمها لو كانت واثقة من دعم شعبها، وبدلاً من أن تكون الوحدة الداخلية الصماء هي السور الحامي للسيادة وللمصالح الوطنية يصبح التضامن بين قوى الخارج وقوى الانحلال والفساد والتبعية في الداخل هو السور الحامي للمصالح المشتركة لهذه القوى في مواجهة أي نهوض للشعب لتجاوز واقعه المأساوي وحماية مصالحه.

 

ــ محمد عمار:

الإرادة بحسب ما افهم هي الرغبة، ولما نتحدث عن الإرادة السياسية، فنحن نتحدث عن الرغبة السياسية، ولن تتشكل الرغبة أو الإرادة من غير خبرة أو معرفة، فالمعرفة هي التي تصنع الإرادة كما شرح الأستاذ جودت في كتابه العمل قدرة وإرادة، وهذه الخبرة متوفرة الآن بوجود النموذج الشاهد الذي يصلح كوثيقة إدانة لواقعنا المريض، حيث في معظم دول العالم يتم تداول السلطة من غير دماء وآلام، وتكون السياسة وأداتها وهي الحكومة في خدمة المجتمع.

لكن من هي الجهة التي يجب أن يقع عليها عبء المبادرة؟ إن القسمة الضيزى للسلطة والثروة لا يتضرر منها من يمسكون بالسلطة ــ على الأقل في المدى القريب ــ وإن كانت على المدى البعيد تنطوي على نتائج كارثية، ربما لا يكون الوضع العراقي أكثر السيناريوهات سوءا، وقد تكون الإعاقة الدائمة والشلل المستمر وما يمكن أن تنشأ عنه من أزمات كما هو في وضعنا الحالي مرشحة للاستمرار، ومن ثم التفاقم والانفتاح على سيناريوهات شديدة الخطورة، إن استقراء الواقع وتطورات الأحداث والأزمات المقيمة تدل على أن هذا الوضع غير قابل للحياة، ولذلك فإن التغيير ليس خيارا، بل هو قدر المنطقة، وقدر الشعوب والحكومات فيها، ويجب أن يبادر من تتوفر لديه الرؤية المؤسسة للإرادة، وهو المطالب بالخطوة الأولى، لأن المستكبرين ليسوا أصحاب مصلحة مباشرة، كما أنهم أبعد عن رؤية الواقع وقراءته واستقرائه، من يملك الإحساس بضرورة التغيير يجب أن يضع هذه الرغبة في مكان الفعل، وبحسب تصوري للسياسة باعتبارها فعلا ثقافيا أولاً، أرى أن المثقف هو المسئول رقم واحد، وهو مطالب أن يضع تصوراته وما يؤمن به محل الفعل، ولهذا أعتقد أن قول الحق بحسب مصطلحاتنا أو ممارسة النقد كما ذكر الدكتور عارف ممارسة أساسية وضرورية في أي عمل تغييري، ونحن كثيرا ما نتحدث عن حق الإنسان في الكلام أو في التعبير، وأنا أقول إن المعادلة هنا مقلوبة، علينا أن نحي ثقافة الواجب، واجب الإنسان في قول الحق، وليس حقه في القول، إن ممارسة واجب قول الحق هي تدشين عملي لحرية القول غير قابل للانتزاع، فما تمنحه فرمانات السلطان يمكن أن تلغيه، أما ما تؤسسه الممارسة الشعبية العلنية فلا يمكن لأحد أن يسلبه، يجب أن نمارس قول الحق وأن نوطن أنفسنا على تحمل تبعات قول الحق، لقد خطا الأخوة في مصر خطوة للأمام فلم يعد السلطان ذاتا مقدسة متعالية غير قابلة للنقد، بل أضحى ذاتا بشرية فانية يمكن نقد ممارساتها الخاطئة. إن هذا السبيل ليس بلا أكلاف، لكن في جميع الأحوال لن تكون الأثمان كارثية، ونحن نعرف أن التغيير ليس بلا ثمن إطلاقا!

 

السؤال الثامن: ما هو الحل برأيكم لتجاوز هذا الوضع وإقناع المواطن السوري العربي بضرورة المساهمة في الحياة السياسية؟

 

ــ جودت سعيد:

شكراً على أسئلتك المختلفة ولكنها سؤال واحد أيضاً ما أتصوره أن يحدث لنا فهم جديد لهذه المشكلة الإنسانية التي تعيق نمو الإنسانية من أصغر مجتمع إلى الأمم المتحدة.

أنا يا أخي آمنت بالديمقراطية وأرى الديمقراطية هو الرشد الذي ضيعه المسلمون ووصل إليه مرة أخرى العقل البشري بواسطة الربح والخسارة إذا آمنتَ بالديمقراطية تكون حصلت شيئين مهمين الأول: ضمان حرية العقيدة لأن أهم مبدأ في الدستور الديمقراطي هي حرية العقيدة لأن العقائد لا يمكن فرضها بالقوة وإذا فرضتها بالقوة جعلت الإنسان منافقاً وكذاباً وجباناً وغداراً إذا تمكن. لأن كل من أخذ بالسيف بالسيف يهلك وللخروج من هذه اللعبة القذرة السماح بل بوجوب حرية الاعتقاد والجهر به بدون خوف والسماح به فمن يخاف أن تنتصر عقيدة غير صحيحة فهمه خاطئ وعقيدته خاطئة والسبب في ذلك أن الناس كانوا ولا يزالون يأخذون العقائد بتقليد الآباء وليس بفهم رسالة الأنبياء، المسلمون يخافون إذا سمحوا بحرية العقيدة أن ينهزم الإسلام أو رسالة الأنبياء جميعاً تنهزم لهذا كل العقائديين يخافون من العقل لأن الدين إذا صار علماً يصير عالمياً والديمقراطية وصل إليها البشر عن طريق العقل وضد الأديان وضد العقل الشائع لأن رسالة كل الأنبياء القسط بين الناس أُكرر ما ورد في القرآن لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط لكن إيمان الناس بالعضلات والسلاح هو الذي يجعلهم يعزفون عن الاقتراب من مشكلة السياسة كما يعزف الناس في سوريا والبلاد العربية والإسلامية جميعاً عن السياسة لأنهم لا يفهمون السياسة إلا بالقوة وإذا فكرت بالديمقراطية بالقوة فأنت إرهابي خارج عن القانون فإذا فهمنا هذا القانون يرتاح بالنا ولا نخاف أن نقبل الديمقراطية ونؤمن أنه الرشد الذي فقده المسلمون مبكراً وإلى الآن لا يحلمون باستعادته ولا اقتباسه ممن كشفه وأنا لما فهمت الديمقراطية وأنها لا تتحقق إلا بنبذ العنف من قبل جميع الفرقاء ويلجؤون إلى الإقناع فهاهنا من يقنع الناس أن يكون خادماً أفضل أو أجيراً أحسن يوفر لهم حاجاتهم الأساسية يختارونه هذا الفهم لما حصلته ووصلت إليه بالفكر والنظر رأيت أن الإتحاد الأوربي ديمقراطية فوق قومية. سبعة وعشرين قومية يتحدون بالعدل وكلمة السواء ونبذ العنف لأنهم مارسوا العنف حتى شبعوا منه إلى درجة التخمة يتحدون أمام أعيننا لا باسم الله ولا المسيح وإنما إيماناً بالعقل وتفضيلاً للمصالح ولما جاء عندي شباب يحملون(إعلان دمشق) وطلبوا مني الموافقة لما قرأته وجدت فيه أن الذين يدعون إلى هذا الإعلان "ينبذون العنف بكل أشكاله" قلت لهم أنا موافق هذا الذي كنت أتمناه من زمان قبل أكثر من أربعين سنة كتبت كتاب (مذهب ابن آدم الأول) الذي قال لأخيه "لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إي أخاف الله رب العالمين"

هذا مولود جديد في عالم العرب والمسلمين ينبغي أن يصل إلى الأمم المتحدة وحين يلغى حق الفيتو وتصير الأمم المتحدة ديمقراطية يكون تحقق أمنية جميع الأنبياء الذين جاؤوا برسالة "ليقوم الناس بالقسط" ولهذا دعاة الديمقراطية ورثة الأنبياء.

