الواقع الصحي في العراق وانتهاك حقوق الإنسان....

د. مروان محل الدليمي

رئيس رابطة الأطباء العراقيين

 

من المأثور الشعبي في العراق احد الأمثلة التي تقول ( الله لا يشوفك لا حاكم و لا حكيم ) و التي تلخص بإيجاز وضع النظام القضائي و الصحي في الوقت الحالي... حيث التدهور الواضح في هيكل المؤسسات الصحية الذي انعكس بصورة مباشرة على حياة المواطن ,في ظل وضع امني متدهور و حروب داخلية واقتتال و مسلسل اختطاف و اغتيالات للكوادر الطبية أدى إلى هذه النتائج الفادحة والذي بدوره أضاف عبأ على المستشفيات و العيادات الخاصة و التي لا تقوى حالياً وفق المعطيات الموجودة على استيعاب هذا الزخم الهائل من المرضى .                                                                   

إن هذا الخلل الكبير انعكس على المريض في حصوله على الخدمة الصحية كجزء من حقوقه في الحياة و في التطبيب كما أقرتها معاهدة جنيف وكل المواثيق و العهود الدولية التي تبعتها, حيث تبدأ معاناته منذ أول يوم دخوله إلى المستشفى و هو يحمل المروحة الكهربائية والبطانية والوسادة و طعام ثلاث وجبات, ليصطدم بنقص الأدوية واضطراره لشرائها من السوق المحلية وبأسعار باهظة, وإضافة لجلب المرافقين الذين يعتنون به ليفترشوا الأرض للنوم داخل الردهات وبين أسرة المرضى.                                                                 

الإهمال و عدم الاهتمام بالمريض كانسان بالدرجة الأولى صارت جزء من سياق العمل, وهذا نابع بالدرجة الرئيسية من النفسية المنهكة التي يمتلكها المعنيون على توفير هذه الخدمة, فقد كان اثر تراكم الظروف القاهرة التي مروا بها والسنين الطويلة للحروب المتكررة و إفرازاتها والاضطهاد النفسي والجسدي والعوز المادي ونقص التوعية الاجتماعية, عوضاً عن صراعات أثنية وطائفية وسياسية واجتماعية انعكست سلباً لتركيز حالة من عدم الاكتراث بالآخر واللامبالاة.                                                                         

الخدمة التمريضية والتي تنحسر فقط في إعطاء العلاج للمريض من قبل كادر غير مؤهل بصورة صحيحة ويفتقر في بعض الأحيان إلى ابسط المعلومات الصحية التي أدت إلى موت بعض المرضى لأسباب تافهة, هذه الخدمة تتوفر بصورة منتظمة  لمن يدفع أكثر حيث أن اغلب هذا الكادر يستلم أجور متدنية نسبياً مما أدى إلى استشراء هذه الظاهرة فيه و لعقود طويلة.                                                   

الطبيب في العراق لديه شعور بأنه مهمش بصورة مقصودة, حيث يعيش في واقع معيشي متدني و انقطاع علمي تعزى أسبابه إلى الفساد الإداري لدى مسئولي المؤسسات و الدوائر التابعة لوزارة الصحة حيث يتم التغاضي عن هذا الواقع مع وجود الآليات و الإمكانيات للحل,هذا الحال أدى إلى عمل الأطباء خارج نطاق المؤسسات الحكومية في عيادات و مستشفيات خاصة.                                

العيادات الخاصة هي عبارة عن أماكن بسيطة لفحص المرضى و في أحسن أحوالها تكون رثة وهزيلة و تفتقر إلى ابسط مقومات العيادة الطبية ( إلا فيما ندر ), يفحص الطبيب في العيادة عدد كبير من المرضى قد يصل في بعض الأحيان إلى أكثر من مئة و في وقت قصير, وممكن أن يكون فحص عدد من المرضى في آن واحد( قد يصل إلى 4-5 مرضى ) وهذا بحد ذاته هو ضد حق المريض في الاحتفاظ بسرية مرضه و عدم البوح به أمام الآخرين ,بعض العيادات في المحافظات و الأماكن النائية تكاد تكون أماكن لبيع الأدوية و تقوم أيضا مقام الصيدلية!!.                                                 

 سجلت حالات من الابتزاز التي تعرض لها مرضى من خلال الضغط عليهم لأجراء العملية الجراحية في المستشفى الخاص و بأجر عال جداً, وهذه المستشفيات هي أيضا تفتقر إلى أبسط مقومات إنشائها.   

تسرب الأدوية من المستشفيات و المخازن الدوائية نتيجة السرقات والفساد الإداري أدى إلى نقصها في المستشفيات و انتشارها وبيعها على ناصية الشوارع مثلما تباع السكائر و المرطبات !!!              

 يومياً يموت العديد من المرضى ليس بسبب أمراضهم المستعصية ولكن نتيجة هذا الواقع الأليم التي تعيشه المنظومة الصحية والخلل الواضح في أدائها.... هذا الحال الخطر في الوضع الصحي في العراق الذي دق ناقوس الخطر والذي استعصى حتى على الإجراءات الحكومية, ينتظر الآن من المجتمع الدولي آليات و وسائل جديدة وناجعة و تحرك واسع و شامل لتغييره تغييراً راديكالياً للوصول إلى ضمان حقيقي لحقوق الجميع وإنقاذا لشعب عانى و يعاني مأساة لم يشهد تاريخ المنطقة المعاصر مثيلا لها منذ عقود.