وأتمنى على أهل إعلان دمشق أن يفكروا جيدا وأن نقبل جميعا ً أن نذهب إلى السجن ولا نقول أفرجوا عن المسجونين وأنا أعلن هذا بناء على فهمي لإعلان دمشق وسروري به وتفاؤلي نحوه هذا هو الطريق إلى المستقبل والذي لا يفهم هذا حتى العظم لا يخرجون من الظلام إن الديمقراطية عصية لا تدخل بلداً فيه حنين إلى العنف وأنا لما كنت أدعو بقوة إلى إعلان دمشق كذلك أدعو بقوة أكبر وإيمان أعظم لإلغاء حق الفيتو حتى يعم السلام في العالم ليتحقق رسالة جميع الرسل وخاصة المسيح ليكون المجد لله وعلى الأرض السلام وللناس المسرة واستباق الخيرات.

أرجو من كل من يقرأ كلماتي هذه ويفهمها أن يبحث هذا الموضوع ويوضحها بشكل أفضل مما حاولت أن أوضحه أكتب تطبيقا لما كتبت من كتاب (ابن آدم الأول) وكتابي الآخر (الدين والقانون) وأنا حين أدعو إلى الديمقراطية لأني أرى ثمراتها "الإتحاد الأوربي" يحدث هذا في الأرض أمام أعيننا ولا أقول من أجل الله ولا القرآن ولا الأنبياء ولكن لأجل مصالحكم قولوا نريد اتحاداً عربيا مثل الاتحاد الأوربي هذا الكلام لا أتنازل عنه وأريد أن أضعه في فم كل عاقل يعرف تاريخ الإنسان إن الإتحاد الأوربي ليس نهاية التاريخ ولكن إدانة لبقاء العرب على تمزقهم وتفرقهم ولا أحد يسأل لماذا لا نعمل مثل الإتحاد الأوربي أنا مستعد أن أتحمل تبعة هذه الدعوة حتى الموت وأخاطب كل عربي ثم كل مسلم لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد

 

ــ حبيب عيسى:

المشكلة، كما أراها، ليست، في إقناع المواطن العربي، في سورية، أو، في غير سورية، من أرجاء الوطن العربي، بضرورة الممارسة السياسية، فهو، متشوق لذلك، لكنه، محبط، وغاضب، من جهة، وممنوع، من ذلك، بالإكراه، والقمع، من جهة أخرى، فهو، لم يختار هذا العزوف، عن الحياة العامة، وحل المشكلة، يبدأ، بإزالة أسبابها، وهذه مسألة، شديدة التعقيد، فالقوى المركبة، والمتداخلة، من الداخل، والخارج، التي تضع يدها، على مقدرات الوطن العربي، لن ترفع تلك اليد الغليظة، الدامية، المتوحشة، تبرعاً، أو طوعاً، لأنها تعرف، أن هذا المارد العربي، إذا خرج من القمقم، فإن الحال، لن يبقى، على ما هو، عليه، ليس في الوطن العربي، وحسب، وإنما في العالم، كله، لهذا فإن الحل، ليس بسيطاً، ولن يكون سهلاً، لكنه، ممكن التحقيق، بل، لقد آن أوان تحقيقه، ولو لم يكن الأمر كذلك، فما جدوى أن نتحلق حول هذه الطاولة، لنبحث في الأمر؟، المسألة، إذن، تتعلق، بتحديد خط البداية، ومن، ثم، إطلاق صافرة الانطلاق، وهذا بدوره، يحتاج، إلى، محطة، وقاطرة، وسكة، وعتاد، وقبل ذلك، فإن الأمر يتوقف على إرادة إنسانية واعية، تعرف ماذا تريد، وتعرف كيف تحقق هذا الذي تريده، والعمل بعد ذلك، قسمة، وطوبى، لكل، مواطن عربي، يحدد موقعه، في عملية الانطلاق، معلناً انفضاض الفرجة، على ما يجري، فالمخلص، هذه المرة، ليس فرداً، ولا زعيما منتظراً، المخلص، هو، الشعب، كل الشعب، الذي يحتضن طلائعه الواعية، والمنتفض، للقبض على الإرادة السياسية، لأمته، وانتزاعها، من قوى الهيمنة، داخلية، كانت، أو خارجية، وهذا، يتطلب توفر عناصر، ثلاثة، عنصر موضوعي، وعنصرين، يتعلقان، بالأسلوب. العنصر الموضوعي، يتعلق، بمن، تبقى من رواد مشاريع النهضة، في الوطن العربي، أولئك، الذين طحنتهم الأهوال، التي مرت على الأمة، ورغم ذلك، مازالوا أحياء، ولا أقصد الحياة الفيزيائية، هؤلاء، هم، القادرون، على وضع خلاصة تجاربهم، المرة، بتصرف الجيل العربي الجديد، وأن يقدموا، له، مراجعة حقيقية، للممارسة، دون تزييف، أو تهويل، أو تهوين، فهناك، الكثير من الأفكار، والممارسات النبيلة، التي تراكم عليها، غبار صراعات، وفتن، طمست وجهها الحقيقي، وكذلك، هناك الكثير من الأساليب، التي لم تعد صالحة، وفي هذا يجب أن تتوفر، لهم، شجاعة المراجعة، للأفكار، والإيديولوجيات، دون تبرير، أو مواربة، وكذلك، لطرح مشاريع جديدة للنهضة، إن، هذا، في حال تحققه، يجنب الجيل العربي الجديد، مخاطر تكرار الأخطاء، والخطايا، التي وقع فيها جيلنا، وهذا، في غاية الأهمية.

أما، من ناحية العنصرين المتعلقين، بالأسلوب، فإنني أقترح، أولاً: الجهر بالدعوة إلى الحرية ومواجهة هذا التسلط الغاشم، بالعلنية الواضحة، لمعارضة هذا النظام الاستبدادي العربي، بالكامل، وذلك، لأن مخاطر العمل السري، في ظل تطور أجهزة القمع، أكبر، من أن يطيقها المجتمع العربي، المنهك، من جهة، ولأن استئناف مسيرة النهوض، والتنوير، في الوطن العربي، لا يمكن أن تنطلق، إلا بدخول كتلة الجماهير العربية الكبيرة، ساحة الصراع، بمواجهة القوى، التي تعيق التطور، وهذا، لن يتحقق، إلا بمعركة مكشوفة، أمام الناس، كل الناس، بحيث لا يتمكن، أحد، من تغييبها، أو تزوير إرادتها. أما، الأسلوب الثاني، فيتمثل، في نبذ العنف، نهائياً، وعدم الانجرار، إليه، تحت أي ظرف، لا بردة الفعل، ولا، بمواجهة العنف، بالعنف، أي، الإصرار على أن العنف، بكل أشكاله، داخل المجتمع العربي، ُمحرّم، تحريماً، نهائياً، لأنه، عملياً، لن يؤدي إلى نتائج إيجابية، بل، سيجّر إلى فتن، لا يمكن تجاوزها، وسيجر، إلى تدمير المجتمع، بشكل، أو بآخر، وسيعطي، لقوى القهر، والتسلط، مبررات جديدة، للتوحش، فترهب المجتمع، وتعيق انطلاقته، باتجاه الحرية، وبما، أن العنف لا يقوم، إلاّ، بحدين، فليعطل المجتمع، الحد المفترض، من جهته، ليدفع، بأسنان، ذلك الوحش المستبد، في السلطات العربية، كي يصطدم بالحائط، فتتحطم، وينجوا المجتمع.

 

ــ عارف دليلة:

إن الديمقراطية هي وحدها التي تستطيع توحيد قوى الداخل الوطنية وإضعاف تحالف قوى الفساد والتبعية المحلية وقوى الهيمنة الخارجية. وهذا مايفسر الشراسة غير المحدودة في مواجهتها من قبل جبهة ارباب الفساد المحليين والخارجيين.

إن وعي قوى التبعية والانحلال والفساد للقدرات غير المحدودة لاحترام الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان على إحياء جميع المواطنين وتجاوزهم العزوف الظاهري الحالي عن المشاركة الإيجابية في تحسين البيئة العامة وترقية نوعية حياة وإنتاجية المجتمع والمواطن المادية والمعنوية هو الذي يفسر الحملة المتوحشة على المواطنين المنَزهين من الأطماع الشخصية، بل المضحين بكل مصالحهم الخاصة من أجل الأهداف العامة التي يفترض أن لا يختلف حولها أي مواطن مخلص، حتى ولو اختلفت التصورات والسبل لتحقيقها، وهذا موضوع النقاش والحوار العلني السلمي الدائم في جميع المجتمعات المتحضرة. إن من أهداف السلطات التي تستخدم جميع وسائل الإرهاب والإرعاب لإبعاد المواطنين عن السياسة، أي عن الاهتمام بالشأن العام الذي هو شأن خاص بكل مواطن، الدفع ببعض المواطنين إلى الشرور والانحراف عن الطرق والسبل الصحيحة الناجعة نحو أزقة وزواريب مظلمة وسلوكيات خطيرة فيما تسببه من هدورات وخسائر على الحاضر وعلى المستقبل الوطني. إنها عندما ترمي بهؤلاء في طريق الضياع عن وعي كامل منها تهدف من ذلك إلى أن تجعل من بعض التصرفات الشاذة مبرراً لاستخدام أساليب غير مشروعة للدفاع عن "استقرار" الفساد القائم المتجذر، وبالتالي "أخذ الصالح بالطالح"، الطالح الذي يعتبر ابنها الشرعي ونتاجها الموضوعي!

إن من يعادون الشعب، الذين يتسببون له بكل الأضرار مقابل تعظيم مكاسبهم الخاصة وإشباع شهواتهم الناشزة لا يمكن أن يكونوا أصدقاء الدولة الحديثة، بل هم أعداؤها الحقيقيون، الذين يعملون على تقوية اوضاعهم الخاصة من امتصاص دماء الدولة والشعب. فمن اين لهؤلاء الشرعية القانونية والأخلاقية بمعاقبة أصدقاء الشعب والوطن، أعداء الفساد والانحلال دعاة الدولة الحديثة الحقيقيين؟

إنها المفارقة المهلكة التي تحكم حياة الأمة العربية المنكوبة اليوم!

 

ــ عبد العزيز الخير:

لا مخرج إلا بحدوث أحد أمرين:

أولهما: توفر هامش فعلي من حرية التعبير والرأي والنشاط وتشكيل الأحزاب والجمعيات والمنتديات، وغيرها من أطر النشاط الاجتماعي – السياسي. وهذا لن يتحقق إلا بإقدام النظام عليه، سواء تم ذلك بفعل (إدراكه) أن الأمر ضروري لمصالحه الداخلية أو الخارجية، أو كليهما معاً. مثل هذا (الإدراك) يمكن لقوى حية في المجتمع أن تلعب دوراً في تسريع الوصول إليه، لا بطرح الأفكار والتصورات المناسبة فحسب، وإنما أيضاً بدعم ذلك الطرح بما يتاح من وسائل (الإقناع) التي يشكل الفعل والممارسة بعض أكثر أشكالها كفاءةً وقدرةً.

ثانيهما: نجاح قوى المجتمع الفاعلة في انتزاع ذلك الهامش من الحرية، بقوة كفاحها وتحالفاتها وتضحياتها، مستفيدة من ظروف موضوعية مواتية يمكن أن تعزز مسعاها هذا، وهي ظروف يمكن أن تستجد في أي وقت، وربما دون سابق إنذار، في ظل وضع اقتصادي يحمل في باطنه إمكانيات متعددة للتأزم الحاد، كما في ظل غليان المنطقة وزخم وعنف تطوراتها المتسارعة.

بدون حدوث أحد الأمرين السابقين، ستظل الفاعلية السياسية مقصورة على حزب السلطة والقوى والمجموعات الموالية، (وهي فاعلية نمطية – استلابية تزيد ابتعاد المجتمع عن ميدان السياسة والمبادرة الاجتماعية النشطة)، ومقصورة في خندق المعارضة على نخبة ضيقة من الفئات الواعية التي تدرك الضرورة الحيوية للعمل السياسي من أجل تغيير شروط الحياة نحو الأفضل،و تملك الاستعداد لدفع ضريبة نشاطها هذا.

 

ــ محمد عمار:

لي عدة ملاحظات: الملاحظة الأولى: أشعر من خلال المداخلات التي قدمت، أنه كان من الضروري أن نحدد بعض المصطلحات في بداية اللقاء، فأنا أشعر أحياناً أن مفهوم الفعل السياسي غير واضح للجميع على نفس المستوى، أقصد أن المفهوم ليس واحدا في أذهان المشاركين، وهذا الإشكال توضح لي من خلال تعقيب الدكتور عبد العزيز، على تعليقي على العمل السياسي في المنطقة، وخاصة لما قلت إن الأحزاب السياسية التي تنشئ أجنحة عسكرية لم تعرف السياسة حتى تمارسها، في الواقع نحن لم نصنع مناخا صالحا للعمل السياسي، لا يمكن أن تُصنع السياسة وأن ُتمارس في بلد لايرى فيه أحد إمكانية التغيير بغير القوة، إن إيماننا بالقوة كحل لمشكلة السلطة يجعل السياسة خارج وعينا، والحلول السياسية وراء ظهورنا، قد تقولون أن السلطات في كل بلد عربي هي سيدة الموقف ومالكة القوة، وأقول إن إيماننا بالقوة هو الذي يجعل القوة ومن يملكها سيدا للموقف، علينا صناعة جو إنساني، القيمة فيه للرأي، ويجب أن نميز بين الرأي والشتيمة، وعلينا أن ننشئ جيلا يعرف الرأي ويحترمه ويقدسه وهو مستعد للتضحية في سبيله، إن انسداد الأوضاع في العالم العربي، ليس سببه قوة النظم الحاكمة، إنما سببه تبلد المثقف الذي ما زال إلى الآن أسير فكرة القوة، وما لم نتخّلَ نهائيا عن فكرة القوة كحل لمشكلة السلطة فلن تخطر لنا الحلول السياسية الممكنة أو المحتملة، ولن نستطيع التحرك باتجاهها، ومن ثم زحزحة الواقع الهش المتآكل الذي فضحته حرب العراق، حيث أظهرت بلدا مثقبا متهاويا يكفي النفخ عليه ليزيله، لكن حتى عصا سليمان لم يكن لها أن تسقط لولا دابة الأرض، التي لولاها للبثت الجن في العذاب المهين كما هو إنسان العالم العربي، علينا أن نعيد تأسيس الحياة على أساس احترام الإنسان من خلال احترام عقله، وهذا لا يحدث حتى في الجامعات، أي أن مشكلة (الإمامة الكبرى) - بحسب مصطلحات التراث- في عالمنا هي صورة مضخمة عن السلطات الصغيرة في مجتمعنا، وإذا لم نتمكن من ذلك فلا نلومن إلا أنفسنا، لا يمكن ممارسة الجراحة في مكب الأوساخ كما يقول الأستاذ جودت.

وفي الأجواء الملتبسة والمختلطة لن يسلم أحد، ولذلك في جائحة فيروس الأيبولا في زائير، كان الضحية الأولى مريض مصاب بالفيروس، أما الضحية الثانية فكان الطبيب الذي عالجه، فإذا كان هناك حزب صغير في مجتمع ما، وهذا الحزب تم البطش به رغم أنه لم يمارس العنف، فهذا شيء طبيعي، لأننا - كما قدمت- لا يمكننا ممارسة الجراحة في أي مكان، نحن مسئولون عن صناعة مكان يناسب إجراء الجراحة، مثلما نحن مسؤولون عن صناعة مناخ يمكن فيه ممارسة السياسة.

 لما يقال نحن وصلنا للحكم بالدبابة، ومن يملك الدبابة فلينازعنا فهل هذه سياسة؟ وهل هذا مناخ لممارسة العمل السياسي؟ نحن لا نتحدث عن سياسة بل عن حرب، والحرب يخسر فيها الجميع، وإن كان البقاء فيها يجير لمصلحة الأقوياء فعلا ويحصل الجميع على نصيب متفاوت من الخراب، ومثلما قالت الدكتورة مي هذا فعل سلطة، وليس ممارسة سياسة، لذلك كان من المهم والضروري أن نعرف ماذا نقصد فعلاً بالسياسة، وبالتالي يتضح أكثر معنى الإرادة السياسية.

الملاحظة الثانية: موضوع السؤال الذي طرح، والذي يقول: ما هو تصوركم لما يمكن أن يحدث لو كان لدى السلطات نوايا إصلاحية؟ وأنا أعتقد أن هذا الموضوع لا يجوز تخيله، لأننا عشناه حقيقة على الأقل في سوريا، من خلال ما سمي بربيع دمشق، الذي كان الدكتور عارف دليلة أحد رموزه وأحد ضحاياه في نفس الوقت، وهو جواب واقعي لما يمكن أن يحدث في حال توفرت شبه إرادة عند النخب الحاكمة، وفيما إذا لمس الناس توجها للإصلاح عند السلطة، سيكون الحال مثلما حدث في ربيع دمشق، الذي تلا خطاب القسم الشهير، وما أشاده الناس عليه من أحلام.

الملاحظة الثالثة: حول موضوع الحق والقانون الذي أشار إليه دكتور عبد العزيز، في الوقع مشكلة القانون لا تكمن في شدته أو لينه، إنما تكمن في هل يطال الجميع أم أنه ممكن التجاوز وهو يطبق بطريقة انتقائية؟ فوجود قانون يطبق على الجميع ليس مشكلة، حتى ولو كان شديدا، لكن عندما يكون هناك أناس فوق القانون وهناك أناس يطالهم القانون، هنا تحدث المشكلة، وهذا مؤذن بخراب العمران كما نعيشه في العديد من الدول العربية.

السؤال التاسع: إن معظم المواطنين السوريين فاقدي الثقة بالمؤسسات الحالية الحاكمة والمعارضة بل فقدان الثقة في النخب الفكرية والثقافية والسياسية المؤطرة للحياة السياسية في رأيكم كيف نستطيع إعادة هذه الثقة للمواطن السوري؟.

 

ــ جودت سعيد:

المواطن السوري والعربي والمسلم وفي العالم كله فاقدي الثقة بكل المؤسسات الحاكمة والمعارضة وفقدان الثقة في النخب الفكرية والثقافية والسياسية

أنا كنت كذلك وكنت أقول حين أقرأ قوله تعالى: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" كنت في حوار مع ذاتي مع الله أقول لله يا رب ما تبين الرشد من الغي نحن في الظلام ولكن دراستي للتاريخ "معالم تاريخ الإنسانية" و"دراسة في التاريخ" و"قصة الحضارة" وتابعت لفهم القرآن فهمت أن الله لما ختم الأنبياء فتح باب التاريخ على مصراعيه وحول الدين إلى علم وكل شيء يصير علماً يصير عالمياً.

أنا أدين بفضل فهمي للقرآن وإيماني باليوم الآخر سقط كل المفكرين والمثقفين العرب والمسلمين والعالم لأني لو رجعت إلى ربي لن يقبل مني أن أقول له: "ربنا أطعنا سادتنا وكبراءنا" المحليين والعالميين ووضحت هذا في كتابي "الدين والقانون" وكبار مثقفي العالم أمثال تشومسكي وميشيل فوكو وهابرماز يحاورون أنفسهم ويفرحون بفهمهم ولا يسعون ليشكلوا تعاونا ثقافيا عالمياً. الحلاقون يعملون نقابة ونقابة المفكرين يُمَكِنهُم أن يتعاونوا في إدانة حق الفيتو ويبذلوا جهداً لتقريب هذه المفاهيم التي لا يسمع بها أحد ويمكنهم أن يخاطبوا العالم خارج كل هذه المؤسسات ويمكن أن يوصلوا مفاهيمهم إلى جميع مواطني الكرة الأرضية بجميع لغات العالم وبتبسيط المعرفة ليبدأ المواطن في العالم يحس أن هناك من يتحدث لشرح معنى العدالة فكل المظلومين في العالم سيستمع إليهم ونحن علينا أن نسعى لهذا ينبغي إذا فهمنا أن نخرج من التنافس على السلطة (السلطة للمعرفة) وإذا وعينا الناس سيستعيدون الثقة ويخرجون من اليأس والقنوط من إمكانية إصلاح العالم كل شيء يصير علماً يصير عالمياً. الكهرباء كانت صاعقة مدمرة ولكن صار علماً وصار عالمياً وخاضعاً للإنسان إن الإنسان قابل أن يفهم ولكن أنا اشعر أني لم أكتب بشكل يوقظ الناس والناس لا يقبلون الأفكار لأنها صحيحة ولكن يسمعونها كثيراً ومن كثير من الناس هنا نفهم قول المسيح (إذا كان النور الذي فيك ظلاما فالظلام كم يكون) وقول القرآن "أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون".

 

ــ حبيب عيسى:

دعني، أقول، وبكل وضوح، أن فقدان الثقة، بالمؤسسات القائمة، في الوطن العربي، سواء، كانت، حاكمة، أو محكومة، أو مؤسسات مدنية...، له، ما يبرره موضوعياً، لأن، تلك المؤسسات، أظهرت الكثير، من الهشاشة، حيث تمكنت أجهزة الاستبداد، من اختراقها، أو تدجينها، أو تحطيمها، ولم تظهر على أرض الواقع، "بالتمظهر"، الذي كانت توحي، به، للناس، وهذا، بحد ذاته، أدى، إلى صدمة عنيفة، لدى المجتمع، أدت بدورها، إلى حالة، من فقدان الثقة الراهنة، هذا، من جهة، ومن جهة أخرى، فإن تلك المؤسسات، ومن خلال كوادرها المهزومة، حتى ذاتياً، حاولت تبرير هزائمها، بالمبالغة، إلى حد كبير، بقوة الخصم، وتضخيم قدراته، وتصويره، على، أنه لا يقهر، ونسبت إليه، انتصارات، وقدرات، ليست له، تحققت، بإمكانياته، أحياناً، أو تحققت، بفعل استسلام، تلك المؤسسات، بدون مواجهة، وبدون هزائم، وهذا، بمجمله، أدى، إلى ردود أفعال عكسية، فطالما، أننا، أمام خصم، لا يقهر، فلماذا، تلك المقاومة العبثية...؟، وهذا، سبب إضافي أدى إلى عزوف الناس، عن السياسة، والشأن العام، عموماً، وفقدان، ما تبقى، من ثقة، بتلك المؤسسات، فإذا أضفنا، إلى ذلك، عمليات القمع الوحشي، اللامحدود، التي تعرض، لها، من صمد، من كوادر، تلك المؤسسات، وسط تعتيم، وعزوف وطني، أظهر تلك التضحيات، وكأنها تضحيات عبثية، لتكتمل الصورة المأساوية الراهنة.

الآن، وفي محاولة للإجابة على السؤال، كيف نستطيع إعادة الثقة بتلك المؤسسات..؟، دعني، أقدم جواباً صادماً، فأقول، دون تردد، أن، تلك المؤسسات، أو على الأصح شبه المؤسسات، الحاكمة، والمحكومة، على وضعها الراهن، لا تستحق الثقة، من أحد، فهي مؤسسات هرمة، لا تستحق، أن يطلق عليها، مصطلح مؤسسات، وبالتالي، فإن محاولات الترقيع، والتدعيم، لم تعد مجدية، المطلوب، الآن، ودون مواربة، بناء مؤسسات، للنهضة، والتنوير، والتحرير، على الصعيد المجتمعي، وعلى الصعيد الحكومي، في الوطن العربي، بمواصفات جديدة، تناسب العصر، وتتعامل، مع الواقع، لتغييره، وليس، للوقوع، في فتنه، وسلبياته...

 

ــ عارف دليلة:

في مثل هذا الأمر الخطير لا يجوز إلقاء الكلام على عواهنه. في ظروف انعدام الحياة السياسية والاجتماعية الطبيعيةـ العادية، لا يمكن قياس درجة ثقة الناس بشخص أو حزب أو بأمر ما أو معارضتهم له. ناطقون باسم السلطة يصرحون في وسائل الإعلام أنه ليس هناك في البلاد خارج السلطة أي شيء. هناك فراغ. والمعارضة كلها موجودة داخل السلطة، بل داخل حزب السلطة. ويقولون أيضاً: إن التغيير مرهون بإرادة الشعب. ولكنهم يتناسون أنه في ظروف زج الناس في السجون لا لشيء إلا لمعارضتهم للسطو والفساد وكشفهم عن ممارسات النهب والإفقار، وإنهم في إلغائهم لدولة القانون، حتى دستورهم وقانونهم، ناهيك عن دولة الحق المنشودة، وفي إلغاء أي إمكانية لاستقلال ليس السلطات فحسب، بل أي رجل في أي سلطة، قاضياً كان، أو نائباً، (ومعروف أنه لا يوجد نائب منتخب من قبل الشعب حالياً، كما قلت في برنامج "الاتجاه المعاكس" على الجزيرة عام 2001)، أو إعلامياً، أو بالأحرى وزيراً أو محافظاً أو مديراً أو موظفاً حكومياً صغيراً أو معلماً، وليس المقصود باحترام استقلالية المواطن السماح له بممارسات تضر بالوطن أو الشعب، بل عدم ترصده والتنكيل به بسبب أي ممارسة أو كلمة يريد من خلالها الدفاع عن مصالح الوطن والشعب عندما تستباح علناً، وخرقاً للدستور والقانون.. وإخضاعه، لو فعل، إلى أسوأ أشكال المعاملات التعسفية، من اعتقال وأحكام قراقوشية وحرمان من الحريات والحقوق الأساسية كحق العمل أو السفر، دون أي محاكمة حقيقية، حيث لا تهمة ولا جريمة.. الخ، مما يمارس في ظل حالة الطوارئ الدائمة غير القانونية وغير المبررة، من قبل مؤسسات استثنائية محصنة من الخضوع لأي قانون وطني أو أخلاق اجتماعية إنسانية (هذا في الوقت الذي يقال فيه أن حالة الطوارئ والمحاكم الاستثنائية محصورة في ما يتعلق بالأمن الوطني والصراع مع العدو ولا علاقة لها بأي اختلاف حول الشؤون الداخلية) في مثل هذه الظروف لا يجوز إصدار أحكام أو الجزم بانعدام الثقة بهذا الاتجاه أو ذاك. إن حكما كهذا مرهون بتحرير الشأن العام وممارسيه من التدخل التعسفي المباشر، وعندها فقط تظهر الإرادة الحرة للناس، ويكتشف الناس بالتجربة والخطأ من هم انصار الحكم الرشيد، لغة العصر، قولاً وفعلاً، ومن هم، على العكس، أولئك الذين يعارضون الحكم الرشيد، قولاً وفعلاً، وعندها يتعدّل الحراك الشعبي والاجتماعي وفقاً للمصلحة العامة، وينضج وعي الناس وممارساتهم ومشاركاتهم في مراقبة ومتابعة الشؤون العامة والمبادرة لتحمل المسؤوليات، وعندها يعود الناس، بالفطرة وبالممارسة، كما كانوا في السابق، إلى فرز الصالح من الطالح، والنافع من الضار، والوطني المخلص عن الانتهازي الفاسد، وإلى تأييد هذا البرنامج أو رفض ذاك، كما في المجتمعات المتحضرة، بينما تخلو حياتنا منذ عقود من أية برامج أو أي احترام للوعود التي غالبا ما تطلق ارتجالا وفي المناسبات، والتي تتحول، وقبل أن يجف حبرها، إلى منسيات لا يعود إليها أحد فيما بعد، ومن ينبشها من القبر يكون مصيره الصرف من الخدمة ومنع السفر والسجن وربما ماهو أفظع! فالخطة الخمسية الأولى، على سبيل المثال (1960 ـ 1965) نصت على إلغاء الأمية، وكانت الأمية بمعناها البسيط أي عدم القراءة والكتابة، تشكل 60% من السكان، أي من 4.5 مليون سوري. والآن، وبعد نصف قرن، فإن عدد الأميين (وبالمعنى البسيط أيضاً، رغم أن مفهوم الأمية اليوم قد يشمل نسبة عالية من خريجي الثانوية والجامعة أحياناً) يقارب مجموع سكان سورية عام 1960، وبالنسبة، 18.7% من عدد السكان الحاليين (وهو أكثر من 23 ملين نسمة)، وفي التصريحات الرسمية لم تتعد الزيادة في عدد المتقدمين إلى امتحان الشهادات العامة عام 2010 عن 7500 متقدم عن العام السابق، لتكون نسبة هذه الزيادة إلى أعداد المواطنين الذين ولدوا في العامين اللذين ولد فيهما المتقدمون إلى الشهادات العامة ما قبل الجامعية عام 2010 لاتزيد عن ثلث النسبة العامة لجميع المتقدمين إلى مجموع السكان وهذا دليل على تزايد التسرب من المدارس في العقدين الأخيرين وذهاب الأطفال إلى العمل بسبب تعمق الأزمة المعيشية والاقتصادية، وبالتالي الانخفاض الكبير في نسبة التلاميذ اللذين يتابعون الدراسة حتى الحصول على الشهادة الإعدادية والثانوية.

واذكر تقريراً نشر في الثورة قبل 5 سنوات يذكر أن عدد الأطفال الذين يعملون قد بلغ 623 ألف. هذا بينما استطاع الرئيس هوغو شافيز إلغاء الأمية في فنزويلا خلال عام فقط! أما عن نسبة الفقر والبطالة والهجرة الخارجية وسكنى العشوائيات والتشرد، وبالمقابل نسبة الأثرياء وأصحاب المليارات المتراكمة في الخارج والداخل (المتحصلة بالوسائل غير الشرعية، والتي تراوحت حسب كلمات وزير الاقتصاد الأسبق مابين 120 ــ 180 مليار دولار آنذاك) فإن هذه النسب أكبر بما لا يقاس، مما كانت عليه قبل نصف قرن. وإذا كانت تلك الأوضاع سبباً في انتشار التسييس في المجتمع انتشار النار في الهشيم بعد الاستقلال في الخمسينات، والذي كان أبرز ظواهره انتشار حزب البعث العربي الاشتراكي خلال سنوات من نشوئه في أوساط القوى الحية في المجتمع السوري، بل وفي عدد من المجتمعات العربية الأخرى، فإن المتحكمين بالسلطة باسم هذا الحزب منذ عقود هم أول من يعرف ماذا يمكن أن يرتد عليهم من تفاقم هذه الأسباب الاقتصادية ــ الاجتماعية التي يرجع إليهم "الفضل" في صناعتها بشكل مخطط وهادف وواع يوماً بيوم، وسنة بسنة، وعقداً بعد عقد، وهذا وحده ما يفسر موقفهم المتشدد من كل إنسان يثير التساؤلات عن مسيرة هذه الظواهر التطورية السلبية ويحاول إسقاطها على المستقبل، هذا الموقف المتشدد الذي أصبح نادر الوجود في عالمنا اليوم. وهذا كله في الوقت الذي يجري فيه التخصيص الصامت أو الضمني على قدم وساق، والذي يجري فيه، ليس استعادة حصيلة الخصخصة "العادلة" إلى الشعب، كما يفترض، بل التفريط الممنهج بالموارد السيادية للدولة وبالممتلكات العامة، أي بإفقار الدولة والشعب ونقل لحمهما وشحمهما إلى حفنة من الخواص الأوصياء والشركاء المتحالفين المتضامنين لاغتصاب حقوق المواطنين، وليغيب كلياً ليس فقط مفهوم الاشتراكية (الملعون!)، رغم ان المواطنين مازالوا يسجنون بتهمة معاداة النظام الاشتراكي حتى اليوم! بل وليغيب حتى مفهوم التنمية الاقتصادية ــ الاجتماعية الشاملة الذي ساد على الورق في الخطط الخمسية، دون أن يتحقق منه على الأرض إلا القليل القليل، وفي البدايات فقط، بينما تحقق عكسه، وبشكل جارف ومخطط وعلى طول الخط! ولتقدير حجم ونوع ما تحقق اعتدت أن اضرب المثال التالي القابل للتعميم بثقة تامة على كل مواطن لاينتمي إلى أصحاب اليد الطويلة أو الطائلة الذين يحتكرون لوحدهم العيش فوق خط الفقر في سورية، باعتبار ان الساكنين تحت خط الفقر والذين يشكلون نصف السكان هم فقط المواطنون الذين يعيشون على المداخيل الشرعية الناجمة عن العمل: والمثال الخاص – العام هو التالي: في الستينات كنت أعيش على راتبي الحكومي الذي لم يتجاوز 190 ل س كموظف في المصرف على أساس الثانوية. وعام 1967، أصبح راتبي، كخريج جامعي، 400 ل س وكان هذا الراتب كافيا لتغطية أجرة شقة أو شرائها بقرض مصرفي وشراء سيارة بسيطة بالتقسيط وتغطية نفقات المعيشة الأخرى بارتياح بما في ذلك الحاجات الثقافية التي أصبحت خارج الاهتمام منذ أكثر من عقدين عند الكثيرين. وبعد عقدين، أي عام 1987 أصبح راتبي كعميد للكلية التي كنت طالبا فيها في الستينات لايغطي فقط اجرة الشقة التي كنت اسكنها وأنا طالب! ناهيك عن الحاجات الأخرى، أما اليوم، فان متوسط تكاليف المعيشة (أو متوسط الأسعار) فيتراوح بين 500 ضعف مستواه في الستينات في مجال السكن و200 ضعف في سعر اللحوم والوجبات و100-150 ضعف في أسعار الخضار والفواكه والكتاب والورق والوسائل الثقافية الأخرى، وبالمتوسط فان تكاليف المعيشة اليوم تزيد عن 125 ضعف ماكانت عليه في الستينات. وبالمقابل، لايزيد متوسط الرواتب والأجور اليوم عن 30-40 ضعف مستواه في الستينات. وبالمحصلة فان الرواتب والأجور الحقيقية قد فقدت ثلاثة أرباع قيمتها على الأقل. أن الاهتمام الأكبر للاقتصاديين العلميين والمثقفين ينصب على تفسير وشرح آثار هذه الظاهرة (وبما تحمله من القضاء على الطبقة الوسطى باعتبارها منبع السياسة) على الحياة العامة في سورية حاضرا ومستقبلا وأهمية وكيفية وقف هذه المسيرة الانحطاطية المدمرة. أهذا الجهد هو الذي يتطلب كل هذا القمع والحقد من قبل السلطة، أم، على العكس، يتطلب الدعم والتعاون والتشجيع، أو، وهذا اقل الكفر (وليس اقل الإيمان)، الحياد؟

أما أين ولمن وكيف وبتخطيط وتنفيذ من ذهبت ثلاثة أرباع المداخيل الحقيقية في سورية على مدى نصف القرن الماضي، وبالأخص العقود الأربعة الماضية، فقد كان موضوع اهتمامنا الدائم، نحن المثقفين السوريين الذين دفعوا من التضحيات ما لا يقدر ثمنا لاهتمامهم بالشأن العام، أي ثمنا لنشاطهم السياسي، وان ماقالوه وما فعلوه لم يذهب جفاء بل يبقى في الأرض، ويكفيه فخرا ذلك التراث الهائل من العلانية والشفافية والعقلانية الذي لايمكن محوه، مما يمكن أن يشكل الأساس لبناء كبير لم يبدأ أحد ببنائه بعد، وان كان المثقفون أعطوه الكثير من اهتمامهم، أما بالنسبة للسلطة فلم تضيِِع شيئا من وقتها للتفكير الصادق فيه بعد، فالوقت من ذهب، والذهب أغلى من أن يضيَع!

 

ــ عبد العزيز الخير:

صحيح أن المواطنين فاقدو الثقة بالمؤسسات الحاكمة والمعارضة وبالنخب الثقافية والسياسية. ولعل هذا وصل عند كثيرين إلى حالة اليأس من الأوضاع القائمة وإمكانية تغيرها نحو الأفضل. أما استعادة الثقة، وهي مسألة صعبة حقاً، فلن تتم إلا بالإقدام على أفعال تخلق تطوراً ملموساً في واقع هذه المؤسسات، وفي دور النخب السياسية والثقافية.

سبق لرئيس الجمهورية أن أثار آمالاً حقيقيةً في المجتمع إثر خطاب القسم وما وعد به في ذلك الخطاب. وتعززت الآمال مع هامش أتيح من حرية التعبير والنشاط استمر أقل من ثلاثة أعوام، حين ظهرت المنتديات المتنوعة في المجتمع وتنشق الناس هواءً طال انتظارهم له. لكن تلك المرحلة انطوت بسرعة مخيبة، وعادت مظاهر الحكم العرفي ــ الاستبدادي لتفرض نفسها خطوة وراء خطوة. مثل ذلك المناخ كان جديراً فيما لو استمر بأن يُكسِب مؤسسات الحكم ثقة متزايدة، وكان جديراً بأن يخلق تطوراً كبير الأهمية فيما لو عزز بتعليق العمل بقانون الطوارئ والأحكام العرفية وإصدار قانون ديمقراطي للأحزاب والإعلام.. إلا أن مخاوف النظام مما سمعه من طروحات وبيانات امتاز بعضها بالحدة والنزق (و الراديكالية التي لم تستند إلا على أوهام!) جعلته يسارع بحدة ونزق أيضاً، إلى إغلاق النوافذ التي سمح بفتحها بالأمس القريب!.. واليوم ما يزال التحدي نفسه قائماً. فلا سبيل للسلطة أو لمؤسساتها السياسية لكسب ثقة المجتمع ما لم تقدم على تغيير حقيقي في المناخ السياسي القائم في البلاد، يعطي السوريين فسحة من حقوقهم الطبيعية والمكتسبة، بصورة راسخة ومحمية بالقانون، فعلاً لا قولاً. وبالتحديد، ما يخص حرية الرأي والتعبير والنشاط والتجمع والتنظيم. وحين أقول (يعطي السوريين) أقصد السوريين جميعاً، بما فيهم حزب البعث نفسه، وأحزاب الجبهة، ومختلف الأحزاب المعارضة وسائر المجتمع. وبإمكان أي عاقل ينظر إلى واقع المجتمع والنظام أن يدرك أن تطوراً كهذا لا يخلق من المخاطر أو المتاعب للنظام بقدر ما يخلقه استمرار الوضع على حاله، بما فيه من أحكام عرفية وكبت شديد للحريات. ورغم أن الصخب والحراك في الحالة الأولى يكون أعلى وأقوى بلا شك، (لاسيما عند مقارنته بالموات الظاهري في الوضع القائم اليوم) إلا أنه يظل قابلاً للمعالجات السياسية السلمية بحكم ما يتميز به من شفافية ووضوح، في مقابل الاحتمالات الخطرة والمباغتة التي يمكن أن تنفجر دون توقع، في الحالة الثانية، حيث قد تجد السلطة نفسها في مواجهة وضع مولّد للعنف الواسع (من أي من الأطراف المتواجهة) أو مولد للفوضى، مما قد يقحم المجتمع في كارثة هو بغنىً عنها دون ريب، ولا يجوز أساساً ترك احتمالها وارداً. أما استعادة الأحزاب المعارضة والنخب الفكرية والسياسية لثقة الناس بها، فلن تتم أيضاً إلا بالإقدام على أفعال محددة. إن أحد أهم أسباب فقد الثقة يكمن لا في نقص الكلام والأفكار فثمة الكثير منها، مما بات الناس يملون سماعه. بل في نقص الأفعال التي تعطي الأفكار مصداقيتها، وفي نقص القدرة على التجدد والإبداع ومواكبة مستجدات الحياة. وقد تكون هناك مئات الأعذار أو الأسباب المقنعة لتفسير هذا النقص، إلا أن البشر والتاريخ معاً، لا يبالون بها، لأنهم بحاجة إلى من يساعدهم على تطوير حياتهم وواقعهم، وليسوا بحاجة أبداً إلى من يعجز عن ذلك، ولو كانت لديه مئات الأعذار المحقة لتبرير عجزه!

المجتمع بحاجة إلى أناسٍ قادرين على لعب دورهم، ليمنحهم الثقة.

وليس بحاجة إلى عاجزين، يقدمون أعذاراً، ولو كانت محقة!.

 

السؤال العاشر: لماذا فشلت الأحزاب السياسية كافة في السلطة والمعارضة على ثني المواطن السوري من العزوف عن السياسة؟

 

ــ  جودت سعيد:

 لأن الأحزاب السياسية في السلطة والمعارضة فشلت في إيقاظ المواطن السوري، لأن الذي في السلطة والمعارضة مثل بعض يؤمنون بأن السلطة امتيازات دعني أقص عليك ما حدثني به أبو جرير الديري كنت سجنت معه فقال في أيام الوحدة أخذ مواطن في جهات الدير وكان انتظم في الحزب القومي السوري فسأله المحقق أخبرني الآن عن أهدافكم من القاعدة إلى القمة فقال يا طويل العمر هدفنا هو أن نزيحكم ونقعد محلكم ما قاله هذا المواطن البسيط يفسر فشلنا جميعاً ما فهمنا لا السلطة ولا السياسة ولا العدل وهل تقبلون أن أختم رسالتي بقصة أخرى سأوجزها قدر الإمكان وقع في يدي كتاب ضخم _(أزمة الديمقراطية في البلاد العربية) وبما أني أهتم بالديمقراطية عكفت على قراءته بشهية وقضيت ليالي طويلة في الشتاء أتأمله قال في المقدمة أن هذا الكتاب خلاصة ندوة دعي إليها من كل البلاد العربية ولما فكروا أين تعقد هذه الندوة ولم يقبل أي بلد عربي أن تعقد فيها هذه الندوة فطلبوا من قبرص فسمح لهم وعقد في ليماسول والكتاب فيه خمسة عشرة موضوعاًُ بحثها خمسة عشرة باحثاً وأعطيت هذه البحوث لخمسة معقبين فكتبوا تعقيبات عدا مشاركين آخرين ومداخلاتهم الخلاصة خرجت من الكتاب وأنا أحس أنه ليس فيهم من يفهم الديمقراطية والمثال أني قرأت فيما قرأت أن كاتباً عراقياً يسارياً درس في بريطانيا دراسته العليا قال هذا الكاتب: من موقف يساري أمد يدي إلى الإسلامي الذي شرف السلاح العربي بيد الإنسان العربي الذي اغتال أنور السادات ربما انتفخ الإسلاميون بهذا الشرف والثناء وهذا اليساري كان مما قاله في الكتاب أنه درس في بريطانيا ومما شاهد أن الحزب الحاكم هناك كان هو الذي ينشر آراء الحزب المعارض

لكن المشكلة أننا إذا أثنينا على الذي اغتال السادات وهذا الذي قتل السادات لن يتردد في قتل هذا اليساري ولم يشفع للسادات أنه يفتتح بالإيمان ويختم خطابه بقراءة أواخر سورة البقرة "وانصرنا على القوم الكافرين" ولم يقل أحد من الحاضرين أنه إذا كان حكمنا على المعارض سياسياً هو هذا فكيف يمكن أن تدخل الديمقراطية إلى بلادنا ما أدري هل الديمقراطية هي في أزمة أم نحن ربما هناك معترض في الندوة ولكن لم يسجل إنكار على هذا الكلام بالذات فلهذا هذه الأفكار التي نحملها تعيق الديمقراطية في العالم العربي.

كان جلال الدين الرومي لما يقص في ديوانه المثنوي قصة يعقب ويقول خذ من هذه القصة حصة وإذا لم تأخذ حصة فأنا الذي ينبغي أن ألوم نفسي لأني عيي لا أوضح المشكلات ما كان أصدق الحكيم الصيني الذي قال إذا لم أفهم أفكاري جارتي العجوز فليس عندي أفكار فليس عندي أفكار فليس عندي أفكار.

 

ــ حبيب عيسى:

 دعني، أختلف معك، مرة أخرى، في صيغة السؤال، فالأحزاب السياسية، في الوطن العربي، كافة، سواء كانت في السلطة، أو كانت في المعارضة، لم، تفشل في ثني المواطن العربي، عن، عزوفه عن السياسة، على العكس، من ذلك تماماً، فتلك الأحزاب، على تنوعها، هي، التي سعت موضوعياً، بإرادة، أو بدون إرادة، لهذا العزوف، ودفعت المواطن العربي قسراً، ليختفي من الصورة، التي لم تعد تتسع إلا للزعيم، ذلك، أن تلك الأحزاب، وفي غياب البنية المؤسساتية، وتهّتك النسيج الداخلي ـ لتلك الأحزاب ـ وفي ظل غياب، المهام العامة، وتحّول تلك الأحزاب، إلى مؤسسات خاصة، لخدمة، وتبخير صاحب الحزب، سواء، كان في السلطة، أو كان، في المعارضة، لم تعد، تلك الأحزاب، بحاجة إلى حاضنة شعبية، واسعة، بل، إن مثل تلك الحاضنة، باتت تشكل، عبئاً، على تلك الأحزاب، يجب التخلص، منها، فالأحزاب الحاكمة، تحولت إلى أجهزة من أجهزة السلطات، لا إرادة سياسية، لها، تنحصر مهامها، في تسيّير المسيرات، عندما يطلب إليها، ذلك، وتأييد المواقف، التي، لا تعرف مصدرها، أو مآلها، فإذا، طلب إليها أن تحشد للحرب، عليها، أن تهتف، لبطل الحرب، وإذا، طلب إليها أن تحشد للسلام، عليها أن تهتف، لبطل السلام، أما، الأحزاب المعارضة، فإنها، بالمقابل، تحولت إلى أحزاب، الأمين العام، المؤبد، أيضاً، وبالتالي، لم تعد تلك الأحزاب، بحاجة إلى حاضنة شعبية واسعة، على العكس، من ذلك، فإن الحاضنة الشعبية الواسعة، قد تربك الزعيم، وتهدد زعامته، لذلك، فإن تلك الأحزاب، تتقوقع على ذاتها، وتتحلق حول الزعيم. الآن، يجب أن يتغير هذا المشهد المنفرّ، لتعود الناس إلى السياسة، في الوطن العربي، وبالتالي، فإنني، أقول دون مجاملة، أن المسؤولية، الآن، للخروج من المحنة، في الوطن العربي، لا تقع، على كاهل حزب، أو مؤسسة قائمة، أو زعيم موجود، أو منتظر، وإنما المسؤولية، عامة، على كاهل الجيل العربي الجديد، تحديداً، الذي، عليه، أن لا ينتظر الدعوة، من أحد، للخروج، من المحنة، وإنما، عليه أن يقلعّ شوكه، بيديه، وأن يعرف، هو، كيف يشق طريقه للخروج من الخرائب، التي أورثناه، إياها، وتفادي الألغام المزروعة، في كل مكان من أرض العرب، وأن يخرج، نهائياً، من تحت عباءة جيلنا، وأن ينسج عباءته، بيديه، وعلى، النول، الذي يصنعه، بنفسه، وأن يبني مؤسساته، بمواصفات المؤسسات، الحقيقية، الفاعلة، العصرية، بذلك، وبذلك فقط، ينتهي هذا العزوف عن السياسة، في مجتمعنا العربي، وبهذا تعود الإرادة السياسية للأمة، تلك الإرادة، التي تفتقدها هذه الأيام.... شكراً لكم، وأرجو أن نلتقي في العام القادم، وقد تحولت هذه الطاولة إلى ساحة على طول الأرض العربية، وعرضها.

 

ــ عارف دليلة:

بعد أن عرفنا ما الذي أودى بنا إلى مانحن عليه الآن، وبالأخص في أسباب ما يسمى "العزوف عن السياسة"، أصبح واضحاً جداً كيف يمكن إحياء، ليس الناس الأحياء أصلاً، وإنما التجارب والمبادرات والمشاركات في الشأن العام واستعادته كشأن خاص بكل مواطن.

تكمن البداية في إعادة المواطنة إلى المواطن، أي استعادته لجميع حقوقه الشخصية القانونية المنتزعة الآن، كذات حرة ناضجة وواعية وواثقة، قادرة على الفصل بين مايضر وينفع، متمتع بالحصانة والأمان، في ظل مؤسسات تعمل على تكريس مناخات وظروف مشجعة على الاستقرار والعيش والعمل والتفكير والتعبير الحضاري العلني السلمي والانتخاب والترشح والمراقبة والمحاسبة والمساءلة في كل ما يخص وطنه ومجتمعه، تماماً مثله مثل أي مواطن في أي مجتمع ديمقراطي متحضر. وجنباً إلى جنب يجب تحرير النشاط الاجتماعي، الأهلي والمدني- السياسي، من القيود اللاوطنية، أي إلغاء كل الرقابات «إلا رقابة الضمير» (الشعار الذى أطلق منذ أربعة عقود، ليصبح غطاء لكل من يعمل بعكسه تماما، أي يعمل على تمويت الضمير). ان المجتمع والجماعة كفيلان بحصار وإسقاط أي نشاز لأنه يضر بهما قبل أن يضر بأي سلطة، وهذا خلاف ما استقر عليه الحال وأصبح محمياً بقوة، وهو إمكان الإضرار بدون حدود بالمجتمع والجماعة بشرط عدم الإضرار بالسلطة، وبالأحرى بمصالح المتحكمين بالسلطة، والذي يصل أحياناً إلى حد أن الإضرار بالمجتمع والجماعة، أي بالمصلحة العامة، هو الذي يخدم "استقرار" السلطة وإراحة وإدامة الحكم، وهذه هي الطامة الكبرى!

ان ممارسة الحرية الاجتماعية الواعية المسؤولة هي عمل المواطنين الأحرار، ولقد ضاعت ستة عقود منذ الاستقلال في هدر طاقات الدولة والمجتمع على محاربة هذه الحرية، بدلا من استخدام هذه الطاقات في التعاون الخلاق على البناء، حتى وصلنا إلى حال الموات العام الراهن. إن الخروج من الموات إلى الحياة، من الظلام إلى النور، من غياهب التاريخ الصفراء الباهتة إلى عصرنا الصاخب بالانجازات الباهرة، رهن بهذه الحرية، باعتبارها مناخ وأكسجين الديمقراطية التي تسكن عصرنا الراهن، حتى و"هي أسوأ الأنظمة، باستثناء جميع الأنظمة الأخرى"، حسب تعريف السياسي الانكليزي ونستون تشرشل.

 

ــ عبد العزيز الخير:

من الواضح أن السؤال غير دقيق. فأحزاب السلطة، أو حزبها إن شئنا الدقة، لا تعمل لإقناع المواطن بضرورة النشاط السياسي، بل إن فعلها يدفع المواطن موضوعياً للابتعاد عن السياسة. ولا بأس من الإشارة إلى أن أحزاب الجبهة الملحقة بالنظام تعجز عن الحفاظ على انتماء أعضائها إليها وإقناعهم بمتابعة فعاليتهم السياسية في صفوفها، فكيف إذاً بإقناع مواطنين غيرهم بضرورة هذه الفاعلية، ويكمن السبب في فقد هذه الأحزاب لمصداقيتها، وعجزها المقيم (بل واستسلامها)، عن تجاوز الخطوط الحمراء المرسومة لها، مما يظهرها كما هي فعلاً: مجرد ملحقات للديكور الذي يستخدمه النظام لتمويه طابع حكمه الاستبدادي. هذا الأمر شديد الوضوح للمجتمع السوري كله، وفيه يكمن سبب العجز والانحسار المستمر لهذه الأحزاب، التي بات معظمها مجرد يافطات لا ظل لها على الأرض!

أما في ما يخص أسباب عجز المعارضة، فقد أوضحناه سابقاً، في سياق الإجابة على السؤال الثالث.

المواطنون فاقدو الثقة بالمؤسسات الحالية، الحاكمة والمعارضة، بل وفي النخب الفكرية والثقافية والسياسية. كيف يمكن استعادة الثقة؟

المدخل الرئيسي للحكم الرشيد لأي دولة مرهون بالإرادة السياسية، كيف ومن هي الجهة التي تملك هذه الإرادة؟

 

ــ محمد عمار:

إن الأسئلة الثلاث الأخيرة تبدو بالنسبة لي متداخلة، أو متقاربة أو متراكبة، فكيف يمكن أن نقنع المواطن العربي بالعمل السياسي؟ إذا كانت النخب السياسية في السلطة والمعارضة لا تمارس السياسة؟ وكيف يمكن ممارسة السياسة في مناخ ثقافي لا يؤمن بالسياسة؟ وكيف نبني ثقة المواطن العربي بما هو مفقود إذ صح ما قدمنا من انعدام للسياسة؟ وصح ما قدما من أن النخب نفسها لاتملك مثل هذه الثقة؟

 

أعتقد أن الإجابة على هذا السؤال تتضمن تلخيصا للطاولة بكل محاورها، وهي في نفس الوقت تساعدني على لملمة ما تفرق في إجاباتي على الأسئلة المختلفة، وبحسب ما قدمت في بحث الموضوع في إجاباتي، يمكنني القول إن الواقع العربي واقع قاحل مجدب إذا تعلق الأمر بالسياسة، وهذا الفقر في عالم السياسة الذي يصل حد الإملاق، يرجع بحسب تحليلي إلى فقر العالم الثقافي ونقص أدواته، حيث ليس لنا قدرة في العالم الثقافي على فصل معركة الفكر عن معركة الجسد، فنحن ننتمي إلى ثقافة ما زالت إلى الآن، لا تعترف بالمختلف، فنحن دينيا نقتل المرتد، وقوميا نخون المختلف ونسوغ إعدامه، أي أننا ندخل في عالم الثقافة، أدوات تفقده تجانسه للدرجة التي تبطل قيمته وتلغيه، وما يحدث في عالم الثقافة هذا يمتد بطريقة آلية إلى عالم السياسة، فنحن في السياسة لا نعرف المعرضة ولا نعترف بالمعارض، وهذا نتيجة طبيعية، لأن ما عندنا من فكر هو الذي يحدد ما نقوم به من عمل وطريقة قيامنا بهذا العمل، ففي كل زمان وفي كل مكان تقدس فيه القوة لا يمكن أن تمارس فيه السياسة، ولذلك فإن جعل السياسة ممكنة يتطلب قلبا في سلم القيم في الثقافة العربية، فما دام السيف أصدق إنباء من الكتب، فلا سبيل للسياسة، وما دامت السياسة مرفوعة فنحن ندعو الناس لخوض معارك مؤلمة كلما دعوناهم للاهتمام بقضايا الشأن العام، ولذلك وبسبب التجارب المريرة عبر قرون عديدة، سجل المواطن العربي استقالة نهائية في العالم الذي نسميه زورا بعالم السياسة، وهو في الحقيقة عالم الحرب والموت والدم والدمار، ومن ينكر هذا ليتأمل الماضي القريب والحاضر لمعظم إن لم نقل جميع (الدول) (العربية)، وحتى يمكن إعادة المواطن العربي إلى السياسة، لا بد من خلقها، فمن غير المعقول إعادة المواطن العربي إلى ماهو مفقود، وحتى نتمكن من إيجاد السياسة لا بد من إصلاح الثقافة، ولكن الثقافة لا يمكن إصلاحها، من غير إصلاح الديانة، ذلك أن الدين هو المؤثر الأكبر في صناعة الوعي العام، وهو أساس الاجتماع البشري، والإسلام هو الرقم الصعب في معادلة القوة في هذه المنطقة، ويمكن الإشارة في عجالة إلى قلب بعض الاتجاهات العامة في الفكر الديني التي يمكن أن تكون عناوين على نوعية الإصلاح الديني المنشود من منظور قرآني:

أولاً ــ نقل مصدر المعرفة من النص إلى الوجود الخارجي.

ثانياً ــ نقل مبحث الإيمان من الله إلى الكون والإنسان.

ثالثاً ــ نقل مبحث الفقه من العبادات إلى المعاملات.

رابعاً ــ نقل مبحث الأخلاق من الآخرة إلى الدنيا.

خامساً ــ إعادة الاعتبار لحقيقة الإنسان في الرجل والمرأة.

 

ــ ناصر الغزالي:

أشكر لكم حضوركم، ومساهماتكم الرائعة في إثراء وإغناء هذا الحوار.

 


 

(*)  الشيخ جودت سعيد  أ. د. باحث  ومختص بالدراسات الإسلامية.

(* )  حبيب عيسى صحفي ومحامي سوري، من معتقلي ربيع دمشق .

(*) عارف دليلة   د. باحث ومختص بالدراسات الاقتصادية والسياسية، من معتقلي ربيع دمشق .

(*عبد العزيز الخير طبيب، معتقل سياسي سابق، عضو المجلس الوطني لإعلان دمشق .

(* ) محمد عمار  د. باحث ومختص بالدراسات الإسلامية .

- ناصر الغزالي : رئيس مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية ، المدير المسؤول  لمجلة مقاربات

(*) تغلب هذا الرجل في أواخر العصر العباس على منطقة وأعلن توليه عليها، فقام أحد القضاة  وطلب منه أن يريهم عهد أمير المؤمنين له بتولي تلك المنطقة، وكان الليث قد أدرك مصدر الشرعية التي يستند إليها أمير المؤمنين، فنادى أحد حراسه وطلب منه أن يأتي بعهد أمير المؤمنين، فغاب الرجل قليلا ثم رجع ومعه شيء ملفوف في خرقة، فقال له افتحها ففتحها وإذ سيف في داخلها، فتعجب الجميع وعندها ابتدرهم قائلا وما هي الشرعية التي يمتلكها أمير المؤمنين غير هذا؟  فكأنه تكلم بغير المفكر فيه على شدة وضوحه!!

 

C.A. DROITS HUMAINS

5 Rue Gambetta - 92240 Malakoff – France

Phone: (33-1) 40921588  * Fax: (33-1) 46541913

E. mail achr@noos.fr   achr.eu achr.eu

 

 

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي اللجنة العربية لحقوق الإنسان , إنما تعبر عن رأي أصحابها

الصفحة الرئيسة